العمل الطلابي والعمل الحزبي.. وجهان لعمل وطني واحد

مدار الساعة ـ نشر في 2026/08/22 الساعة 13:26
مدار الساعة - كتب طارق البطاينة (جامعة العلوم والتكنولوجيا) -
لطالما كان العمل الطلابي في الجامعات الأردنية مساحة حقيقية لاكتشاف الطاقات الشبابية، وبناء الشخصية القيادية، وتعزيز ثقافة الحوار والعمل الجماعي.
واليوم، ومع مسار التحديث السياسي الذي يشهده الأردن، أصبح من الضروري أن ننظر إلى العمل الطلابي والعمل الحزبي باعتبارهما وجهين لعمل وطني واحد، يلتقيان في هدف أساسي هو إعداد جيل قادر على تحمل المسؤولية والمشاركة في صناعة المستقبل.
إن التحديث السياسي لا يقتصر على القوانين والتشريعات، بل يرتبط قبل كل شيء ببناء ثقافة سياسية جديدة لدى المجتمع، تبدأ من الشباب، وتحديدًا من الجامعات التي تشكل إحدى أهم البيئات التي يتعلم فيها الشاب معنى المشاركة والحوار والاختلاف وتحمل المسؤولية.
ومن هنا تأتي أهمية العمل الطلابي؛ فالطالب الذي يشارك في المبادرات والأنشطة والعمل الجماعي، ويتحمل مسؤولية تمثيل زملائه، يكتسب مهارات تشكل في جوهرها أساسًا مهمًا للعمل العام والسياسي. فالقيادة، والحوار، والقدرة على الإقناع، وإدارة الاختلاف، والعمل ضمن فريق، ووضع البرامج والمبادرات، كلها مهارات يحتاجها الطالب في العمل الطلابي، ويحتاجها كذلك السياسي والحزبي في الحياة العامة.
ولهذا فإن العلاقة بين العمل الطلابي والعمل الحزبي يجب ألا تُفهم باعتبارها انتقالًا من مساحة إلى أخرى فقط، وإنما باعتبارها امتدادًا طبيعيًا للخبرة الشبابية من الجامعة إلى المجتمع.
ومن واقع تجربتي الشخصية، اخترت الإيمان بالعمل الحزبي في سن مبكرة، عندما كان عمري ثمانية عشر عامًا، لأنني كنت أؤمن بأن الشاب لا يحتاج إلى انتظار مرحلة عمرية معينة حتى يبدأ بالمشاركة في الحياة العامة.
وفي سنتي الجامعية الأولى، حاولت أن أترك بصمة في البيئة الجامعية من خلال العمل والمبادرات، مؤمنًا بأن الطالب قادر على أن يكون فاعلًا ومؤثرًا منذ سنواته الأولى، وأن الجامعة ليست فقط مكانًا للحصول على الشهادة، بل مساحة لبناء الشخصية وصناعة التجربة.
ومن هنا جاءت تجربة مبادرة وطن في جامعة العلوم والتكنولوجيا الأردنية، التي انطلقت من إيمان بأهمية تعزيز الهوية الوطنية، وتشجيع الشباب على المشاركة الإيجابية، وخلق مساحة للعمل المنظم والحوار والمسؤولية.
لكن الأهم من التجارب الفردية هو ما نشهده اليوم من تطور في المشهد الطلابي والحزبي داخل الجامعات. فنحن أمام توجه نعتز به يتمثل في تشكّل الكتل والقوائم الحزبية داخل الجامعات، بما ينسجم مع مسار التحديث السياسي، وبوجود دعم من المؤسسات الرسمية وعمادات شؤون الطلبة ووحدات التمكين الشبابي.
وهذا التطور يحمل أهمية كبيرة؛ لأنه ينقل الطالب من مرحلة الحديث عن السياسة إلى مرحلة ممارسة العمل الجماعي المنظم، ويمنحه فرصة حقيقية للتعرف على معنى البرامج الانتخابية، والعمل ضمن فريق، وإدارة الحوار، والتنافس على أساس الأفكار والرؤى. فالكتلة الطلابية التي تقدم برنامجًا واضحًا، وتستمع إلى احتياجات الطلبة، وتناقش الحلول، وتحاول إقناع زملائها ببرنامجها، تمارس شكلًا من أشكال العمل العام الذي يحتاجه المجتمع في مراحله السياسية المختلفة.
