عقوبةٌ بلا أجل: قراءة دستورية في المادة العاشرة من قانون الجرائم الاقتصادية
مدار الساعة ـ نشر في 2026/08/20 الساعة 19:56
في القانون الأردني قاعدةٌ راسخة مؤدّاها أن العقوبة لا تبقى قابلةً للتنفيذ إلى ما لا نهاية، بل يطويها التقادم بعد مدةٍ يحددها القانون بحسب جسامتها. هذه القاعدة تسري على العقوبات كلها على اختلاف درجاتها. غير أن المشرّع استثنى منها طائفةً واحدة: عقوبات الجرائم الاقتصادية، التي قرر ألّا يسري عليها التقادم مطلقاً، فتظل معلّقةً على المحكوم عليه بلا أجلٍ ولا أمد.
مصدر هذا الاستثناء نصٌّ واحد: المادة العاشرة من قانون الجرائم الاقتصادية لسنة 1993، التي تقرر — في شقٍّ منها — أن التقادم «لا يسري على العقوبات المقررة» لهذه الجرائم. وهنا يثور سؤالٌ دستوري لا مفرّ منه: هل يستقيم أن تُحرَم فئةٌ بعينها من ضمانةٍ يكفلها القانون لسائر المحكوم عليهم، دون أساسٍ موضوعي كافٍ يبرر هذا التمييز؟
لسنا نتحدث عن ملاحقة متهم
قبل الخوض في الجدل، لا بد من تحرير محل النزاع بدقة، لأن الخلط هنا شائع. فثمة فرقٌ جوهري بين أمرين: تقادم الدعوى الذي يمنع ملاحقة متهمٍ لم يصدر ضده حكم بعد، وتقادم العقوبة الذي نتحدث عنه، والذي يفترض أن المحاكمة تمّت، وأن حكماً باتاً صدر بالإدانة، لكنه لم يُنفَّذ.
فحديثنا إذن ليس عن جانٍ قد يُفلت لصعوبة الإثبات أو تلاشي الأدلة — تلك حجج تخصّ مرحلة ما قبل الحكم. حديثنا عن محكومٍ عليه ثبتت إدانته قضاءً، والسؤال الوحيد: إلى متى يبقى تنفيذ عقوبته ممكناً؟ أبد الدهر، أم إلى أجلٍ معقول كما هو الحال في سائر الجرائم؟
استثناءٌ يخرق تدرّج النظام كله
يرسم قانون أصول المحاكمات الجزائية نظاماً متدرجاً دقيقاً لتقادم العقوبات، يوازن فيه بين جسامة الجريمة ومدة بقاء العقوبة قابلةً للتنفيذ. فالعقوبات الجنائية المؤبدة تسقط بمضي خمس وعشرين سنة، والعقوبات المؤقتة بضعف مدتها في حدود قصوى، والجنح بضعف العقوبة المحكوم بها، والمخالفات بسنتين. إنه سلّمٌ منطقي محكم: كلما اشتدّت الجريمة، طالت مدة إمكان تنفيذ عقوبتها، لكنها تظل جميعاً محكومةً بأجلٍ ينتهي عنده حق الدولة في التنفيذ.
ثم تأتي المادة العاشرة لتقفز فوق هذا السلّم بأكمله، فتضع عقوبات الجرائم الاقتصادية — أياً كانت درجتها — في خانةٍ لا يصلها التقادم مطلقاً. فبينما تخضع كل العقوبات الأخرى، على تفاوت جسامتها، لأجلٍ ينتهي عنده التنفيذ، تنفرد هذه الطائفة وحدها بالبقاء بلا أجل. هنا يقع الخلل الدستوري الأول: استثناءٌ يكسر منطق النظام كله دون مبررٍ يوازي هذا الخروج.
كل العقوبات يطويها الزمن بعد أجلٍ محدد... فلماذا وحدها عقوبةُ الجريمة الاقتصادية تبقى بلا أجل؟
المساواة أولاً
كفل الدستور الأردني في مادته السادسة المساواة أمام القانون. والمساواة لا تعني أن يُعامل الجميع معاملةً واحدة، بل تعني ألّا يقوم التمييز بين الناس إلا على أساسٍ موضوعي معقول. فحين يميّز المشرّع بين طائفتين، عليه أن يبيّن ما الذي يبرر المعاملة المغايرة.
