اذا يعني وصول دين واشنطن لـ 40 تريليون دولار؟

مدار الساعة ـ نشر في 2026/08/20 الساعة 15:36
مدار الساعة-40 تريليون دولار من الديون.. رقم غير مسبوق يضع المالية الأمريكية أمام اختبار تاريخي، لكنه لا يعني أن الولايات المتحدة عاجزة عن السداد أو على وشك إعلان الإفلاس. الخطر الحقيقي يكمن في سرعة تراكم الدين، وارتفاع كلفة خدمته، واعتماد واشنطن المتزايد على إعادة تمويل ديون ضخمة في سوق الخزانة، بما قد يجعل أي اهتزاز في ثقة المستثمرين أو ارتفاع حاد في العوائد مشكلة تتجاوز حدود الاقتصاد الأمريكي إلى الأسواق العالمية.

تجاوز الدين الفيدرالي الأمريكي حاجز 40 تريليون دولار للمرة الأولى، في محطة مالية وتاريخية تعكس اتساع الفجوة بين الإنفاق والإيرادات في أكبر اقتصاد عالمي. ووفق بيانات وزارة الخزانة الأمريكية، بلغ إجمالي الدين 40.05 تريليون دولار حتى 18 أغسطس 2026، مقارنة بنحو 37.64 تريليون دولار في نهاية عام 2025.

ولا تكمن أهمية الرقم في حجمه الاسمي فقط، وإنما في ما يعكسه من تحول الدين إلى أحد أكثر التحديات الاستراتيجية إلحاحاً أمام السياسة المالية الأمريكية، خصوصاً مع استمرار العجز في الموازنة وارتفاع تكلفة الفائدة، في وقت تحتاج فيه واشنطن إلى تمويل الإنفاق على برامج التقاعد والرعاية الصحية والدفاع والاستثمارات العامة.

40 تريليوناً.. ماذا تعني؟

الدين الوطني الأمريكي هو تراكم الاقتراض الفيدرالي لتمويل العجوزات السابقة. ولا يعني وصوله إلى 40 تريليون دولار أن الحكومة مطالبة بدفع هذا المبلغ دفعة واحدة، بل إن الجزء الأكبر منه عبارة عن أوراق مالية تستحق في آجال مختلفة، يجري عند حلول استحقاقها سدادها أو إعادة تمويلها بإصدار سندات جديدة.

وتوضح وزارة الخزانة أن الدين الفيدرالي يتكون أساساً من فئتين رئيسيتين: دين يحتفظ به الجمهور، ودين حكومي داخلي. ويشمل الدين المحتفظ به من الجمهور السندات التي يمتلكها الأفراد والشركات والحكومات المحلية وحكومات الولايات والاحتياطي الفيدرالي والمستثمرون الأجانب. أما الدين الحكومي الداخلي فينشأ عندما تقرض صناديق وحسابات حكومية أموالها إلى الخزانة عبر شراء أوراقها المالية.

وبحسب التقرير المالي للحكومة الأمريكية، بلغ الدين المحتفظ به من الجمهور نحو 32.26 تريليون دولار في السنة المالية 2025، فيما بلغ الدين الحكومي الداخلي نحو 7.78 تريليونات دولار.

وهنا تظهر نقطة مهمة: ليس كل الدين الأمريكي مملوكاً للصين أو اليابان أو المستثمرين الأجانب، كما قد توحي بعض التقديرات المتداولة. الجزء الأكبر من الدين الذي تموله الخزانة عبر السوق الأمريكية يوجد لدى مستثمرين داخل الولايات المتحدة، إلى جانب الاحتياطي الفيدرالي والمستثمرين الأجانب.

ما أنواع الديون الأمريكية؟

يمكن تقسيم أدوات الدين الأمريكي إلى مجموعة رئيسية من الأوراق المالية، أبرزها:

أذون الخزانة Treasury Bills: وهي أدوات قصيرة الأجل، عادة ما تكون استحقاقاتها في حدود عام أو أقل.

سندات وأوراق الخزانة Treasury Notes and Bonds: أدوات متوسطة وطويلة الأجل تستخدم لتمويل الاحتياجات الحكومية لفترات أطول.

الأوراق المالية المحمية من التضخم TIPS: وهي سندات ترتبط قيمتها بالتغيرات في مؤشر أسعار المستهلكين، ما يوفر حماية نسبية للمستثمر من التضخم.

سندات الادخار الأمريكية: وهي أدوات غير قابلة للتداول في السوق بالطريقة نفسها التي تتداول بها سندات الخزانة التقليدية.

وهناك أيضاً أدوات أخرى غير قابلة للتداول وأوراق مالية مرتبطة بحسابات وصناديق حكومية. وتوضح الخزانة أن هيكل الدين يجمع بين الأوراق القابلة للتداول وغير القابلة للتداول، إضافة إلى التمييز بين الدين الذي يحمله الجمهور والدين الحكومي الداخلي.

