هندسة الشيطنة: كيف يصنع الإعلام الصورة النمطية للمسلم؟

مدار الساعة ـ نشر في 2026/08/23 الساعة 15:46
مدار الساعة -ليس كل خبر سلبي عن مسلم استهدافا للإسلام، وليس كل نقد لمجتمع مسلم كراهية للمسلمين. هذه نقطة يجب البدء منها، لأن الدفاع الجاد عن المسلمين يفقد قوته إذا أصبح كل نقد مؤامرة وكل خطأ صحفي خطة مدبرة. لكن الاعتراف بهذه الحقيقة لا يلغي حقيقة أخرى: هناك أنماط إعلامية متكررة، وحملات سياسية ورقمية موثقة في بعض الحالات، تقوم على اختيار أسوأ ما يرتبط بالمسلمين، وتضخيمه، وربطه بالدين، ثم تقديمه للجمهور كما لو كان هو الصورة الطبيعية للمسلم. وبين الخطأ المهني العابر والحملة المنظمة توجد مساحة واسعة من التحيز والانتقاء والإثارة التجارية والخطاب السياسي الذي يستفيد من صناعة الخوف.

المشكلة الأساسية ليست أن الإعلام يتحدث عن الإرهاب أو التطرف أو مشكلات المرأة أو الصراعات التي تقع في مجتمعات مسلمة؛ فكل ذلك قضايا مشروعة للنقاش. المشكلة تبدأ حين يصبح المسلم حاضرا في الإعلام غالبا عندما يقع انفجار أو أزمة أو خلاف حول الحجاب أو الهجرة، بينما يختفي عندما يكون طبيبا أو باحثا أو معلما أو رياضيا أو جارا عاديا. في هذه الحالة لا نعود أمام مجموعة أخبار منفصلة، بل أمام طريقة انتقائية في صناعة الصورة: الشر مرتبط بالهوية الإسلامية، أما النجاح فيُفصل عنها أو يُعامل باعتباره استثناء.

لا تقتصر صورة المسلم في الإعلام على كونها انطباعا عابرا أو مسألة تتعلق بالسمعة، بل تتجاوز ذلك لتصبح، بفعل التكرار، جزءا من التصورات العامة التي تشكل نظرة الناس إلى المسلمين ومواقفهم منهم في الحياة اليومية. فالصورة التي تتكرر في الأخبار والبرامج والتقارير والمقاطع المرئية قد تؤثر في الطريقة التي يُنظر بها إلى الجار المسلم، أو الزميل، أو المهاجر، أو المرأة المحجبة، أو المسجد، بل وإلى القضايا السياسية المرتبطة بالعالم الإسلامي. ومن ثم لا تكمن القضية فقط في مضمون ما تقوله وسائل الإعلام عن المسلمين، وإنما في الأثر الذي تتركه هذه التمثيلات في الوعي الاجتماعي: هل تقدم المسلم بوصفه فردا له شخصيته وخياراته ومسؤوليته عن أفعاله، أم تختزله في هويته الدينية وتجعله ممثلا دائما لجماعة واسعة، مطالبا بصورة مستمرة بتحمل أعباء صورتها وتاريخها وأخطاء بعض المنتسبين إليها؟

وتزداد خطورة المسألة حين تتداخل ثلاثة مستويات: حملات منظمة تقصد صناعة الخوف أو الكراهية، وتحيزات إعلامية متراكمة لا تحتاج إلى تخطيط مركزي، ومنطق تجاري ورقمي يفضل المادة الصادمة لأنها تجذب المشاهدة والتفاعل. الخلط بين هذه المستويات يضعف الحجة؛ فليست كل مادة سلبية خطة سرية، لكن إنكار وجود حملات منسقة أو أنماط انتقائية موثقة يضعف القدرة على فهم ما يجري بالقدر نفسه.

وقد ساعدت دراسات الإعلام منذ عقود على فهم هذه العملية. فإدوارد سعيد تحدث عن الطريقة التي يصنع بها الخطاب صورة للشرق وللإسلام من موقع قوة، وستيوارت هول شرح كيف يعمل التنميط عبر اختزال جماعة شديدة التنوع في صفات قليلة وثابتة، بينما بيّن روبرت إنتمان أن الإعلام لا يحتاج إلى اختلاق الوقائع حتى يصنع معنى منحازا؛ يكفي أن يختار بعض جوانب الحقيقة ويجعلها أكثر بروزا من غيرها (سعيد، 1978؛ هول، 1997؛ إنتمان، 1993). لذلك فإن أخطر الصور ليست دائما الأكاذيب الصريحة، بل الحقيقة الناقصة التي تتكرر حتى تصبح هي الحقيقة الوحيدة التي يعرفها الجمهور.

ولذلك تستخدم هذه الدراسة عبارة “الاستفزاز الإعلامي” بمعنى واسع ومبسط: أي الممارسات التي تدفع المسلم إلى زاوية الدفاع الدائم، أو تنتقي منه الصورة التي تؤكد حكما سابقا، أو تضعه تحت ضغط رمزي مستمر، أو تنتج مادة تعرف أنها ستثير غضب قطاع من المسلمين ثم تستخدم أشد ردود الفعل غضبا لتؤكد أن المشكلة في المسلمين أنفسهم. بعض هذه الممارسات مقصود بوضوح، وبعضها نتيجة منطق تجاري يبحث عن الإثارة، وبعضها يأتي من جهل ثقافي أو تحيز متراكم. وفي حالات معينة، كما في الحملة الرقمية ضد الروهينجا في ميانمار، توجد أدلة على حملات منسقة ومنظمة بالفعل؛ بينما في حالات أخرى يكون الأدق الحديث عن نمط إعلامي أو انحياز، لا عن “غرفة عمليات” واحدة تدير كل شيء (آلية التحقيق المستقلة في ميانمار، 2024).

أهمية الموضوع وتأثيره

تكمن أهمية الموضوع أولا في أن الصورة الإعلامية تسبق الاحتكاك المباشر لدى قطاعات واسعة من الجمهور. كثير من الناس لا يعرفون مسلمين معرفة شخصية، ولذلك تصبح الأخبار والأفلام ومقاطع المنصات هي المصدر الذي يقدم لهم “المسلم” قبل أن يلتقوا به. فإذا كان حضوره المتكرر مقترنا بالعنف أو الحجاب أو الهجرة أو الخطر الأمني، فإن هذه الموضوعات تتحول تدريجيا من ملفات جزئية إلى تعريف شبه كامل للجماعة.

وثانيا، لا تتوقف آثار الصورة عند المشاعر. فحين تتكرر فكرة أن المسلم غير قابل للاندماج أو أن تدينه مؤشر خطر أو أن المرأة المسلمة ضحية بطبيعتها، يمكن أن تتسرب هذه الصور إلى النقاش السياسي، وإلى سوق العمل والسكن والتعليم، وإلى طريقة تعامل المؤسسات مع المسلمين. لذلك فإن معركة الصورة ليست ترفا إعلاميا؛ إنها جزء من معركة المواطنة والكرامة والحق في أن يعامل الفرد باعتباره فردا.