ومن هنا يمكن القول إن العمل الطلابي هو مدرسة مبكرة للعمل الحزبي، والعمل الحزبي هو امتداد أوسع للمسؤولية التي يتعلمها الشاب داخل الجامعة.
لكن هذا الترابط لا يعني أن الجامعة يجب أن تتحول إلى ساحة للصراعات السياسية، بل على العكس؛ المطلوب هو بناء نموذج جامعي يقوم على الحوار والاحترام والتنافس البرامجي، ويحافظ في الوقت ذاته على الرسالة الأكاديمية للجامعة.
وهنا تظهر أهمية دور المؤسسات الرسمية وعمادات شؤون الطلبة ووحدات التمكين الشبابي في توفير البيئة المناسبة لهذا التحول، من خلال تمكين الطلبة، وتنظيم مشاركتهم، وفتح المساحات أمامهم للحوار والتعبير والمبادرة. كما أن مسؤولية الأحزاب لا تقل أهمية عن ذلك.
فالحزب الذي يريد أن يكون جزءًا من مستقبل الأردن يجب أن ينظر إلى الطالب الجامعي باعتباره شريكًا في بناء المستقبل، لا مجرد رقم في عضوية الحزب. وعلى الأحزاب أن تقدم للشباب المعرفة السياسية، والتدريب، والمساحة لصناعة الأفكار، وأن تمنحهم فرصة حقيقية للمشاركة في صياغة البرامج والسياسات، لأن بناء الحياة الحزبية لا يبدأ من الانتخابات فقط، بل يبدأ من بناء الإنسان القادر على ممارسة السياسة بمسؤولية.
وفي هذا المسار، نؤمن بأن بناء الحياة الحزبية في الأردن يستند إلى مظلة وطنية راسخة، وإلى رؤية ملكية دفعت باتجاه تعزيز المشاركة السياسية وتمكين الشباب.
ونحن كشباب أردنيين نثق بالضامن الأول لمسيرة التحديث السياسي، جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، أبي الأردنيين، ونؤمن بأن توجيهاته ورؤيته لمسار التحديث السياسي تشكل أساسًا مهمًا لبناء حياة حزبية أكثر نضجًا، يكون فيها الشباب شريكًا حقيقيًا في صناعة مستقبل الأردن. إن ثقتنا بهذه المسيرة لا تعني الاكتفاء بالحديث عنها، بل تعني أن نكون جزءًا منها، وأن نترجمها إلى عمل ومبادرات ومشاركة مسؤولة داخل جامعاتنا ومجتمعنا.
إننا أمام جيل جديد من الشباب الأردني، جيل يريد أن يكون حاضرًا في المشهد، وأن ينتقل من موقع المتلقي إلى موقع الشريك.
وهذا هو جوهر التحديث السياسي في رأيي: أن نمنح الشباب الثقة والمساحة، وأن نحول طاقاتهم إلى عمل منظم، وأن نفتح أمامهم الطريق من الجامعة إلى المجتمع، ومن المبادرة إلى المؤسسة، ومن العمل الفردي إلى العمل الجماعي.
إن العمل الطلابي والعمل الحزبي ليسا متنافسين، ولا ينبغي أن ينظر إليهما كمسارين منفصلين؛ بل هما وجهان لعمل وطني واحد، يبدأ من بناء شخصية الطالب، ويمتد إلى بناء المواطن، وينتهي بالمشاركة في بناء الدولة.
ومن موقعي كشاب آمن بالعمل الحزبي منذ سن الثامنة عشرة، وخاض تجربة العمل الطلابي منذ السنة الجامعية الأولى، أرى أن مسؤوليتنا اليوم ليست فقط أن نتحدث عن التحديث السياسي، وإنما أن نكون جزءًا من ممارسته، وأن نثبت أن الشباب الأردني قادر على حمل المسؤولية عندما تتوفر له الثقة والفرصة والمساحة.
فالمستقبل لا يُمنح للشباب جاهزًا، وإنما يُبنى معهم. والعمل الطلابي اليوم قد يكون الخطوة الأولى نحو عمل حزبي أكثر نضجًا، والعمل الحزبي غدًا قد يكون المساحة الأوسع التي يحمل فيها هؤلاء الشباب أفكارهم من الجامعة إلى الوطن.
طارق البطاينة عضو حزب الميثاق الوطني مؤسس مبادرة وطن – جامعة العلوم والتكنولوجيا الأردنية

مدار الساعة ـ نشر في 2026/08/22 الساعة 13:26