الملك في بكين.. هل وجد الأردن بوصلته نحو النهضة؟

عبد الرحمن ابو نقطة
مدار الساعة ـ نشر في 2026/08/20 الساعة 20:22
هناك زيارات تنتهي بانتهاء مراسمها، وهناك زيارات تفتح أسئلة تتجاوز حدود المكان والزمان. وزيارة جلالة الملك عبدالله الثاني إلى الصين تنتمي إلى النوع الثاني؛ فهي لا تتعلق فقط بتعزيز العلاقات السياسية والاقتصادية، وإنما تفتح سؤالاً أكبر، هل يستطيع الأردن تحويل شراكته مع الصين إلى رافعة لبناء اقتصاد جديد؟

الأردن لا يذهب إلى الصين لاستنساخ التجربة الصينية، فهذا غير ممكن ولا مطلوب، وإنما للاستفادة من الأفكار التي صنعت نجاحها: الرؤية طويلة المدى، الاستثمار في الإنسان، التصنيع، البنية التحتية، التكنولوجيا، التصدير، والانضباط في التنفيذ. وهذه الدروس التي يمكن للأردن تكييفها وفق ظروفه وإمكاناته.

من التجارة إلى الشراكة

اللافت في الزيارة أن الاقتصاد والتكنولوجيا يحتلان موقعاً متقدماً فيها. فقد التقى جلالة الملك في شنغهاي رؤساء تنفيذيين لكبرى الشركات الصينية، وبحث فرص الاستثمار والتعاون في قطاعات متعددة.

وهنا يجب أن ينتقل الأردن من هدف زيادة التجارة إلى هدف أكثر طموحاً: تغيير طبيعة التجارة نفسها؛ من معادلة «الصين تصنّع والأردن يستورد» إلى معادلة، الصين تستثمر، والأردن ينتج، والشراكة تصدّر إلى المنطقة والعالم.

فالأردن يمتلك موقعاً استراتيجياً، وكفاءات بشرية، وشبكة من اتفاقيات التجارة، ويمكنه أن يقدم نفسه كمنصة إقليمية للإنتاج والتصدير، لا كسوق استهلاكية فقط.

من الروبوت إلى اقتصاد المستقبل

كانت زيارة جلالة الملك لشركةAgiBot المتخصصة في الروبوتات في شنغهاي رسالة واضحة إلى أهمية التكنولوجيا في الاقتصاد القادم. والسؤال الذي يجب أن يطرح نفسه هو: هل نريد استيراد التكنولوجيا فقط، أم نريد أن يتعلم الأردنيون كيف يطورونها ويصنعون تطبيقاتها؟

الأردن يمتلك جامعات ومهندسين ومبرمجين وشباباً مؤهلاً، لكن التحدي هو الانتقال من تخريج الكفاءات إلى تحويلها إلى شركات ومنتجات وبراءات اختراع وصادرات، عبر شراكات حقيقية بين الجامعات والقطاع الخاص والشركات العالمية.

ماذا نتعلم من الصين؟

أول الدروس أن التنمية لا تُدار بعقلية العام الواحد. الصين بنت مشروعها الاقتصادي على عقود، والأردن بحاجة إلى رؤية اقتصادية طويلة المدى تستمر عبر الحكومات، مع وضوح في الأولويات وسرعة في التنفيذ.

والدرس الثاني أن الصين لم تنتظر التنمية، بل بنت أدواتها: بنية تحتية، مناطق صناعية، لوجستيات، وأسواق. لذلك يجب أن يكون السؤال الأردني ليس فقط: كيف نجذب المستثمر؟ بل كيف نبني بيئة تجعل المستثمر يريد أن ينتج من الأردن؟

أما الدرس الثالث فهو أن الاستثمار الحقيقي لا يُقاس بحجم الأموال الداخلة فقط، بل بما يتركه وراءه من تكنولوجيا ومعرفة وتدريب ووظائف وصادرات وقيمة مضافة محلية.

والدرس الرابع أن الإنسان هو أعظم مورد، لذلك يجب أن تتجه الشراكة الأردنية الصينية إلى التعليم التقني، والذكاء الاصطناعي، والروبوتات، والهندسة، والتصنيع المتقدم، والبحث العلمي وريادة الأعمال.