والمعيار الذي اعتمدته المادة العاشرة ليس جسامة الجريمة ولا درجة العقوبة، بل مجرد الطبيعة المالية للفعل. وهذا معيارٌ لا يصمد وحده أساساً لحرمان فئةٍ من ضمانةٍ تمسّ الحرية، بينما يكفلها القانون لغيرهم ممن قد تكون جرائمهم أشدّ خطورة. فأين الأساس الموضوعي الذي يجعل عقوبةً بعينها أبديةً وسائر العقوبات زائلةً بالتقادم؟
والتناسب ثانياً
ثمة عيبٌ ثانٍ: المادة العاشرة تسوّي بالجملة بين كل الجرائم الاقتصادية، فتحرمها جميعاً من التقادم دفعةً واحدة، من الاختلاس الضخم للمال العام إلى المخالفة المالية الصغيرة التي تدخل في نطاق القانون. لا تدرّج، ولا مراعاة لخطورة كلٍّ منها. وهذا إفراطٌ في التعميم يخالف مبدأ التناسب، الذي يقتضي أن يكون الأثر العقابي متناسباً مع جسامة الفعل، لا مقرراً بالجملة على نحوٍ أعمى.
الحجة التي تنسف المبرر
قد يُقال: أليس من العدل ألّا يُكافأ المحكوم عليه الفارّ بإسقاط عقوبته لمجرد أنه أحسن الاختفاء حتى انقضت المدة؟ والجواب أن القانون نفسه قد حسم هذا الاعتراض سلفاً. فالقواعد العامة للتقادم توقف سريانه عند كل حائلٍ يحول دون التنفيذ ما لم ينشأ بإرادة المحكوم عليه؛ ومعنى ذلك أن فرار الجاني بإرادته يوقف التقادم بحقه أصلاً.
أي أن النظام القانوني يحمي نفسه من الفارّ بأداةٍ جاهزة هي «وقف التقادم»، لا بإلغائه. وإذا كان الوقف كافياً لمنع الجاني من الإفادة من فراره، فإن إلغاء التقادم إلغاءً كاملاً في المادة العاشرة يصبح زيادةً لا حاجة لها. وحين يتجاوز النص حدّ الضرورة، ينهار المبرر الذي يُستند إليه في تسويغ أي استثناء دستوري.
النظام القانوني يحمي نفسه من الفارّ بوقف التقادم لا بإلغائه — فالإلغاء الكامل زيادةٌ لا ضرورة لها.
ماذا عن مكافحة الفساد؟
سيقول قائل إن مكافحة الفساد وحماية المال العام تبرران هذه الصرامة، وإن الاتفاقيات الدولية تدعو إلى ذلك. وهذا صحيحٌ في جزءٍ منه، لكنه لا يسند النص كما يُظنّ. فاتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد تدعو الدول إلى إطالة مدد التقادم بما يتناسب مع خطورة الجريمة، لا إلى إلغائها. وهي تعالج أساساً مرحلة الملاحقة، لا مرحلة تنفيذ عقوبةٍ صدر بها حكمٌ بات. فالسند الدولي يدعم إطالة المدة، لا إبطالها في مرحلة التنفيذ.
لا إلغاء... بل سقفٌ عادل
خلاصة القول إن الشقّ الخاص بعدم تقادم العقوبة في المادة العاشرة مثارٌ جدّي للطعن بعدم الدستورية: فهو يميّز بلا أساسٍ موضوعي كافٍ حين يستثني فئةً واحدة من قاعدةٍ تسري على الجميع، ويُفرط في التعميم حين يسوّي بين الجسيم والتافه، ويتجاوز حدّ الضرورة حين يلغي التقادم بينما الوقف كافٍ لردع الفارّ.
