سلامة موسى والتثقيف الذاتي.. من بناء الفرد إلى نهضة المجتمع

الدكتور زياد أبو لبن
مدار الساعة ـ نشر في 2026/08/22 الساعة 11:28
حين كتب سلامة موسى كتابه "التثقيف الذاتي" لم يكن يقدّم مشروعًا فرديًّا محدودًا يخص الإنسان ورغبته في زيادة معارفه فحسب، بل كان ينطلق من رؤية إصلاحية واسعة ترى أن نهضة المجتمعات تبدأ من بناء الإنسان، وأن الثقافة هي الأداة الأهم لتحرير العقل من الجمود، وتخليصه من أسر العادات والأفكار الموروثة التي تحول بينه وبين التقدم. فقد كان سلامة موسى يؤمن بأن الإنسان لا يولد مكتمل الوعي، وإنما يصنع وعيه بالتعلم المستمر، وبالقدرة على مراجعة أفكاره، والانفتاح على تجارب الآخرين، والبحث الدائم عن الحقيقة.

ولعل أهم ما يلفت النظر في حديثه عن التثقيف الذاتي هو تأكيده أن الثقافة ليست نتاج التعليم النظامي وحده، فالمدرسة والجامعة، على أهميتهما، لا تستطيعان أن تمنحا الإنسان كل ما يحتاج إليه من معرفة؛ لأن الحياة أوسع من المناهج، والزمن أسرع من قدرة المؤسسات التعليمية على الإحاطة بكل جديد. لذلك يصبح التثقيف الذاتي ضرورة ملازمة للإنسان، تبدأ معه منذ وعيه الأول، وتستمر طوال حياته، بحيث يظل العقل في حالة حركة ونمو وتجدد.

ويرى سلامة موسى أن من أبرز العوامل التي تساعد على التثقيف الذاتي امتلاك الإنسان وقتًا يخصصه للقراءة والتفكير والتأمل. ولهذا أشار إلى أن أفراد الطبقة المتوسطة والعليا كانوا أكثر قدرة على الإفادة من هذا الفراغ؛ لأن ظروفهم الاجتماعية والاقتصادية تمنحهم مساحة أوسع للانشغال بالمعرفة. فالإنسان الذي لا تستهلكه ضرورات الحياة القاسية يجد فرصة أكبر لممارسة القراءة والاطلاع، وتكوين ثقافة تتجاوز حدود المهنة والعمل اليومي.

غير أن هذه الرؤية لا ينبغي أن تُفهم على أنها تجعل الثقافة امتيازًا طبقيًّا أو حقًّا مقصورًا على فئة دون أخرى؛ فسلامة موسى نفسه كان من دعاة نشر المعرفة وإتاحتها للجميع، وكان يرى أن الإنسان مهما كانت طبقته الاجتماعية يستطيع أن يثقف نفسه إذا امتلك الرغبة والإرادة. فالفراغ وحده لا يصنع المثقف، كما أن ضيق الوقت لا يمنع الإنسان من طلب المعرفة. إن القضية الأساسية ليست في مقدار الوقت، وإنما في كيفية استخدامه، وفي القيمة التي يمنحها الإنسان للدقائق والساعات التي تمر في حياته.

أما العمال وأبناء الطبقات الكادحة الذين يعيشون تحت ضغط العمل ومتطلبات العيش، فقد واجهوا تاريخيًّا صعوبات أكبر في الوصول إلى الثقافة، لأن الجهد اليومي كان يستنزف معظم طاقتهم. ومع ذلك فإن التاريخ يقدّم نماذج كثيرة لأشخاص صنعوا ذواتهم بالقراءة والتعلم، واستطاعوا أن يتجاوزوا ظروفهم الاجتماعية بفضل إصرارهم على المعرفة. فالثقافة في جوهرها فعل مقاومة؛ مقاومة للجهل، ومقاومة للاستسلام للواقع، ومقاومة لكل ما يحاول أن يحصر الإنسان في حدود ظروفه الأولى.

