تعيين أعضاء مجالس المحافظات بين الديمقراطية والدستورية

الدكتور مشعل الماضي
مدار الساعة ـ نشر في 2026/08/21 الساعة 17:26
شهدت الساحة السياسية والنيابية الأردنية نقاشاً موسعاً حول التوجه القانوني المقترح لاختيار أعضاء مجلس المحافظة من بين الفائزين في انتخابات قطاعات مهنية محددة. ورغم محاولات البعض تصوير هذا التوجه على أنه تراجع ديمقراطي، إلا أن القراءة العميقة للمشهد الوطني والدستوري تؤكد أن هذا الإجراء يمثل تحولاً نوعياً نحو "الانتخاب غير المباشر" الهادف إلى تجويد المخرجات وإرساء قواعد الإدارة التنموية الحصيفة. إن المبدأ المثالي والأسمى في الفلسفة الديمقراطية يقتضي حتماً منح حقي الانتخاب والترشح لجميع المواطنين دون قيد أو شرط لتمثيل إرادتهم الحرة إلا أن هذا التطلع الديمقراطي النظري يصطدم مباشرة بجدار الواقع الاجتماعي المعقد الذي يفرض نفسه بقوة؛ فالانتخابات العامة في مجتمعاتنا ما زالت تُوجّه لاعتبارات العشائرية والمناطقية الضيقة وهي معايير تبتعد كلياً عن الكفاءة والبرامجية.

وفي ظل هذا التناقض تبرز الحكمة التشريعية بالأخذ بأسلوب الاقتراع المقيد المقترن ببيئة مهنية نوعية ومنتخبة سلفاً من ناخبين مهنيين وهو توجه يجد سنده المتين في المادة (24) من الدستور التي تؤصل لمبدأ "الأمة مصدر السلطات" والذي يمنح المشرع الحق في تنظيم الحقوق وتقييدها بشروط تخدم الغاية النهائية من الانتخاب.

ورغم تمسك البعض بعدم دستورية هذا التوجه تذرعاً بالمواد (6، و121، و128) من الدستور، إلا أن المادة السادسة تلك والتي نصت على المساواة لاتعني المساواة المطلقة بين الأفراد بل أرسى مفهومها الفقه الدستوري بأنها ليست المساواة التي تقوم على التماثل الحسابي المطلق بين جميع الأفراد، بل تعني المساواة بين المراكز القانونية المتطابقة، وحيث إن المركز القانوني للمواطن المنتمي لقطاع مهني ونقابي منتخب ومؤهل لإدارة ملفات التنمية يختلف موضوعياً عن المركز القانوني لعامة الأفراد في هذا السياق الإداري، فإن وضع شروط قطاعية يُعد تنظيماً مشروعاً للمراكز القانونية المتماثلة لا تمييزاً سلبياً.

أما الاستناد للمادة (121) والادعاء بأنها تفرض الانتخاب المباشر، فيرد عليه بأن النص جاء مرناً ومطلقاً وأحال إدارة الشؤون المحلية إلى "القوانين الخاصة" دون إلزام بنظام انتخابي معين. وبالانتقال للمادة (128) التي تحظر المساس بجوهر الحقوق فإن التشكيل الجديد لا يصادر أصل الحق بل ينظمه عبر "انتخاب غير مباشر" محصور في فئات مهنية منتخبة لضمان الجدارة الفنية.

ولكي يستقيم هذا التوجه ويُحصّن من شبهة الهوى الحكومي فمن الضرورة بمكان أن يشتمل القانون على نص صريح يحدد معايير واضحة وقاطعة للفئات المهنية المستهدفة من نقابات وغرف تجارية وصناعية، وبناءً على أعلى الأصوات التي حصلوا عليها في قطاعاتهم، لئلا يتبقى أمر التعيين مطلقاً بيد جهة حكومية محددة؛ إذ إن غياب هذه المعايير الموضوعية الملزمة سيعود باللامركزية إلى مربع التبعية للحكومة المركزية ويمنحها سلطة التحكم بالقرار الإداري والتنموي المتخذ من مجلس المحافظة، وهو ما يتناقض مع جوهر الاستقلال المالي والإداري للمجالس المحلية.

إن مجالس المحافظات هي وحدات تنموية وخدمية بالدرجة الأولى، ومهمتها الأساسية تتركز في تقديم المشاريع وحصر الاحتياجات وتطوير البنى التحتية وهي مهام تكنوقراطية تتطلب عقليات برامجية وخبرات نوعية قادرة على إدارة الموازنات بكفاءة وليس مجالس للمحاصصة الاجتماعية..

بناءً على ذلك نخلص إلى أن اللجوء للتعيين المقيد أصبح ضرورة وطنية ملحة تعكس التدرجية السلسة والناضجة في ممارسة الديمقراطية حيث يتم حماية الإدارة المحلية من عيوب الممارسة الشعبوية الحالية وفي الوقت ذاته يُمنح المجتمع الوقت الكافي للارتقاء بمستوى وعي الناخب وتطوير ثقافته السياسية نحو الأفضل لتصبح الكفاءة البرامجية هي المعيار الوحيد في المستقبل .
مدار الساعة ـ نشر في 2026/08/21 الساعة 17:26