وثالثا، يمكن للصورة العدائية أن تؤدي وظيفة استقطابية مزدوجة. الخطاب المعادي للمسلمين يقول للشاب المسلم: أنت غريب ولن تصبح واحدا منا. ثم يأتي الخطاب المتطرف من داخل الجماعة ليقول له: أرأيت؟ هم يكرهونك جميعا. وهكذا يلتقي الطرفان رغم عدائهما الظاهر؛ كل منهما يحتاج إلى الآخر كي يثبت روايته. لذلك فإن فهم الاستفزاز الإعلامي لا يعني تبرير التطرف، بل العكس: يعني فهم أحد السياقات التي قد يستغلها المتطرفون في التجنيد وصناعة الشعور بالحصار.

وأخيرا، فإن تناول هذه القضية بجدية يفرض معيارا واحدا: لا يجوز أن يتحول نقد التحيز ضد المسلمين إلى تبرئة كل مسلم أو إنكار كل مشكلة داخل المجتمعات الإسلامية، كما لا يجوز أن تتحول أخطاء بعض المسلمين إلى إدانة للإسلام كله. القوة الحقيقية في أن نرفض التعميم في الاتجاهين، وأن نطالب بالاتساق في التسمية والتغطية والحكم الأخلاقي. وفيما يلي سوف نتناول مجموعة من الآليات الاستفزازية التي يتم من خلالها التعامل مع المسلمين سواء في الخارج أو الداخل.

أولا: صناعة الصورة السلبية، من التنميط إلى انتقاء الخبر والصورة

تبدأ عملية الشيطنة غالبا من أبسط خطوة: نزع الفردية عن المسلم. فبدلا من أن يُرى كإنسان له ظروفه وخياراته، يتحول إلى عينة تمثل جماعة ضخمة. ومن هنا تتصل عدة ممارسات تبدو منفصلة – التنميط، تضخيم خطأ الفرد، اختلاف تسمية العنف، زيادة مساحة التغطية، إخفاء النماذج المشرقة، وربط الرموز الإسلامية بالخطر – لكنها تعمل في النهاية في اتجاه واحد: جعل الهوية الإسلامية أكثر ظهورا عندما يكون الخبر سلبيا، وأقل ظهورا عندما يكون المسلم شخصا عاديا أو ناجحا.

أول خطوة في صناعة الصورة السلبية هي محو الاختلافات بين المسلمين. فالمسلم الإندونيسي والمصري والسنغالي والفرنسي والبوسني والهندي والأمريكي يتحولون في كثير من التغطيات إلى كيان واحد اسمه “المسلمون”. تختفي الطبقات الاجتماعية، والمدارس الفكرية، والاختلافات السياسية، ودرجات التدين، والخبرات التاريخية، ويظل الدين هو المفتاح الذي يفسر به كل شيء. هذه العملية مريحة إعلاميا لأنها تبسط الواقع، لكنها خطيرة لأنها تجعل سلوك شخص واحد قابلا للتعميم على جماعة هائلة.

حين يرتكب مواطن مسلم جريمة، قد يتوسع السؤال سريعا من شخصيته ودوافعه إلى المسجد الذي صلى فيه والآيات التي قرأها وما يقوله “الإسلام” عن الفعل. أما عندما يرتكب شخص من جماعة أخرى جريمة مشابهة، يكون من الأسهل إبقاؤها في إطار الفرد: اضطراب نفسي، عزلة، تاريخ عائلي، تطرف شخصي. وهنا يصبح المسلم أقل حقا في الفردية؛ يحمل فوق كتفيه دينه وجماعته وتاريخا كاملا، ويُطلب منه أن يشرح أو يعتذر عن أناس لم يقابلهم في حياته.

هذا لا يعني أن الدين لا يكون أحيانا جزءا حقيقيا من دافع مرتكب الجريمة. إذا أعلن المنفذ أيديولوجيا دينية متطرفة فإخفاء ذلك تضليل. لكن المعيار العادل هو أن نبحث عن الدافع عندما توجد أدلة عليه، لا أن نفترض مسبقا أن هوية المسلم هي التفسير. الفرق بين الحالتين هو الفرق بين صحافة تبحث عن السبب وصحافة تبدأ من حكم جاهز ثم تبحث عما يؤيده.

من أكثر الأساليب فاعلية أن يتحول الخطأ الفردي إلى “خبر عن الإسلام”. فإذا صدر تصريح أحمق من داعية هامشي، قد ينتقل إلى عناوين دولية بينما لا يعرفه أغلب المسلمين في بلده أصلا. وإذا ارتكب شخص مسلم جريمة، تصبح الجريمة مادة لفتح ملفات الشريعة والهجرة والاندماج والتاريخ الإسلامي. النتيجة أن الجمهور لا يرى حادثة، بل يرى دليلا جديدا يضاف إلى ملف قديم.

الباحث كريستوفر بيل درس خطاب منظمات المجتمع المدني حول الإسلام في الولايات المتحدة بعد هجمات 11 سبتمبر، ووجد أن الرسائل الأكثر خوفا وغضبا استطاعت أن تحظى بظهور إعلامي أكبر من رسائل أكثر اعتدالا كانت أوسع انتشارا بين المنظمات. أطلق بيل على هذه الظاهرة اسم “تأثير الهامش”؛ والتي تعني أن الأطراف الصاخبة قد تبدو للجمهور كأنها المركز لأن الإعلام يجد فيها الصراع والدراما والعنوان الجذاب (بيل، 2012). وهذا يساعدنا على فهم لماذا يعرف الجمهور أحيانا المتشدد المسلم أكثر مما يعرف الباحث المسلم أو الطبيب أو الناشط المدني.

في هذه العملية لا تكون المشكلة أن الإعلام نقل كلام المتطرف، بل أنه قد يمنحه وزنا تمثيليا أكبر من حجمه. ومن هنا يجب أن يسأل القارئ دائما: من هذا الشخص؟ كم يمثل من الناس؟ لماذا اختير هو بالتحديد؟ وهل توجد أصوات أخرى لم تُعرض لأنها أقل إثارة؟

للأسماء قوة؛ فعندما تسمى جريمة ما “إرهابا” تصبح في ذهن الجمهور مرتبطة بالسياسة والأيديولوجيا والخطر العام، بينما كلمة “مطلق نار” أو “مسلح” أو “شخص مضطرب” تضع الجريمة في إطار أكثر فردية. والمشكلة ليست في استخدام كلمة الإرهاب مع متطرف مسلم؛ فإذا استهدف المدنيين لدافع سياسي أو أيديولوجي فمن الطبيعي أن يناقش الحدث في إطار الإرهاب. السؤال هو: هل يطبق المعيار نفسه عندما تتغير هوية المنفذ؟

حللت دراسة بيتوس وكيرنز ولوميو تغطية الصحافة المطبوعة للهجمات الإرهابية في الولايات المتحدة بين 2006 و2015. وبعد التحكم في عوامل مثل عدد الضحايا والانتماء إلى جماعة والتاريخ المرتبط بالمرض النفسي، وجد الباحثون أن احتمالات إشارة المقال إلى الإرهاب كانت أكبر بنحو خمس مرات عندما كان المنفذ مسلما مقارنة بغير المسلم (بيتوس وآخرون، 2021). هذه النتيجة لا تثبت أن كل صحيفة متحيزة، لكنها تكشف أن اللغة نفسها يمكن أن تتأثر بهوية الفاعل.

يتضح من هذه العناصر أن المشكلة لا تقع في كلمة منفردة أو صورة منفردة، وإنما في “عدم التناسق”: متى تصبح هوية المسلم مهمة؟ ومتى تختفي؟ من الذي يُمنح صفة الفرد ومن الذي يُحوّل إلى ممثل لجماعته؟ وما الذي يُضخم وما الذي يُمرر كخبر عادي؟ حين تتكرر الإجابة في اتجاه واحد، تصبح عملية الاختيار نفسها جزءا من صناعة الصورة.