لقد كان سلامة موسى يدرك أن أخطر ما يواجه الإنسان ليس نقص المعلومات فقط، بل فقدان الرغبة في المعرفة. فالإنسان قد يعيش بين الكتب والمصادر، لكنه يبقى فقيرًا إذا لم يمتلك عقلًا متسائلًا وفضولًا معرفيًّا. ومن هنا جاء تحذيره من "الترهل الذهني"، وهو التعبير الذي يحمل دلالة عميقة؛ إذ يشير إلى حالة يصاب فيها العقل بالخمول حين يتوقف عن التدريب والمراجعة والتفاعل مع الأفكار الجديدة. وكما يضعف الجسد حين يهمل صاحبه الرياضة، يضعف العقل حين ينقطع عن القراءة والتفكير.

والترهل الذهني لا يعني غياب الذكاء أو نقص القدرة على الفهم، وإنما يعني أن الإنسان يترك عقله يعيش على ما اعتاده من أفكار، فيرفض التجديد، ويكتفي بما ورثه من تصورات، ويصبح أسيرًا للجاهز والمألوف. وهذه الحالة تمثل خطرًا كبيرًا على الفرد والمجتمع؛ لأن المجتمعات لا تتقدم بعقول تخشى السؤال، وإنما بعقول تملك الجرأة على التفكير والنقد والابتكار.

وإذا انتقلنا إلى عصرنا الراهن، فإن أفكار سلامة موسى تبدو أكثر حضورًا وإلحاحًا. فقد تغيّر مفهوم الفراغ الذي تحدث عنه؛ ففي الماضي كان الإنسان يشكو من قلة مصادر المعرفة، أما اليوم فإنه يعيش وسط فيض هائل من المعلومات. لكن كثرة المعلومات لا تعني بالضرورة كثرة المعرفة؛ إذ إن الإنسان المعاصر قد يمتلك وصولًا سريعًا إلى آلاف المصادر، لكنه قد يستهلك وقته في محتويات سطحية لا تضيف إلى عقله شيئًا. وهنا يظهر الفرق بين امتلاك المعلومة وامتلاك الثقافة؛ فالثقافة ليست تراكمًا كميًّا للمعلومات، وإنما هي قدرة على الفهم والربط والتحليل والنقد.

إن وسائل التواصل الحديثة، بما توفره من إمكانات واسعة، يمكن أن تكون أداة عظيمة للتثقيف الذاتي إذا أحسن الإنسان استخدامها، لكنها قد تتحول إلى مصدر لإهدار الوقت وإضعاف التركيز إذا استسلم لها دون وعي. ولذلك فإن دعوة سلامة موسى إلى تنظيم الفراغ واستثماره تكتسب اليوم معنى جديدًا؛ فالمشكلة لم تعد في غياب الوقت فقط، بل في غياب القدرة على اختيار ما يستحق أن يُمنح من الوقت.

لقد كان مشروع سلامة موسى الثقافي قائمًا على الإيمان بأن الإنسان قادر على تغيير نفسه، وأن العقل ليس قدرًا ثابتًا، بل طاقة قابلة للنمو. فالإنسان الذي يقرأ كتابًا كل يوم، أو يتابع فكرة جديدة، أو يراجع موقفًا فكريًّا، إنما يمارس فعل بناء داخلي مستمر. ومن هنا فإن التثقيف الذاتي ليس هواية أو نشاطًا جانبيًّا، بل هو أسلوب حياة، وطريقة في النظر إلى العالم.

إن استحضار رؤية سلامة موسى اليوم هو دعوة إلى إعادة الاعتبار للقراءة والمعرفة في زمن السرعة والاستهلاك. فجيل المستقبل لا يحتاج فقط إلى امتلاك الأدوات التقنية، وإنما يحتاج إلى عقل قادر على استخدامها بوعي، وإلى شخصية تعرف كيف تحوّل الفراغ إلى طاقة خلاقة، والمعلومة إلى معرفة، والمعرفة إلى حكمة.

وهكذا يبقى التثقيف الذاتي، كما أراده سلامة موسى، مشروعًا مفتوحًا لبناء الإنسان؛ لأن النهضة الحقيقية لا تبدأ من الخارج، وإنما تبدأ من عقل يتعلم، ونفس تبحث، ووعي يدرك أن الإنسان يظل ناقصًا ما دام يتوقف عن التعلم. فالمثقف الحقيقي ليس من جمع الكتب على رفوفه، بل من جعل المعرفة جزءًا من تكوينه، ومنح عقله حقه في النمو والحياة.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/08/22 الساعة 11:28