هل أمريكا عاجزة عن سداد ديونها؟

الإجابة المختصرة: لا.. بل إن الحديث عن إفلاس الولايات المتحدة بسبب تجاوز الدين 40 تريليون دولار سيكون مضللاً إذا لم يؤخذ في الاعتبار وضع الاقتصاد الأمريكي وطبيعة النظام النقدي العالمي.

الولايات المتحدة تمتلك أكبر اقتصاد عالمي، وتجمع الإيرادات الضريبية، وتمتلك قاعدة اقتصادية ومالية هائلة، كما أن ديونها مقومة بالدولار، وهي العملة الاحتياطية الرئيسية في العالم.

والأهم أن سندات الخزانة الأمريكية تمثل أحد أكبر وأعمق أسواق الأصول الآمنة والسيولة في العالم.

ولهذا خلص صندوق النقد الدولي في تقييمه لعام 2026 إلى أن مخاطر تعرض الولايات المتحدة لضغوط سيادية حادة ما زالت منخفضة، مستنداً إلى عمق وسيولة سوق سندات الخزانة، وحجم الاقتصاد الأمريكي، ومكانة الدولار كعملة احتياطية عالمية. لكنه في الوقت نفسه حذر من أن المسار المتصاعد للدين وارتفاع الاعتماد على الديون قصيرة الأجل يمثلان خطراً متزايداً على الاستقرار المالي الأمريكي والعالمي.

وهذا يعني أن المشكلة الأمريكية ليست في القدرة الفورية على دفع الديون، وإنما في استدامة المسار المالي.

أين تكمن المشكلة الحقيقية؟

المشكلة تبدأ عندما يصبح الاقتصاد مطالباً باقتراض المزيد ليس فقط لتمويل الاستثمارات أو مواجهة أزمة مؤقتة، وإنما لتمويل عجز متكرر، ثم دفع فوائد متزايدة على الديون السابقة.

ووفق بيانات الخزانة، ارتفع الدين المحتفظ به من الجمهور بنحو 2 تريليون دولار خلال السنة المالية 2025 وحدها. وفي العام نفسه، أصدرت الحكومة ديوناً جديدة بقيمة 30.7 تريليون دولار وسددت 28.8 تريليون دولار من الديون المستحقة، وهو ما يوضح ضخامة عملية إعادة التمويل السنوية.

بمعنى آخر، الرقم الإجمالي للدين لا يعكس فقط «ديوناً جديدة»؛ إذ يجري باستمرار استحقاق سندات قديمة وإصدار سندات جديدة لتحل محلها.

وهنا تصبح أسعار الفائدة متغيراً بالغ الحساسية.

فإذا ارتفعت عوائد سندات الخزانة، فإن تكلفة إعادة تمويل الديون التي تستحق آجالها ترتفع تدريجياً، ومع ضخامة قاعدة الدين يمكن حتى لزيادة محدودة في متوسط تكلفة الاقتراض أن تتحول إلى مليارات الدولارات الإضافية من مدفوعات الفائدة سنوياً.

هل تستطيع أمريكا ببساطة طباعة الدولار لسداد الديون؟

نظرياً تستطيع الولايات المتحدة خلق مزيد من الدولارات، لكن عملياً لا يمكن اعتبار «طباعة الدولار» حلاً مجانياً للدين.

وهنا يجب التفريق بين الحكومة والاحتياطي الفيدرالي.

وزارة الخزانة هي التي تصدر سندات الدين لتمويل عجز الحكومة، بينما الاحتياطي الفيدرالي يدير السياسة النقدية ويصدر العملة والاحتياطيات المصرفية.

إذا قامت الحكومة بتمويل إنفاقها بصورة مباشرة أو غير مباشرة عبر خلق نقود ضخمة، فإن كمية الأموال في الاقتصاد يمكن أن ترتفع بصورة أسرع بكثير من قدرة الاقتصاد على إنتاج السلع والخدمات.

والنتيجة المحتملة هي ارتفاع التضخم وتراجع القوة الشرائية للدولار.

فبدلاً من أن تدفع الحكومة كامل تكلفة الدين من خلال التخلف عن السداد، يمكن أن تتحمل الأسر والشركات والمستثمرون جزءاً من التكلفة عبر التضخم وانخفاض القيمة الحقيقية للعملة.

لكن هناك نقطة أكثر أهمية: الولايات المتحدة لا تستطيع ببساطة أن تطبع 40 تريليون دولار وتلغي الدين.

فالدين عبارة عن التزام مالي لدى حاملي سندات الخزانة. وإذا قامت واشنطن بتسييل الدين على نطاق هائل، فإنها قد تقوض الثقة في الدولار وسندات الخزانة، وترفع التضخم والعوائد، وربما تجعل تكلفة الاقتراض أعلى بدلاً من خفضها.