وحين تتكرر هذه اللغة لسنوات، لا يحتاج أحد إلى أن يقول للمشاهد “المسلم إرهابي”. الارتباط يتكون تلقائيا من تكرار الكلمتين في المكان نفسه. ولهذا فإن مقاومة التنميط لا تعني مطالبة الإعلام بتجنب وصف الإرهاب الإسلامي، بل بالمطالبة بمعيار واحد: الفعل نفسه ينبغي أن يحمل الاسم نفسه مهما كانت هوية فاعله.

أحيانا لا يكون الانحياز في الكلمة المستخدمة، بل في مقدار الاهتمام. حادثان متقاربان في عدد الضحايا وطبيعة الهدف قد يحصل أحدهما على أيام من البث المباشر والتحليلات والصفحات الأولى، بينما يختفي الآخر بسرعة. وهنا يصنع الإعلام خريطة المخاطر في رأس الجمهور حتى لو لم يقل صراحة إن جماعة ما أخطر من غيرها.

وجدت دراسة كيرنز وبيتوس ولوميو أن الهجمات التي نفذها مسلمون في العينة الأمريكية المدروسة حصلت في المتوسط على تغطية إعلامية أكثر بنحو 357 في المئة من هجمات نفذها غير مسلمين، بعد التحكم في عدد من خصائص الهجوم (كيرنز وآخرون، 2019). الرقم مهم لأنه يوضح أن “حجم الخبر” نفسه جزء من صناعة الصورة. فالمشاهد الذي يرى عشرات التقارير عن نوع من العنف وقليلا جدا عن أنواع أخرى سيخرج بصورة مختلفة عن الواقع العددي، حتى لو كانت كل التقارير صحيحة.

هذه إحدى الحيل غير المقصودة أحيانا: لا تكذب، فقط اختر ماذا تكبر. وما يكبر على الشاشة يكبر في الذاكرة. لذلك فإن عدالة التغطية ليست فقط في صحة الخبر، بل في التناسب: هل يعكس حجم الاهتمام حجم الظاهرة فعلا؟

هناك تحيز يعمل بالصمت. المسلم الذي يرتكب جريمة قد يصبح “مسلما” في العنوان، أما المسلم الذي ينجح في الطب أو الهندسة أو الرياضة فقد يصبح مجرد طبيب أو مهندس أو لاعب. لا يعني ذلك أن من الضروري ذكر الدين في كل خبر إيجابي، بل إن السؤال هو عن عدم التناسق: لماذا تصبح الهوية ذات معنى عندما تكون سلبية، ثم تفقد أهميتها عندما تقدم نموذجا طبيعيا ناجحا؟

تقدم تجربة محمد صلاح مثالا واضحا على الأثر الذي يمكن أن تصنعه الصورة الإيجابية الطبيعية للمسلم بعيدا عن الحملات الدعائية المباشرة. فقد تناولت دراسة أثر انضمام محمد صلاح إلى نادي ليفربول، مستعينة ببيانات جرائم الكراهية وملايين التغريدات على وسائل التواصل الاجتماعي. ووجد الباحثون أن جرائم الكراهية في منطقة ليفربول انخفضت بنحو 16% عما كان متوقعا لو لم ينضم صلاح إلى النادي. وللوصول إلى هذا التقدير، استخدم الباحثون ما يسمى “خط الأساس الاصطناعي”، والمقصود به بناء حالة مقارنة إحصائية من مجموعة مناطق أخرى تشبه ليفربول في خصائصها واتجاهاتها السابقة، بحيث يمكن تقدير ما كان يُرجح أن يحدث في ليفربول لو لم يظهر تأثير محمد صلاح.

كما أظهرت الدراسة أن نسبة التغريدات المعادية للمسلمين بين جماهير ليفربول انخفضت إلى نحو النصف مقارنة بجماهير أندية أخرى. وفسر الباحثون هذه النتائج بأن الحضور المتكرر لشخصية محبوبة مثل محمد صلاح، مع إظهاره هويته الإسلامية بصورة طبيعية وغير متكلفة، ساعد بعض الجمهور على رؤية المسلم خارج الصور التقليدية المرتبطة بالخوف أو التطرف، وهو ما يمكن أن يمتد أثره من الشخص المحبوب إلى تحسين النظرة تجاه الجماعة التي ينتمي إليها بصورة أوسع (الرابابعة وآخرون، 2021).

الدرس هنا ليس أن المسلمين يحتاجون إلى نجوم كرة قدم ليحصلوا على حقوقهم، بل أن البشر يعيدون بناء صورهم عن الجماعات حين يرون أفرادها خارج قوالب الخوف. لذلك فإن تجاهل النماذج العادية والمشرقة ليس مسألة علاقات عامة بسيطة؛ إنه يترك المجال العام للصور الأكثر تطرفا. لا يحتاج التقرير إلى قول “المسجد خطر” حتى يصنع هذا الارتباط. يكفي أن يستخدم صورة مئذنة أو صفوف مصلين أو امرأة محجبة كلما تحدث عن الإرهاب أو الهجرة أو الأزمة الأمنية. ومع تكرار المشاهد تصبح الرموز الدينية نفسها مشحونة بالخوف، حتى عندما لا يكون المسجد الذي يظهر في الصورة له أي علاقة بالقصة.

الصورة أقوى من الشرح لأنها تعمل بسرعة. المشاهد قد لا يتذكر تفاصيل التقرير بعد يومين، لكنه يتذكر أن الحديث عن “التهديد” جاء فوق صورة مسجد مظلم أو رجال ملتحين. هذا هو السبب في أن تحليل الصورة جزء أساسي من فهم التحيز الإعلامي، لا مجرد إضافة جمالية. والاختبار بسيط؛ عندما يتحدث التقرير عن جريمة ارتكبها فرد من دين آخر، هل يضع دار عبادته في الخلفية؟ إذا لم يكن يفعل، فلماذا يتحول المسجد إلى رمز بصري دائم عند الحديث عن المسلم؟

ثانيا: دفع المسلم في زاوية الدفاع واستدراج رد الفعل

بعد تثبيت الصورة العامة تبدأ مرحلة أكثر إنهاكا؛ دفع المسلم نفسه إلى زاوية الدفاع. هنا لا يعود الموضوع فقط ما يقوله الإعلام عنه، بل كيف يُطلب منه أن يتصرف داخل المقابلة والأزمة والجدل. يظهر “امتحان الإدانة”، والضغط النفسي، والاستفزاز المقصود، وحذف بداية القصة، واختيار الضيف الأكثر انفعالا، ثم صناعة نموذج “المسلم المعتدل” وفق توقعات المؤسسة. هذه الممارسات تتجمع في ما يمكن تسميته زنق المسلم: أي وضعه في إطار لا توجد داخله إجابة رابحة بسهولة.