والحلّ ليس في التساهل مع الفاسدين، ولا في فتح باب الإفلات لمن نهبوا المال العام. الحلّ في نصٍّ متوازن: سقفٌ زمني أقصى لتقادم العقوبة في الجرائم الاقتصادية، طويلٌ بما يكفي ليردع، يوقفه فرار المحكوم عليه بإرادته فلا يُكافأ الهارب، لكنه لا يجعل العقوبة أبديةً بلا أمد. بهذا وحده نجمع بين هيبة العدالة وضماناتها، ولا نضحّي بإحداهما في سبيل الأخرى.
مصدر هذا الاستثناء نصٌّ واحد: المادة العاشرة من قانون الجرائم الاقتصادية لسنة 1993، التي تقرر — في شقٍّ منها — أن التقادم «لا يسري على العقوبات المقررة» لهذه الجرائم. وهنا يثور سؤالٌ دستوري لا مفرّ منه: هل يستقيم أن تُحرَم فئةٌ بعينها من ضمانةٍ يكفلها القانون لسائر المحكوم عليهم، دون أساسٍ موضوعي كافٍ يبرر هذا التمييز؟
لسنا نتحدث عن ملاحقة متهم
قبل الخوض في الجدل، لا بد من تحرير محل النزاع بدقة، لأن الخلط هنا شائع. فثمة فرقٌ جوهري بين أمرين: تقادم الدعوى الذي يمنع ملاحقة متهمٍ لم يصدر ضده حكم بعد، وتقادم العقوبة الذي نتحدث عنه، والذي يفترض أن المحاكمة تمّت، وأن حكماً باتاً صدر بالإدانة، لكنه لم يُنفَّذ.
فحديثنا إذن ليس عن جانٍ قد يُفلت لصعوبة الإثبات أو تلاشي الأدلة — تلك حجج تخصّ مرحلة ما قبل الحكم. حديثنا عن محكومٍ عليه ثبتت إدانته قضاءً، والسؤال الوحيد: إلى متى يبقى تنفيذ عقوبته ممكناً؟ أبد الدهر، أم إلى أجلٍ معقول كما هو الحال في سائر الجرائم؟
استثناءٌ يخرق تدرّج النظام كله
يرسم قانون أصول المحاكمات الجزائية نظاماً متدرجاً دقيقاً لتقادم العقوبات، يوازن فيه بين جسامة الجريمة ومدة بقاء العقوبة قابلةً للتنفيذ. فالعقوبات الجنائية المؤبدة تسقط بمضي خمس وعشرين سنة، والعقوبات المؤقتة بضعف مدتها في حدود قصوى، والجنح بضعف العقوبة المحكوم بها، والمخالفات بسنتين. إنه سلّمٌ منطقي محكم: كلما اشتدّت الجريمة، طالت مدة إمكان تنفيذ عقوبتها، لكنها تظل جميعاً محكومةً بأجلٍ ينتهي عنده حق الدولة في التنفيذ.
ثم تأتي المادة العاشرة لتقفز فوق هذا السلّم بأكمله، فتضع عقوبات الجرائم الاقتصادية — أياً كانت درجتها — في خانةٍ لا يصلها التقادم مطلقاً. فبينما تخضع كل العقوبات الأخرى، على تفاوت جسامتها، لأجلٍ ينتهي عنده التنفيذ، تنفرد هذه الطائفة وحدها بالبقاء بلا أجل. هنا يقع الخلل الدستوري الأول: استثناءٌ يكسر منطق النظام كله دون مبررٍ يوازي هذا الخروج.
كل العقوبات يطويها الزمن بعد أجلٍ محدد... فلماذا وحدها عقوبةُ الجريمة الاقتصادية تبقى بلا أجل؟
المساواة أولاً
كفل الدستور الأردني في مادته السادسة المساواة أمام القانون. والمساواة لا تعني أن يُعامل الجميع معاملةً واحدة، بل تعني ألّا يقوم التمييز بين الناس إلا على أساسٍ موضوعي معقول. فحين يميّز المشرّع بين طائفتين، عليه أن يبيّن ما الذي يبرر المعاملة المغايرة.