كما أن الاحتياطي الفيدرالي مستقل في اتخاذ قرارات السياسة النقدية، وليس مجرد آلة لتمويل الحكومة.

ماذا يحدث لو لجأت واشنطن إلى طباعة الأموال؟

هناك حلقات عدة محتملة: أولاً زيادة المعروض النقدي ما يخلق ضغوطاً تضخمية وارتفاع توقعات التضخم وارتفاع عوائد السندات وارتفاع تكلفة الاقتراض وتراجع القوة الشرائية للدولار.

وفي السيناريو الأكثر حدة، قد يبدأ المستثمرون الأجانب في المطالبة بعائد أعلى للاحتفاظ بالسندات الأمريكية، أو تقليل انكشافهم على الأصول المقومة بالدولار.

وهذا من شأنه أن يقلب ميزة الدولار من مصدر قوة إلى مصدر ضغط.

لكن الولايات المتحدة تتمتع بميزة لا تتوافر لمعظم الدول الأخرى: الطلب العالمي المستمر على الدولار وسندات الخزانة.

فبيانات صندوق النقد الدولي للربع الأول من 2026 تظهر أن الدولار ظل يشكل نحو 57.13% من الاحتياطيات الرسمية العالمية من النقد الأجنبي.

وهذا الطلب العالمي يمنح الولايات المتحدة مساحة مالية ونقدية أكبر من معظم الاقتصادات الأخرى.

هل يمكن أن تتخلف أمريكا عن السداد؟

التخلف عن السداد الفني ممكن نظرياً، لكنه يختلف تماماً عن عدم قدرة الدولة الاقتصادية على السداد.

فالولايات المتحدة قد تدخل في أزمة سداد إذا فشل الكونغرس في السماح للحكومة باقتراض الأموال اللازمة للوفاء بالتزامات قائمة، رغم امتلاك الحكومة موارد اقتصادية ومالية كبيرة.

ولهذا فإن سقف الدين الأمريكي يمثل خطراً سياسياً ومالياً مختلفاً عن مشكلة استدامة الدين.

وفي حال حدوث تعثر فعلي في سداد سندات الخزانة، حتى ولو كان مؤقتاً، فإن التداعيات قد تكون واسعة جداً، لأن سندات الخزانة تستخدم كضمان أساسي في النظام المالي العالمي، وتدخل في عمليات التمويل وإدارة السيولة وتسعير الأصول.

هل العالم مقبل على أزمة مالية بسبب الديون الأمريكية؟

ليس بالضرورة، لكن المخاطر تتزايد، وهنا يجب التفريق بين ثلاثة سيناريوهات:

السيناريو الأول: استمرار الوضع الحالي

تواصل الولايات المتحدة تسجيل عجز مالي مرتفع، وتصدر الخزانة مزيداً من السندات، بينما يستمر المستثمرون في شراء الدين الأمريكي.

في هذه الحالة لا تقع أزمة مفاجئة، لكن الدين يواصل الارتفاع، وترتفع مدفوعات الفائدة تدريجياً، وقد تصبح السياسة المالية أكثر تقييداً.

وهذا هو السيناريو الأقرب إلى الوضع الحالي.

السيناريو الثاني: ارتفاع حاد في عوائد الخزانة

إذا تراجع الطلب على سندات الخزانة أو ارتفعت علاوة المخاطر المطلوبة من المستثمرين، يمكن أن ترتفع العوائد طويلة الأجل.

وهذا لا يضغط على واشنطن وحدها. فعوائد سندات الخزانة الأمريكية تمثل مرجعاً لتسعير عدد هائل من الأصول والقروض حول العالم. وكلما ارتفعت العوائد الأمريكية، ارتفعت الضغوط على تكاليف الاقتراض في اقتصادات أخرى.

ويحذر صندوق النقد الدولي من أن ارتفاع المعروض من سندات الخزانة الأمريكية يمكن أن يقلص «علاوة الأمان» التي كانت تتمتع بها هذه السندات، بما يرفع تكاليف الاقتراض عالمياً، مع انتقال ارتفاع العوائد الأمريكية إلى أسواق السندات الأجنبية.

السيناريو الثالث: أزمة ثقة

وهو السيناريو الأخطر. إذا بدأ المستثمرون في الاعتقاد بأن الدين الأمريكي يسير في مسار غير قابل للاستدامة، فقد يطالبون بعوائد أعلى بصورة سريعة.

ارتفاع العوائد يعني انخفاض أسعار السندات القائمة، وقد يسبب خسائر للمؤسسات المالية وصناديق الاستثمار وشركات التأمين والبنوك.

ثم تنتقل الضغوط إلى الأسهم والعملات والائتمان والأسواق الناشئة. في هذه الحالة قد تتحول أزمة ديون أمريكية إلى أزمة سيولة عالمية.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/08/20 الساعة 15:36