من أكثر الأساليب إنهاكا أن يُعامل المسلم كما لو كان في امتحان دائم. يقع هجوم في مدينة بعيدة فيُطلب من مسلم يعيش في بلد آخر أن يدينه، رغم أنه لا علاقة له بالفاعل ولا بالفكر الذي حمله. وتُعاد الأسئلة ذاتها: هل تدين الإرهاب؟ هل الإسلام متوافق مع الديمقراطية؟ هل تضع دينك فوق القانون؟ هل تقبل قيم المجتمع الذي تعيش فيه؟

المشكلة ليست في أن هذه الأسئلة ممنوعة، بل في أنها تصبح أحيانا نقطة البداية مع المسلم وحده. هي تفترض أن ولاءه موضع شك وأنه مطالب بتقديم أوراق اعتماده الأخلاقية. فإذا قال “نعم أدين” تحولت المقابلة إلى سؤال جديد: لماذا يوجد كل هذا الإرهاب إذن؟ وإذا اعترض على أصل السؤال بدا وكأنه يهرب من الإدانة. هكذا يُحبس في زاوية لا توجد فيها إجابة رابحة.

الأكثر خبثا أن هذا الامتحان لا ينتهي. فحتى المسلم الذي يدين العنف عشرات المرات يظل مطالبا بإدانة الحادث التالي. تتحول الإدانة من موقف أخلاقي إلى طقس إثبات ولاء. والأصح أن يعامل المسلم كأي مواطن؛ يسأل عن موقفه حين يكون موقفه ذا صلة، لا لمجرد أن اسم الفاعل في خبر ما يشبه اسمه أو دينه.

قد يشعر المسلم في بعض البيئات أنه موضوع فحص دائم: لباسه، اسمه، المسجد الذي يذهب إليه، رأيه في السياسة الخارجية، موقفه من الحجاب، ثم موقفه من كل حادث عنف. هذا الضغط لا يصنع التطرف بصورة آلية، ومن الخطأ العلمي القول إن الإعلام “يجبر” الإنسان على التطرف. لكن الشعور المستمر بالاستبعاد والاشتباه قد يضيق مساحة الانتماء لدى بعض الأفراد، ويمنح دعاة التطرف مادة يقولون بها: انظروا، لن يقبلوكم مهما فعلتم.

وهنا تظهر دائرة خطيرة. خطاب متشدد معاد للمسلمين يقول للمسلم: أنت غريب ولن تصبح منا. وخطاب متطرف من داخل الجماعة يقول له: أرأيت؟ العالم كله يكرهك، فلا مكان لك إلا معنا. كل طرف يحتاج إلى الآخر. الأول يحتاج إلى مسلم غاضب كي يثبت أن خوفه صحيح، والثاني يحتاج إلى خطاب الكراهية كي يقنع الشباب بأن الاندماج مستحيل. ولهذا فإن “قهر المسلم ثم لومه على الغضب” ليس مجرد قضية مشاعر؛ إنه نمط استقطاب. لكن مواجهة هذا النمط لا تكون بتبرير الانفجار أو التهديد، لأن الرد العنيف يقدم للطرف الآخر أفضل دليل بصري على روايته. المطلوب هو كسر الدائرة، لا إكمالها.

بعض المواد لا تسعى إلى مناقشة فكرة دينية بقدر ما تسعى إلى اختبار أعصاب الجمهور. هناك فرق بين نقد عقيدة أو مؤسسة دينية، وبين اختيار رمز مقدس يعرف الناشر أن قطاعا واسعا من المسلمين يتألم من إهانته ثم تقديم الإهانة نفسها باعتبارها بطولة فكرية. أزمة الرسوم الدنماركية ثم الجدل المتكرر حول الرسوم الساخرة من النبي محمد ﷺ قدمت مثالا واضحا على هذه الدائرة: مادة صادمة، احتجاجات، اختيار أكثر الاحتجاجات غضبا، ثم تقديم الغضب باعتباره الدليل الأساسي على أن المسلمين لا يحتملون حرية التعبير.

المفارقة هنا أن المستفز قد يكون في البداية هو من يبحث عن الصدمة، لكنه ينتظر فقط ردا غير منضبط حتى ينتقل إلى موقع الضحية. تهديد واحد يستطيع أن يمحو من النقاش مئات الاعتراضات السلمية. وتتحول المسألة من: هل كانت المادة ضرورية أو عادلة أو مهنية؟ إلى: هل المسلمون خطر على حرية التعبير؟

ويصبح الأمر أكثر تعقيدا حين تُستخدم ردود الفعل اللاحقة لإلغاء ما سبقها. فالمستفز لا يحتاج إلى أن يكون مقنعا؛ يكفي أحيانا أن يحصل على رد غاضب يمكن تصويره. وفي هذه اللحظة يتحول النقاش من أخلاقية الاستفزاز أو التحيز إلى سؤال جديد: لماذا يغضب المسلمون؟ وهذه النقلة هي قلب آلية “قهر المسلم ثم لومه على الغضب”.

وهذا لا يعني أن حرية التعبير ينبغي أن تتوقف عند ما يزعج المسلم. الحق في النقد والسخرية مهم في المجتمعات الحرة. لكن حماية الحق القانوني لا تعني إلزام الناس باعتبار كل استخدام له حكيما أو أخلاقيا. وفي المقابل لا توجد إهانة تبرر قتلا أو تهديدا. قوة المسلم الإعلامية تبدأ حين يرفض أن يلعب الدور الذي أعده له المستفز.

من أذكى أشكال التأطير أن يبدأ الخبر من منتصف الحكاية. إذا وقع اعتداء ثم احتجاج، يمكن للتقرير أن يبدأ من لحظة الاحتجاج. وإذا كانت هناك سلسلة طويلة من التمييز ثم انفجر غضب اجتماعي، يمكن أن يبدأ البث من زجاج مكسور. عندها يصبح المشاهد أمام “مسلمين غاضبين” لا أمام قصة لها أسباب وتاريخ.

إخفاء السياق لا يحتاج إلى كذبة. كل لقطة قد تكون حقيقية. لكن ترتيب اللقطات يغير المعنى. والجملة “اندلعت اشتباكات” تستطيع أن تخفي من بدأ، كما تستطيع جملة “قُتل عدد من الأشخاص” أن تخفي من قتلهم. هذه اللغة لا تكون متحيزة دائما، لكنها تستحق المراقبة عندما تتكرر بطريقة غير متكافئة مع أطراف مختلفة. والسياق لا يعفي أحدا من المسؤولية. إذا اعتدى شخص على مدني فلا يتحول فعله إلى حق لمجرد أنه عاش ظلما. لكن هناك فرقا بين فهم السبب وتبرير الفعل. الإعلام العادل يقدم الاثنين: يدين الجريمة ويشرح كيف وصل المجتمع إلى النقطة التي وقعت فيها.

البرامج التلفزيونية تحب الصراع، والضيف الذي يرفع صوته ويطلق الأحكام المطلقة يصنع مقطعا قابلا للانتشار أكثر من الباحث الهادئ الذي يقول إن القضية معقدة. لذلك قد يصبح اختيار الضيف نفسه جزءا من إنتاج الصورة. مسلم غاضب، ضعيف الحجة، قليل التدريب الإعلامي، أمام محاور محترف؛ والنتيجة جاهزة تقريبا قبل بداية الحوار.