والدرس الخامس هو ضرورة تحويل المحافظات إلى مراكز إنتاج، من خلال تخصصات اقتصادية واضحة في الصناعات الغذائية والدوائية والتكنولوجيا والطاقة والسياحة والزراعة الحديثة، بحيث تصبح التنمية أكثر انتشاراً وفرص العمل أكثر ارتباطاً بموارد كل محافظة.

الطاقة والسياحة.. فرص تتجاوز القطاعات التقليدية

الطاقة المتجددة تقدم نموذجاً مهماً. فالأردن قطع شوطاً كبيراً في هذا المجال، ويمكن للشراكة مع الصين أن تتجاوز شراء المعدات إلى التصنيع والتدريب وتطوير حلول التخزين وتوطين التكنولوجيا.

وفي السياحة، لا ينبغي أن يكون الهدف فقط زيادة أعداد السياح الصينيين، بل بناء سوق مستدامة تقوم على الربط الجوي، والإقامة الأطول، والترويج الذكي، وربط السياحة بالثقافة والتاريخ والطبيعة، لتصبح جزءاً من شراكة اقتصادية متكاملة.

هل وجد الأردن بوصلته؟

الزيارة يمكن أن تفتح البوصلة، لكنها لا تستطيع أن ترسم الطريق وحدها. الصين تستطيع أن تقدم الخبرة والتكنولوجيا والشركات والاستثمار والأسواق، لكن الأردن هو الذي يجب أن يحدد ما يريد، وما القطاعات التي يريد أن يعمل فيها، وكيف يحول الشراكات إلى وظائف وصادرات وقيمة مضافة. ولهذا فإن نجاح الزيارة لن يقاس بعدد الاتفاقيات والاجتماعات، وإنما بما سيظهر لاحقاً على الأرض: مصانع جديدة، شركات أقوى، وظائف نوعية، صادرات أكبر، ونقل حقيقي للتكنولوجيا والمعرفة.

من ماذا نستورد؟ إلى ماذا ننتج؟

ربما يكون هذا هو السؤال الأهم الذي يجب أن يعود به الأردن من الصين:

ماذا يمكن أن ننتج مع الصين؟

وليس فقط: ماذا يمكن أن نستورد منها؟

كم مصنعاً وشركة ومركز بحث وتطوير يمكن أن نبني بالشراكة معها؟

وليس فقط: كم مستثمراً يمكن أن نستقطب؟

كيف نزيد صادراتنا وقيمتنا المضافة وفرص العمل؟

وليس فقط: كيف نزيد حجم التجارة؟

هذه هي النقلة الفكرية التي يمكن أن تجعل زيارة الملك إلى الصين أكثر من نجاح دبلوماسي واقتصادي وتحولها إلى بداية لمسار جديد.

البوصلة موجودة.. والتحدي في الاتجاه

الصين لا تقدم للأردن وصفة جاهزة، لكنها تقدم درساً في كيفية التفكير بالمستقبل: فكر بعيداً، خطط بوضوح، استثمر في الإنسان، اصنع بدلاً من أن تستهلك، صدّر بدلاً من أن تعتمد على الاستيراد، واستخدم التكنولوجيا لبناء قيمة حقيقية.

الأردن لا يحتاج إلى أن يصبح الصين، لكنه يستطيع أن يتعلم من تجربتها كيف يحول محدودية الموارد إلى فرصة، والموقع إلى قوة اقتصادية، والإنسان إلى رأس مال، والتكنولوجيا إلى إنتاج.

وفي النهاية، قد لا يكون السؤال الحقيقي: هل وجد الأردن بوصلته في بكين؟

بل السؤال الأهم: هل يمتلك الأردن الإرادة لتحويل هذه البوصلة إلى طريق، وتحويل الطريق إلى نهضة وتحويل النهضة إلى اقتصاد يصنع المستقبل؟

وهنا تبدأ القصة الحقيقية بعد العودة من بكين.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/08/20 الساعة 20:22