والمعيار الذي اعتمدته المادة العاشرة ليس جسامة الجريمة ولا درجة العقوبة، بل مجرد الطبيعة المالية للفعل. وهذا معيارٌ لا يصمد وحده أساساً لحرمان فئةٍ من ضمانةٍ تمسّ الحرية، بينما يكفلها القانون لغيرهم ممن قد تكون جرائمهم أشدّ خطورة. فأين الأساس الموضوعي الذي يجعل عقوبةً بعينها أبديةً وسائر العقوبات زائلةً بالتقادم؟
والتناسب ثانياً
ثمة عيبٌ ثانٍ: المادة العاشرة تسوّي بالجملة بين كل الجرائم الاقتصادية، فتحرمها جميعاً من التقادم دفعةً واحدة، من الاختلاس الضخم للمال العام إلى المخالفة المالية الصغيرة التي تدخل في نطاق القانون. لا تدرّج، ولا مراعاة لخطورة كلٍّ منها. وهذا إفراطٌ في التعميم يخالف مبدأ التناسب، الذي يقتضي أن يكون الأثر العقابي متناسباً مع جسامة الفعل، لا مقرراً بالجملة على نحوٍ أعمى.
الحجة التي تنسف المبرر
قد يُقال: أليس من العدل ألّا يُكافأ المحكوم عليه الفارّ بإسقاط عقوبته لمجرد أنه أحسن الاختفاء حتى انقضت المدة؟ والجواب أن القانون نفسه قد حسم هذا الاعتراض سلفاً. فالقواعد العامة للتقادم توقف سريانه عند كل حائلٍ يحول دون التنفيذ ما لم ينشأ بإرادة المحكوم عليه؛ ومعنى ذلك أن فرار الجاني بإرادته يوقف التقادم بحقه أصلاً.
أي أن النظام القانوني يحمي نفسه من الفارّ بأداةٍ جاهزة هي «وقف التقادم»، لا بإلغائه. وإذا كان الوقف كافياً لمنع الجاني من الإفادة من فراره، فإن إلغاء التقادم إلغاءً كاملاً في المادة العاشرة يصبح زيادةً لا حاجة لها. وحين يتجاوز النص حدّ الضرورة، ينهار المبرر الذي يُستند إليه في تسويغ أي استثناء دستوري.
النظام القانوني يحمي نفسه من الفارّ بوقف التقادم لا بإلغائه — فالإلغاء الكامل زيادةٌ لا ضرورة لها.
ماذا عن مكافحة الفساد؟
سيقول قائل إن مكافحة الفساد وحماية المال العام تبرران هذه الصرامة، وإن الاتفاقيات الدولية تدعو إلى ذلك. وهذا صحيحٌ في جزءٍ منه، لكنه لا يسند النص كما يُظنّ. فاتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد تدعو الدول إلى إطالة مدد التقادم بما يتناسب مع خطورة الجريمة، لا إلى إلغائها. وهي تعالج أساساً مرحلة الملاحقة، لا مرحلة تنفيذ عقوبةٍ صدر بها حكمٌ بات. فالسند الدولي يدعم إطالة المدة، لا إبطالها في مرحلة التنفيذ.
لا إلغاء... بل سقفٌ عادل
خلاصة القول إن الشقّ الخاص بعدم تقادم العقوبة في المادة العاشرة مثارٌ جدّي للطعن بعدم الدستورية: فهو يميّز بلا أساسٍ موضوعي كافٍ حين يستثني فئةً واحدة من قاعدةٍ تسري على الجميع، ويُفرط في التعميم حين يسوّي بين الجسيم والتافه، ويتجاوز حدّ الضرورة حين يلغي التقادم بينما الوقف كافٍ لردع الفارّ.
والحلّ ليس في التساهل مع الفاسدين، ولا في فتح باب الإفلات لمن نهبوا المال العام. الحلّ في نصٍّ متوازن: سقفٌ زمني أقصى لتقادم العقوبة في الجرائم الاقتصادية، طويلٌ بما يكفي ليردع، يوقفه فرار المحكوم عليه بإرادته فلا يُكافأ الهارب، لكنه لا يجعل العقوبة أبديةً بلا أمد. بهذا وحده نجمع بين هيبة العدالة وضماناتها، ولا نضحّي بإحداهما في سبيل الأخرى.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/08/20 الساعة 19:56