وقد يحدث العكس؛ تستضاف شخصية ذات خلفية مسلمة لكنها تحمل موقفا شديد العداء للتراث أو للمسلمين، ثم تقدم بوصفها “صوتا من الداخل” وكأن تجربتها الشخصية تمنحها سلطة الحديث باسم مئات الملايين. حقها في النقد كامل، لكن المشكلة في تحويل رأيها إلى شهادة نهائية على جماعة كاملة. المعيار الذي يجب أن يسأل عنه الجمهور ليس: هل هذا الشخص مسلم أم لا؟ بل: ما خبرته؟ من يمثل؟ هل توجد بيانات خلف كلامه؟ وهل أُعطيت أصوات أخرى مساحة مساوية؟ أحيانا يكون التحيز في قائمة الضيوف قبل أن ينطق أحد بكلمة.

تبدو كلمة “المعتدل” إيجابية، لكنها قد تحمل معنى ملتبسا. من الطبيعي أن نميز بين من يرفض العنف ومن يتبناه. المشكلة حين تتحول كلمة الاعتدال من موقف أخلاقي ضد العنف إلى شهادة رضا سياسي وثقافي. فالمسلم الجيد هو الذي لا يزعج أحدا، ولا ينتقد السياسة، ولا يدافع بقوة عن قضايا المسلمين، ولا يعترض على الصور النمطية، ويقبل أن يشرح نفسه كلما طُلب منه.

في هذه الصيغة يصبح المسلم مطلوبا منه أن يبرهن على الاعتدال لا بسلوكه القانوني بل بدرجة توافقه مع توقعات المؤسسة التي تحاوره. وقد يُستخدم لفظ “راديكالي” مع ناشط شديد النقد رغم التزامه السلمي، بينما يوصف آخر بالمعتدل لأنه لا ينازع الإطار السياسي السائد. الاعتدال الحقيقي معيار واضح: رفض العنف ضد الأبرياء، احترام القانون والحقوق، والاستعداد للعيش مع المختلف. أما تحويله إلى اختبار طاعة فيفسد المفهوم ويجعل المسلم أمام اختيار زائف بين هويته وحقه في المواطنة والنقد.

ثالثا: المرأة المسلمة بين الحجاب وخطاب «الإنقاذ»

تحتاج صورة المرأة المسلمة إلى وقفة مستقلة؛ لأنها ليست تفصيلا في خطاب الشيطنة، بل أحد أكثر ميادينه رسوخا. فبعض التغطيات الغربية لا ترى من حياة المرأة المسلمة إلا الحجاب والنقاب والزواج والعنف الأسري، وكأن المرأة التي لا تدخل واحدا من هذه الملفات تختفي من المجال الإعلامي. المشكلة ليست في مناقشة الانتهاكات الحقيقية، بل في تحويلها إلى العدسة الوحيدة التي يُرى من خلالها عالم كامل من النساء.

من أكثر الصور رسوخا في بعض الإعلام صورة المرأة المسلمة بوصفها “ضحية الحجاب”. لا تظهر المرأة باعتبارها طبيبة أو باحثة أو أما أو رياضية أو فنانة أو صاحبة مشروع إلا نادرا مقارنة بحضورها في النقاشات المتعلقة بالحجاب والنقاب والزواج والعنف الأسري و”التحرر من الدين”. وهكذا تصبح قطعة القماش أهم من الإنسان الذي يرتديها.

حللت الباحثة روشيل تيرمان خمسة وثلاثين عاما من تغطية صحيفتي “نيويورك تايمز” و”واشنطن بوست”، ووجدت أن التغطية الخاصة بالنساء في المجتمعات المسلمة كانت أكثر ميلا إلى التركيز على انتهاكات الحقوق وعدم المساواة، حتى مقارنة بسياقات أخرى، بما يمكن أن يعزز تصورا أن المسلمين “مختلفون” بصورة خاصة في عدائهم للمرأة (تيرمان، 2017). الدراسة لا تقول إن مشكلات النساء في المجتمعات المسلمة خيالية، بل تقول إن اختيار نوع محدد من القصص بصورة متكررة يصنع صورة أضيق من الواقع.

ويتضح هنا أن القضية ليست الدفاع عن الحجاب بوصفه واجبا على كل امرأة، ولا إنكار وجود نساء يعترضن عليه أو عانين من فرضه؛ بل الدفاع عن حق المرأة المسلمة في أن تكون صاحبة صوت وتجربة معقدة. فإذا كانت حرية المرأة هي القيمة المعلنة، فلا معنى لأن نختار من النساء فقط من تؤكد الصورة التي نريدها مسبقا.

الخبث الحقيقي يظهر حين يقال إن الهدف “إعطاء المرأة المسلمة صوتا”، بينما يجري اختيار امرأة واحدة فقط لأنها تقول ما يريده البرنامج مسبقا. أما المحجبة التي تقول إنها اختارت الحجاب، أو المرأة المسلمة التي تنتقد مجتمعها من داخله دون التخلي عن دينها، فقد تكون أكثر إرباكا للسردية البسيطة: لا هي ضحية صامتة ولا هي خارجة من الدين. المرأة المسلمة ليست عنوانا واحدا، وأول احترام لها هو السماح لها بأن تكون متعددة مثل غيرها.

رابعا: صناعة الخوف، الأكاذيب والخطر الديموجرافي والأمننة

إذا كان التنميط يصنع صورة، فإن الخوف هو الذي يمنح هذه الصورة قوة سياسية. وتعمل صناعة الخوف عبر ثلاث دوائر مترابطة: تكرار الأخبار والمعلومات المضللة حتى تبدو مألوفة، تحويل الوجود المسلم إلى «خطر ديموجرافي»، ثم نقل التدين والمؤسسات الإسلامية من المجال الاجتماعي الطبيعي إلى المجال الأمني. وهنا لا يعود المسلم مجرد «آخر مختلف»، بل يصبح «مشكلة ينبغي إدارتها».

في البيئة الرقمية لا تحتاج الكذبة إلى مؤسسة إعلامية كبيرة حتى تعيش. مقطع قديم يعاد نشره بعنوان جديد، صورة من بلد آخر تنسب إلى المسلمين، حساب مجهول يكتب عبارة متطرفة ثم تعرض لقطة الشاشة كما لو كانت رأي جماعة، وخلال ساعات تصبح المادة جزءا من “ما يعرفه الجميع”. المشكلة أن التكرار نفسه يزيد شعور الإنسان بألفة المعلومة، وقد أثبتت دراسات نفسية ما يسمى “تأثير الحقيقة الوهمية”: المعلومة المتكررة تميل إلى أن تبدو أكثر صدقا من معلومة جديدة حتى عندما تكون خاطئة (حسن وباربر، 2021).

تقدم الهند أثناء الموجة الأولى من كورونا مثالا قويا. بعد تجمع لجماعة التبليغ في نيودلهي، انتقلت التغطية من مناقشة حدث صحي حقيقي إلى خطاب أوسع ربط المسلمين عمدا بنشر العدوى، وانتشرت تعبيرات مثل “جهاد كورونا” ومواد مضللة تتهم مسلمين بالبصق أو نشر الفيروس عمدا. درست أبحاث أكاديمية لاحقة هذه التغطية ووصفت كيف جرى بناء المسلم بوصفه “عدوا داخليا” وربط الوباء بخطاب ديني وقومي أوسع (كومار، 2023؛ كاليياراكاث، 2025).

هذا المثال مهم لأن الكذبة الناجحة غالبا لا تبدأ من الصفر. تبدأ من واقعة صحيحة ثم تُحمّل عليها تعميمات وأكاذيب: وقع تجمع، ظهرت إصابات، ثم انتقل الاتهام من منظمي حدث إلى ملايين المسلمين، ثم إلى فكرة التعمد والمؤامرة. أخطر التضليل هو الذي يربط نصف حقيقة بنصف كذبة.

