زيارة الملك إلى الصين: الاقتصاد أم تحوط إستراتيجي مبكر؟

د. منذر الحوارات
مدار الساعة ـ نشر في 2026/08/25 الساعة 00:03
تبدو زيارة الملك عبدالله الثاني إلى الصين اقتصادية من حيث الشكل: وفد وزاري، ولقاءات مع الشركات، وجولات في شنغهاي وشينجن، مدينتي الصناعة والتكنولوجيا، وحديث عن التصنيع والذكاء الاصطناعي والسياحة، لكن خلف الأرقام والاتفاقيات تظهر محاولة أردنية مبكرة لقراءة عالم تتغير فيه مراكز القوة وتتراجع ضمانات الاستقرار، ولم يعد ممكنا للأردن أن يضع كل خياراته الاقتصادية والسياسية، وربما الأمنية، في سلة واحدة.



بدأ الملك من القاعدة لا من القمة، من المصانع وشركات التكنولوجيا والروبوتات والسياحة، قبل الانتقال إلى بكين، حيث السياسة واللقاء مع الرئيس شي جين بينغ، والرسالة أن الأردن لا يبحث عن اتفاقيات فقط، بل يريد الدخول في دورة الإنتاج الصينية، وجعل العلاقة من تجارة منحازة إلى الجانب الصيني إلى شراكة أكثر استقراراً وتوازناً، وهذه الزيارة التاسعة تتوج مساراً ملكياً بدأ عام 2002، وصولاً إلى الشراكة الإستراتيجية المعلنة عام 2015.

سياسياً، أثمرت هذه الزيارات موقفاً صينياً داعماً للأردن والقضايا العربية بصورة لافتة، وصلت إلى حدّ التطابق في مواقف الدولتين، ورغم كل هذا النجاح السياسي، لكن ذلك لم يترجم اقتصادياّ بما يوازي دفء العلاقات وكثافة الزيارات، فخلال الأعوام 2016-2025 بلغ التبادل السلعي بين البلدين 45.5 مليار دولار، لم يصدّر الأردن إلى الصين سوى 4.31 مليار، بينما استورد من الصين 41.5 ملياراً، بعجز يقارب 37.2 مليار دولار، بينما وفي الفترة نفسها بلغ التبادل مع الولايات المتحدة 40.55 مليار دولار، صدّر الأردن إليها 24.15 مليار، واستورد 16.4 مليار، محققاً فائضاً يقارب 7.75 مليار!

والمفارقة أن الاقتصاد الصيني يتجاوز نظيره الأردني بأكثر من ثلاثمائة مرة، ومع ذلك لم تتجاوز صادرات الأردن إليه بضع مئات من ملايين الدولارات سنوياً، فيما ضخت الصين أكثر من 41 مليار دولار إلى سوق أردنية صغيرة ومحدودة الدخل والموارد، وهذا اختلال لا يمكن أن يستمر، ويعادل العجز المتراكم، حسابياً، نحو أربعة أخماس التحويلات الشخصية الواردة إلى المملكة خلال فترة مماثلة.

وهنا يبرز السؤال: هل أخفق الأردن في إقناع الصينيين بأهميته، أم أن بكين متحفظة بفعل تجارب سابقة؟ لا دليل على قرار بإغلاق السوق، والأرجح أننا أمام أسباب متداخلة: قاعدة إنتاج أردنية ضيقة، وسلة تصديرية محدودة، وارتفاع كلف الطاقة والنقل، وصغر الشركات، وضعف قدرتها على تلبية طلبيات منتظمة، مع قصور مؤسسي في تحويل الشراكة السياسية إلى عقود شراء ومسارات ثابتة، أما العطارات، فربما تركت حساسية استثمارية، لكنها لا تفسر خللاً سبقها بسنوات.

أما جسر الهوة فلا تحتاج إلى مجاملة صينية، بل إلى استكمال مفهوم الشراكة، فإذا كان الأردن قد فتح سوقه للمنتج الصيني، فمن حقه أن يطلب فتح مسارات أمام منتجاته، ونقل جزء من الصناعة الصينية إلى المملكة، وإبرام عقود شراء، ويمكن وضع معادلةً تعتمد على أربعة مسارات: اشتروا من الأردن، اصنعوا في الأردن، صدروا من الأردن، وتعرفوا إلى الأردن، والغاية ليست تعادلاً فورياً، بل رفع الصادرات الأردنية، وتحويل جزء من الواردات إلى استثمارات وإنتاج وفرص عمل.

ولأن عمان تتوقع أن مستوى الاهتمام الأميركي والغربي بالمنطقة لا يمكن افتراض ثباته إلى الأبد، بينما ستظل الصين معنية بالشرق الأوسط بوصفه مصدراً رئيسياً للطاقة وسوقاً لمنتجاتها.

لذلك، فإن قراءة الملك للتحولات العالمية تقود إلى تنويع شراكات الأردن الاقتصادية والسياسية، وربما إلى تعاون أمني محدود، لتخفيف ارتدادات الصراعات الكبرى، لكن ذلك لا يعني التخلي عن الولايات المتحدة والغرب، فهذه علاقات مؤسسية تشمل الدفاع والاستخبارات والتجارة والتعليم والمساعدات، وتمنح المملكة قدراً كبيراً من الثبات الإستراتيجي، فالصين، في هذا السياق، شريك إضافي، وليست بديلاً للولايات المتحدة، وعليه، فإن زيارة الملك إلى الصين تتجاوز تصحيح الخلل الاقتصادي إلى بناء سياسة خارجية أكثر استعداداً لعالم يتراجع فيه اليقين، فمراكز القوة تتعدد، والتجارة والطاقة والتكنولوجيا تتحول إلى أدوات نفوذ لا تقل أثراً عن القوة العسكرية، لذلك، لا يذهب الأردن إلى بكين وفي نيته مغادرة واشنطن، ولا يبحث عن تحالف بديل، بل يضيف إلى حركته الدولية مساحة جديدة وطبقة من التحوط لحساب استقراره ومصالحه المستقبلية.

وقد يكون الاقتصاد عنوان الزيارة، لكن سياقها الأعمق هو التحوّط الإستراتيجي المبكر، وهذه الاستباقية مكّنت الأردن من حفظ توازنه في منطقة تحترق بالصراعات، من دون الابتعاد عن حلفائه، فالتحوط ليس استدارة نحو محور جديد، بل للاستعداد لعالم لا يكفي فيه حليف واحد أو سوق واحدة لحماية الدول الصغيرة، ويبقى الاختبار الحقيقي ترجمة التفاهم مع بكين إلى مكاسب سياسية واقتصادية ملموسة.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/08/25 الساعة 00:03