المواجهة الأمريكية الإيرانية: دروس مبكرة

د. أحمد بطاح
مدار الساعة ـ نشر في 2026/08/25 الساعة 11:33
لعلّ من المبكر أن نستخلص الدروس من المواجهة المحتدمة بين الولايات المتحدة وإسرائيل منذ ستة أشهر، ولكن هذا لا يمنع أن نستشف بعض الدروس المبكرة الجديرة بالدراسة والتحليل من هذه المواجهة ولعلً من أهمها:

أولاً: عجز الولايات المتحدة كقوة عظمى (بل كقطب أوحد في العالم) عن تحقيق نصر حاسم يجبر إيران على التسليم بالشروط الأمريكية المعروفة (فتح مضيق هرمز، إنهاء البرنامج النووي، تقويض القدرة الصاروخية، ضرب النفوذ الإيراني في الإقليم)، والواقع أنّ هذه المواجهة أوضحت حقيقة أنّ للقوةِ مهما بلغت حدوداً، فالقوة الأمريكية هائلة وغير مسبوقة ولكنها عجزت عن فرض الاستسلام على إيران، وها هي الولايات المتحدة تعترف ضمنياً بذلك وتتجه إلى استراتيجية "الخنق الاقتصادي" بدلاً من المواجهة العسكرية المباشرة.

ثانياً: نجاح إيران في تغيير طبيعة المعركة من مواجهة تقليدية إلى "حرب غير متناظرة" إذْ بعد أن كان جوهرها البرنامج النووي الإيراني، أصبح جوهرها مضيق هرمز، وبعد أن كان متوقعاً أن يكون الدور الرئيس لحاملات الطائرات والمدمرات أصبح الدور المهم للمسيرات، و"رفع كلفة الحرب"، و"اقحام العالم في المواجهة" .

ثالثاً: عدم قدرة دول الخليج العربي على التأثير في القرار الأمريكي رغم أنّ هذه الدول لم تكن من المشجعين على الحرب، ورغم أنها كانت أكثر المتضررين منها (لا تستطيع حتى الآن تصدير النفط والغاز والأسمدة بنفس المستوى السابق أو حتى بأدنى مستوى ممكن أحياناً).

رابعاً: تجلّي عدم فاعلية الحماية الأمنية الأمريكية لدول الخليج العربي. صحيح أنّ المظلة الأمنية الأمريكية نجحت في ضمان التصدي لمعظم الصواريخ الإيرانية ولكنها في المُحصلة لم تضمن الأمن لها بصورة كاملة وبحيث تستطيع تصدير منتجاتها من النفط والغاز بصورة طبيعية.

خامساً: تضرر الاقتصاد العالمي بصورة أقل من تلك التي كانت متوقعة إذْ لم تتجاوز أسعار النفط 120 دولاراً بعد ستة أشهر، في حين كان متوقعا أن تصل إلى 300 دولار مع بداية المواجهة، وقل مثل ذلك في انعكاسات الحرب على الأسعار، وسلاسل الإمداد، ونقص الغذاء.

سادساً: تلكؤ الدول الفاعلة على المسرح الدولي (الصين، روسيا وغيرهما) في التدخل لإنهاء المواجهة وترك المهمة لدول متوسطة وصغيرة (باكستان، مصر، تركيا، قطر...) الأمر الذي لم يفلح في وقف الحرب لأنّ هذه الدول لا تملك في الواقع النفوذ (leverage) الحقيقي على الولايات المتحدة وإيران، وبالذات على الولايات المتحدة.

سابعاً: كسب اسرائيل لوضعية "أكبر الرابحين" من هذه المواجهة، حيث حرضت الولايات المتحدة عليها، وشاركت معها في البداية، ثم تركت لها إتمام المهمة إنْ استطاعت.

ثامنا: عجز ما يُسمى بالشرعية الدولية عن وقف هذه الحرب وبخاصة أنّها (عبر أدواتها كمجلس الأمن الدولي) لم تطلب موافقتها منذ البداية، ولم يُسمح لها بالتدخل إلّا حينما كانت تريد الولايات المتحدة.

تاسعاً: التأثير القليل نسبياً لارتدادات المواجهة (ارتفاع الأسعار عالمياً وبالذات في الولايات المتحدة، تناقص شعبية الرئيس ترامب إلى أدنى مستوياتها، توقع خسارة الانتخابات النصفية الأمريكية المقرّرة في أكتوبر المقبل) على قرار الولايات المتحدة القاضي بالاستمرار فيها.

وختاماً، فإنّ المواجهة الأمريكية الإيرانية تتوالى فصولاً في ضوء محدودية تأثير "فائض القوة الأمريكية"، ونرجسية ترامب وتوهمه أنه "الرئيس القوي غير المسبوق" في تاريخ الولايات المتحدة من جهة، وفي ضوء عدم إمكانية استسلام إيران للمطالب الأمريكية الإسرائيلية المُبالغ فيها من جهة أخرى، ولذا فإنّ الأمل يظل معقوداً على قادة عقلاء وحكماء ذوي كلمة مسموعة لدى الطرفين يتدخلون لكي ينقذوا المنطقة والعالم من حرب غير شرعية ولم يكن لها داعٍ تورط فيها رئيس أكبر دولة في العالم بتحريض من رئيس وزراء إسرائيلي مأزوم لا يرى إلا الحرب وسيلة لخلاص "كيانه" وخلاصه هو شخصياً.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/08/25 الساعة 11:33