تتكرر في خطابات قومية مختلفة فكرة أن المسلمين لا يحتاجون إلى سلاح لأنهم سيغيرون المجتمع عبر الولادة والهجرة والزواج. تتحول الأسرة المسلمة إلى مشروع سياسي، والطفل إلى رقم في معركة ديموجرافية، والمهاجر إلى جزء من “استبدال” السكان. بهذه اللغة لا يعود المسلم جارا أو مواطنا، بل موجة تزحف على المجتمع.

هذا النوع من الخطاب شديد الفاعلية لأنه يستخدم خوفا قديما: الخوف من فقدان الهوية. ولا يحتاج إلى إثبات مؤامرة حقيقية؛ يكفي عرض أرقام خارج سياقها، أو اختيار حي تتزايد فيه جالية مهاجرة، ثم القفز إلى استنتاج أن المجتمع كله يتعرض للاختفاء.

المشكلة ليست في مناقشة الهجرة أو الاندماج أو معدلات السكان، فهي قضايا سياسية مشروعة. المشكلة في تحويل أناس حقيقيين إلى “كتلة ديموجرافية معادية” وسلبهم الفردية والمواطنة. من حق أي مجتمع مناقشة سياساته السكانية، لكن ليس من حق الخطاب أن يحول المولود المسلم إلى تهديد منذ لحظة ولادته. الخطر في هذه الدوائر أن كل واحدة منها تغذي الأخرى. الخبر المضلل يخلق خوفا، والخوف يجعل الجمهور أكثر استعدادا لقبول خطاب أمني أوسع، والأمننة تجعل الممارسات العادية تبدو مريبة، ثم يُستخدم الاشتباه نفسه مبررا لإنتاج أخبار جديدة عن «التهديد». بذلك تتحول الاستثناءات إلى منظومة تفسير.

بعد موجات الإرهاب اتسعت العدسة الأمنية التي يُنظر من خلالها إلى المسلمين. المشكلة تبدأ حين تنتقل من متابعة شخص توجد حوله أدلة إلى اعتبار المظاهر الدينية نفسها مؤشرات خطر: مسجد، جمعية، سفر، لحية، دروس دينية، تبرع خيري. هنا يصبح المسلم موضوع “إدارة مخاطر” قبل أن يصدر منه ما يبرر الشك. تشرح نظرية الأمننة كيف تنتقل قضية من المجال العادي إلى مجال “التهديد الوجودي” الذي يبرر إجراءات استثنائية (بوزان وآخرون، 1998). ولا يعني هذا أن كل سياسة أمنية ضد الإرهاب ظالمة؛ فالمجتمعات من حقها حماية نفسها. لكن هناك فرقا بين الأمن القائم على السلوك والأدلة، والأمن القائم على الهوية والاشتباه العام.

عندما يصبح المسجد في المخيلة العامة أقرب إلى مركز محتمل للتطرف منه إلى دار عبادة، يكون الإعلام قد شارك في تغيير معنى المؤسسة الاجتماعية. وهذا التحول له ثمن: مسلمون يشعرون أن حياتهم الطبيعية تحتاج دائما إلى تبرير، وجمهور يتعلم أن يرى التدين الإسلامي كعلامة إنذار بدل أن يراه ممارسة دينية عادية.

خامسا: الشيطنة من الداخل وتوظيف الانقسامات

من الخطأ الاعتقاد أن تشويه صورة المسلمين يأتي دائما من وسائل إعلام خارجية؛ فبعض الآليات نفسها قد تُعاد داخل المجتمعات المسلمة، خصوصا عندما تتحول الخلافات السياسية أو المذهبية أو الفكرية إلى حملات إعلامية تختزل الطرف الآخر في صورة سلبية واحدة. فقد يُقدَّم الخصم لا بوصفه فردا أو تيارا له مواقف محددة، بل بوصفه ممثلا لجماعة كاملة يُحمَّل جميع أفرادها أخطاءه ومواقفه. وتنبع أهمية هذه النقطة من أنها تمنعنا من تبسيط المسألة في صورة مواجهة بين “نحن” و”هم”؛ فالمشكلة ليست دائما أن الآخرين يشوهون صورتنا بينما نقف نحن في موقع الضحية فقط، لأننا قد نستخدم أحيانا ضد بعضنا بعضا الأساليب نفسها من التعميم والتخوين والانتقاء التي نعترض عليها حين تُستخدم ضد المسلمين من الخارج.

ليس صحيحا أن الاستفزاز دائما “خارجي”. في مجتمعات ذات أغلبية مسلمة قد تستخدم مؤسسات إعلامية الدين داخل صراعات سياسية أو طائفية. قد تُستغل جريمة جماعة متطرفة لتصوير كل التيارات المتدينة كخطر، أو تُستخدم أخطاء تيار سياسي لتوسيع الاتهام إلى التدين نفسه. وفي الاتجاه المقابل، قد تستخدم منصات دينية متشددة أخطاء العلمانيين أو الأقليات لتخوينهم وتجريدهم من الانتماء.

في الإعلام الطائفي تظهر الآلية نفسها بصورة أشد: ينتقل فعل فرد أو ميليشيا إلى مذهب كامل. ويبدأ الجمهور في معرفة الطائفة الأخرى من خلال أسوأ مقاطعها وأشد خطبائها تطرفا. وما يُنتقد في إعلام خارجي ضد المسلمين يُعاد إنتاجه داخل المجتمع المسلم ضد مسلم آخر. لذلك فإن معيارنا لا ينبغي أن يكون “من يتكلم؟”، بل “كيف يتكلم؟”. التنميط يظل تنميطا سواء صدر من قناة غربية أو عربية، والتحريض يظل تحريضا سواء استهدف المسلم من غير مسلم أو استهدف مسلما من مسلم آخر. الدفاع عن العدالة يفقد معناه إذا طالبنا بها لأنفسنا ورفضناها لخصومنا.

الخلافات بين المسلمين موجودة ولا حاجة إلى إنكارها: مذاهب، قوميات، تيارات سياسية، اتجاهات فكرية. لكن المنصة الاستفزازية لا تكتفي بعرض الخلاف، بل تبحث عن أكثر ما يجرح كل طرف ثم تضعه أمام الطرف الآخر. مقطع مسيء من شخص هامشي يقدَّم باعتباره رأي طائفة، وعبارة غاضبة تعاد عشرات المرات حتى يبدو أن الجماعة كلها تتحدث بها.

ويكشف ذلك أن المعيار الحقيقي ليس موقع المؤسسة ولا هوية من يديرها، بل الطريقة التي تبني بها الخصم. فإذا كان الخطاب يختزل جماعة في أسوأ أفرادها، أو يلغي الفروق داخلها، أو يحول الخلاف إلى معركة وجود، فنحن أمام آلية شيطنة بصرف النظر عن اللغة التي يتحدث بها صاحبها أو الدين الذي ينتمي إليه.

تنجح هذه الطريقة لأنها لا تحتاج إلى خلق الكراهية من الصفر؛ هي تحتاج فقط إلى العثور على شرارة حقيقية ثم ضخ الهواء فيها. وكلما رد الطرف الآخر بتعميم مضاد حصلت المنصة على مادة جديدة. تنتقل الحلقة من “شخص قال” إلى “هم يقولون”، ثم من “هم” إلى تاريخ كامل من العداوة.

