المنصات التعليمية في الأردن

د. محمد أبو جاموس
مدار الساعة ـ نشر في 2026/08/24 الساعة 15:00
يحتل قطاع التعليم في الأردن مكانة متقدمة باعتباره الركيزة الأساسية للتنمية المستدامة. ومع هذا التسارع المذهل في مسارات التحول الرقمي عالمياً، فرضت التكنولوجيا نفسها كشريك رئيسي لا غنى عنه للتعليم المدرسي والجامعي والمهني. ولم تعد المنصات التعليمية الرقمية مجرد بديل طارئ أو خيار ترفيهي، بل غدت واقعاً مؤسسياً يحتم على صانع القرار التربوي والأكاديمي إعادة هندسة الأدوات والاستراتيجيات للاستفادة القصوى من مخرجاته. وتشهد الساحة التعليمية في الأردن اليوم تنوعاً واسعاً يضم منصات حكومية رسمية مثل "درسك"، ومنصات أكاديمية خاصة تقدم شروحاً للمناهج وخصوصاً لطلبة الثانوية العامة "التوجيهي". هذا المشهد المتكامل يحمل في طياته الكثير من الإيجابيات التي تعود بالنفع على المنظومة التعليمية، إلى جانب جملة من السلبيات والتحديات التي تستوجب الوقوف عندها بحزم.

و تتجلى إيجابيات المنصات التعليمية في الأردن في قدرتها الفريدة على كسر الحواجز الجغرافية وتحقيق العدالة التعليمية، إذ تتيح للطالب في المحافظات والقرى النائية الوصول إلى نفس جودة الشرح والمادة العلمية التي يتلقاها نظيره في العاصمة، مما يقلص الهوة بين المدارس. كما أسهمت هذه المنصات في تعزيز ثقافة التعلم الذاتي والمرن، حيث أصبح بإمكان الطلبة إعادة مشاهدة الدروس واستيعاب المفاهيم المعقدة وفقاً لسرعتهم الفردية، فضلاً عن دورها الكبير في تخفيف الأعباء المالية والنفسية عن الأسر من خلال تقديم خيارات بديلة أو مكملة للدروس الخصوصية التقليدية. ولا يمكن إغفال دورها المساند للمعلمين في تطوير أدائهم المهني والاطلاع على أحدث استراتيجيات التدريس المتمركزة حول المتعلم والتنويع في أساليب التقييم.

وفي المقابل، لا يخلو هذا الواقع الرقمي من سلبيات وتحديات حقيقية تفرض نفسها على أرض الواقع، أبرزها إساءة بعض معلمي المنصات لهيبة المعلم الأردني من خلال بعض التصرفات أمام الكاميرة و عدم التزامهم بالقيافة و الهندام. كما أن هنالك غياب للرقابة على كل ما يقدم للطلبة مما يؤدي إلى وجود بعض الأخطاء هنا أو هناك. و من الواضح أن بعض المعلمين عملوا على تحويل التعليم إلى "استعراض تجاري" وتسليع المعرفة. كما يتبع بعضهم أسلوبا استعراضيا وتهريجا مبالغا فيه. و يستغل بعض هؤلاء المعلمين "هوس التريند" ومجموعات الواتساب لتوجيه الرأي العام الطلابي.إضافة إلى ما سبق، أدى الاعتماد المفرط على التعلم الرقمي أحياناً إلى تراجع التفاعل الاجتماعي المباشر وضعف مهارات التواصل لدى بعض الطلبة. ناهيك عن التحدي الأكبر المتمثل في صعوبة دمج هذه المنصات بسلاسة داخل الغرفة الصفية التقليدية في المدارس الحكومية و الخاصة نتيجة اكتظاظ الصفوف ونقص التدريب العملي للمعلمين على توظيف التكنولوجيا بكفاءة.

إن التعامل الأمثل مع واقع المنصات التعليمية في الأردن يقتضي تعزيز الشراكة الحقيقية بين القطاعين العام والخاص و تأطير العمل الأكاديمي في هذه المنصات من خلال اصدار تصاريح مزاولة للمهنة و الزام كل منصة بتوظيف مشرف أكاديمي لكل مادة يتم تدريسها، مع التركيز المكثف على برامج إعداد وتأهيل المعلمين ليكونوا ميسرين فاعلين يدمجون التكنولوجيا الذكية بحكمة مع التعليم الوجاهي. إن الاستثمار الناجح في هذه المنصات لا يقاس بحجم انتشارها فحسب، بل بقدرتها على تحويل التكنولوجيا إلى جسر حقيقي ينهض بجودة مخرجات التعليم، ويعد الأجيال القادمة لمتطلبات سوق العمل بروح ناقدة وابتكارية بعيدة عن التلقين السلبي.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/08/24 الساعة 15:00