المواجهة هنا تبدأ من رفض التعميم داخل البيت نفسه. المسلم الذي يرفض أن يُحمّل جريمة إرهابي مسلم إلى الإسلام كله يجب أن يرفض بالمنطق نفسه تحميل خطأ شيعي إلى كل الشيعة أو خطأ سني إلى كل السنة أو خطأ علماني إلى كل العلمانيين. العدالة لا تتجزأ.

سادسا: اقتصاد الغضب الرقمي والحسابات المزيفة

أضافت المنصات الرقمية طبقة جديدة إلى الظاهرة. فالخوارزمية لا تحمل عقيدة دينية، لكنها تكافئ غالبا ما يحقق تفاعلا كبيرا، والغضب والخوف والصدمة من أكثر المشاعر قدرة على جذب التفاعل. لذلك ظهرت بيئة يمكن أن تنتشر فيها الأكاذيب والحسابات المزيفة والحملات المنظمة بسرعة غير مسبوقة، بينما يشارك الخصوم والمتضررون أنفسهم في رفع مدى انتشارها.

في عصر الشبكات الاجتماعية دخل فاعل جديد إلى صناعة الصورة: الخوارزمية. الخوارزمية لا “تكره” دينا، لكنها صممت غالبا لتحقيق أهداف مثل التفاعل ومدة البقاء على المنصة. والمحتوى الذي يثير الغضب والخوف والصراع يحقق في كثير من الأحيان تفاعلا مرتفعا. لذلك يمكن لمادة معادية للمسلمين أن تحصل على دفعة من مؤيديها ومن المسلمين الغاضبين منها في الوقت نفسه.

تقول اليونسكو إن المنصات الرقمية ساهمت في تسريع وتضخيم انتشار المعلومات المضللة وخطاب الكراهية، ولهذا تدعو إلى شفافية أكبر ومساءلة في تصميم المنصات وسياسات الإشراف على المحتوى (اليونسكو، 2023). المشكلة أن كثيرا من المستخدمين يعتقدون أن إعادة نشر الإساءة من أجل “فضحها” تحاربها، بينما قد يكونون من الناحية التقنية يوسعون جمهورها.

لذلك يحتاج الوعي الإعلامي المسلم إلى سؤال جديد قبل المشاركة: هل هذا المحتوى واسع أصلا أم أنني سأجعله واسعا؟ هل الرد يضيف معلومة أم يمنح المستفز دعاية مجانية؟ أحيانا تكون المقاطعة الصامتة أكثر ذكاء من حملة غضب تمنح حسابا مجهولا ملايين المشاهدات.

الهوية الرقمية سهلة التزوير. يمكن لأي شخص أن يضع اسما عربيا وصورة مسجد ويكتب أشنع ما يريد، ثم يعاد تداول كلامه باعتباره “هذا ما يقوله المسلمون”. وقد تكون بعض الحسابات حقيقية ومتطرفة بالفعل، لكن غياب التحقق يجعلها أداة مثالية للتلاعب.

وهنا تصبح محو الأمية الإعلامية جزءا من المقاومة. فالمستخدم الذي يعيد نشر كل إساءة بحجة فضحها قد يمنحها حياة جديدة. والتحقق من المصدر، وتقدير حجم الانتشار الحقيقي، وعدم التعامل مع لقطة شاشة مجهولة بوصفها «رأي المسلمين» أو «رأي الغرب» هي خطوات بسيطة لكنها تقطع جزءا مهما من دورة التضليل.

لهذا فإن لقطة الشاشة ليست دليلا اجتماعيا. لا تخبرنا من صاحب الحساب، ولا كم يمثل، ولا هل النص قديم أو مزور، ولا ما إذا كان جزءا من حملة منسقة. في التحقيق الجيد نحتاج إلى تاريخ الحساب، ونمط نشره، وشبكة إعادة التغريد، ومصدر الصور، وما إذا كانت حسابات كثيرة تنشر الرسالة نفسها في توقيت متقارب.

وقد وثقت الآلية المستقلة للتحقيق في ميانمار التابعة للأمم المتحدة مثالا أشد خطورة: شبكة من 43 صفحة على فيسبوك، بعضها بدا وكأنه يهتم بالمشاهير والثقافة الشعبية، كانت مرتبطة بصورة واضحة بجيش ميانمار، ونشرت أكثر من عشرة آلاف منشور اعتبرها المحققون خطاب كراهية ضد الروهينجا في فترة العنف الجماعي عام 2017. وخلص التقرير إلى وجود حملة كراهية منسقة ضد الجماعة (آلية التحقيق المستقلة في ميانمار، 2024). هنا لا نتحدث عن “شعور بالتحيز، بل عن حملة موثقة فعليا.

سابعا: قفص الصورة ودائرة الاستفزاز

حين تتجمع الآليات السابقة يظهر ما يمكن تسميته قفص الصورة: بناء ذهني يستطيع أن يعيد تفسير كل سلوك مسلم بطريقة تؤكد الحكم السابق. ومن داخل هذا القفص تعمل دائرة الاستفزاز: صورة مسبقة، ثم مادة أو واقعة مثيرة، ثم ردود متنوعة، ثم اختيار أشد الردود غضبا، ثم تعميم هذا الرد بوصفه دليلا على أن الصورة الأولى كانت صحيحة. هذه هي اللحظة التي يتحول فيها الاستفزاز من خبر إلى آلية مكتملة.

أخطر نجاح للتنميط أن يصبح المسلم خاسرا في كل الاحتمالات. إذا احتج قيل إنه غاضب، وإذا صمت قيل إن المسلمين لا يبالون، وإذا دافع عن الحجاب قيل إنه يبرر القمع، وإذا انتقد ممارسات في مجتمعه قيل إن الإسلام نفسه هو المشكلة، وإذا نجح قيل إنه استثناء لا يغير القاعدة.

هذا هو “القفص”: الصورة السابقة مصممة بحيث تستوعب كل سلوك جديد وتعيد تفسيره لمصلحتها. المتدين متشدد، وغير المتدين دليل على أن المسلم لا يتحرر إلا حين يبتعد عن دينه. المرأة المحجبة مقهورة، والتي لا ترتدي الحجاب مثال على التحرر من الإسلام. بهذه الطريقة لا يعود الواقع قادرا على تصحيح الصورة لأن كل واقع يعاد ترتيبه داخلها.

الحل ليس استبدال القفص بصورة وردية تقول إن المسلمين بلا أخطاء. بل كسر القفص نفسه: المسلم إنسان. فيه الصالح والطالح، المتدين وغير المتدين، الذكي والجاهل، المنفتح والمنغلق. وأكثر ما يهزم الصورة النمطية هو إعادة حق الفرد في أن يكون فردا.

قوة مفهوم “القفص” أنه يشرح لماذا لا تكفي دائما الوقائع المضادة وحدها. فحين تكون الصورة النمطية مرنة بما يكفي لتفسير كل شيء، يصبح النجاح “استثناء”، والاعتدال “تمثيلا”، والغضب “دليلا”، والصمت “قبولا”. لذلك لا يكفي أن نقدم مسلما مثاليا، بل يجب أن نكسر الفكرة التي تطالب المسلم أصلا بأن يمثل الجميع.

يمكن تلخيص كثير من الأساليب السابقة في دائرة تتكرر بأشكال مختلفة. تبدأ بصورة مسبقة: المسلم عنيف أو متخلف أو لا يقبل الآخر. ثم تأتي واقعة أو مادة تستفز جماعة من المسلمين. بعد ذلك تظهر مئات الردود المتنوعة، لكن يجري اختيار أكثرها غضبا أو حماقة. يُضخم هذا الرد ويعاد نشره، ثم يقال للجمهور: أرأيتم؟ هذه هي المشكلة التي كنا نتحدث عنها.

الخطوة الأشد دهاء أن يصبح المسلم نفسه شريكا في توزيع الدليل ضده. ينشر المستفز مقطعا صغيرا، فتشاركه صفحات مسلمة كبيرة غضبا، ويصل إلى جمهور أوسع. يكتب حساب مجهول عبارة مسيئة أو متطرفة، فتبدأ حملة ضده، ويصبح معروفا. وفي النهاية يتحقق هدف اقتصاد الانتباه حتى لو لم يكن هناك “مخطط سياسي” من الأصل. كسر الدائرة يحتاج إلى وعي في نقطتين: أولا، ألا نقبل الإطار الذي يجعل كل مسلم مسؤولا عن الجميع. وثانيا، ألا نمنح المستفز المشهد الذي ينتظره. الرد القوي ليس الرد الأعلى صوتا، بل الرد الذي يحرم الرواية المضادة من مادتها.

خاتمة: كيف نواجه الاستفزاز من دون أن نصبح جزءا منه؟

بعد دمج هذه الآليات يتضح أن المواجهة لا تحتاج إلى عشرات الاستجابات المتفرقة بقدر ما تحتاج إلى وعي بالمنطق الذي يجمعها. فالتنميط، والضغط، والاستفزاز، والأمننة، والتضليل الرقمي ليست جزرا منفصلة؛ كلها تستفيد من اختزال المسلم في قالب واحد، ومن جعله يتصرف داخل هذا القالب. ولذلك يجب أن تكون المواجهة أوسع من مجرد الرد على خبر أو رسم أو منشور.

مواجهة الشيطنة الإعلامية لا تبدأ بإقناع أنفسنا بأن العالم كله يتآمر على المسلمين. هذه الفكرة مريحة لأنها تقدم تفسيرا واحدا لكل شيء، لكنها تضعف القدرة على الفهم. هناك حملات منظمة بالفعل وقد وثقتها جهات دولية، وهناك سياسيون ومنصات تستفيد بوضوح من صناعة الخوف من المسلمين، لكن هناك أيضا جهل صحفي، وتحيز ثقافي، ومنافسة على المشاهدة، وخوارزميات تكافئ الغضب، وأخطاء حقيقية يرتكبها مسلمون ثم يجري تعميمها. التمييز بين هذه الحالات هو أول شرط للمواجهة الجادة.

الخطوة الأولى هي التوثيق بدل الانفعال. لا يكفي أن نقول “الإعلام متحيز”. ينبغي أن نسأل: كم مرة ذُكر دين الفاعل؟ ما المصطلح المستخدم؟ هل حظي الحدث بمساحة أكبر من حدث مشابه؟ أي صور اختيرت؟ هل أعطي المسلم حق الكلام؟ هذا النوع من المقارنة هو الذي حول الانطباع في دراسات مثل كيرنز وزملائه وبيتوس وزملائه إلى نتائج قابلة للنقاش العلمي. وكلما امتلكت المؤسسات المسلمة مراصد قادرة على جمع البيانات وتحليل آلاف الأخبار، أصبح احتجاجها أقوى من حملة غاضبة حول مثال منفرد.

الخطوة الثانية هي ألا نعطي المستفز شهرة مجانية. قبل مشاركة فيديو أو رسم أو منشور مسيء ينبغي أن نسأل: كم شخصا رآه أصلا؟ وهل إعادة نشره ستفضحه أم ستضاعف جمهوره؟ في عصر المنصات، المشاركة الغاضبة تظل مشاركة. وقد يكون الرد الأفضل في بعض الحالات شكوى قانونية أو تواصلا مباشرا مع المؤسسة أو إنتاج شرح مضاد لا يعيد عرض الإساءة نفسها.

الخطوة الثالثة هي بناء حضور إيجابي غير دعائي. ليست مهمتنا صناعة “مسلم مثالي” لا يخطئ، فذلك شكل آخر من أشكال الدعاية. المهم أن يظهر المسلم في تعدده الطبيعي: الباحث والمرأة العاملة والرياضي والفنان والأسرة والطالب والمتطوع. تجربة محمد صلاح تشير إلى أن التعرض الإيجابي المتكرر لشخص مسلم محبوب يمكن أن يغيّر الاتجاهات والسلوكيات بصورة قابلة للقياس (الرابابعة وآخرون، 2021). وهذه قوة لا تصنعها البيانات وحدها، بل تصنعها الحياة اليومية حين تكون مرئية.

الخطوة الرابعة هي تدريب المتحدثين. كثير من المعارك الإعلامية تُخسر لأن المؤسسة تختار شخصا صالحا في مجاله لكنه لا يفهم منطق المقابلة. يحتاج المتحدث إلى معرفة كيف يرفض السؤال المفخخ دون أن يبدو مراوغا، وكيف يصحح التعميم، وكيف يعترف بخطأ حقيقي دون السماح بتحويله إلى إدانة للإسلام كله. الاعتراف بالخطأ لا يضعف الحجة؛ إنكار الواضح هو الذي يضعفها.

الخطوة الخامسة هي الدفاع عن معيار أخلاقي واحد. لا يمكن للمسلم أن يرفض التنميط ضده ثم يمارسه ضد المسيحي أو اليهودي أو الهندوسي أو العلماني أو الطوائف المسلمة الأخرى. لا يمكن أن نطالب الناس بألا يحملونا جرائم أفراد ثم نحمل شعبا أو دينا كاملا جريمة فرد. الاتساق الأخلاقي ليس رفاهية؛ هو أقوى سلاح ضد من يريد تصوير المسلمين جماعة لا تؤمن بالعدالة إلا لنفسها.

وأخيرا، ينبغي أن نفهم أن معركة الصورة ليست مجرد دفاع عن “سمعة” الإسلام. هي معركة على حق الإنسان المسلم في أن يُعامل إنسانا كاملا لا رمزا دائما للخطر. المسلم لا يجب أن يقضي حياته يثبت أنه ليس إرهابيا، والمرأة المسلمة ليست مشروع إنقاذ دائم، والمسجد ليس غرفة انتظار للتطرف، والطفل المسلم ليس رقما في غزو ديموجرافي. حين يستعيد المسلم حقه في العادية والتنوع، يسقط جزء كبير من قوة الاستفزاز؛ لأن المستفز يعيش على القالب، أما الإنسان الحقيقي فأوسع من أي قالب.

والحقيقة التي ينبغي ألا تغيب هي أن المستفز لا ينتصر عندما ينشر المادة المسيئة، بل عندما ينجح في تحديد رد فعلنا عليها. إذا دفعنا إلى التهديد فقد أكمل روايته، وإذا دفعنا إلى التعميم المضاد جعلنا نشبهه، وإذا جعلنا ننشر مادته على أوسع نطاق حقق له ما يريد. أما حين نرد بالمعرفة والتوثيق والقانون والحضور الإيجابي والهدوء الواثق، فنحن لا ندافع عن صورة فقط؛ بل ننتزع حقنا في أن نحدد نحن من نكون.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/08/23 الساعة 15:46