زيارة الملك إلى الصين في ضوء مقاربة الواقعية العقلانية

الدكتورة صفاء منذر الصمادي
مدار الساعة ـ نشر في 2026/08/19 الساعة 17:55
لطالما اتسمت السياسة الخارجية الأردنية منذ تأسيس الدولة بالتوازن والانفتاح الإيجابي في إدارة علاقاتها مع مختلف الدول من أقصى الشرق إلى الغرب. وقد أتاح هذا التوجه للمملكة الحفاظ على أمنها واستقرارها ومواصلة نموها وازدهارها، رغم ما شهدته المنطقة من أزمات واضطرابات متتالية مستندة إلى رؤية مستنيرة لاستبصار المشهدين الإقليمي والدولي وتغليب المصلحة الوطنية على ما سواها.

وتأتي زيارة جلالة الملك عبدالله الثاني إلى الصين لتجسد جانبًا من هذا النهج إذ تعكس أولوية المصلحة الوطنية في توجيه السياسة الخارجية الأردنية من خلال تعزيز الشراكات الاستراتيجية وتوسيع آفاق التعاون الاقتصادي والتجاري، كما تبرز أهمية الموقع الجيوسياسي للمملكة بوصفه عنصرًا يمكن توظيفه في دعم مكانتها كمركز للتصنيع والتصدير وممر حيوي للتجارة يربط المنطقة العربية بالأسواق الدولية.

ولا تنفصل هذه المقاربة عن رؤية أوسع في إدارة العلاقات الخارجية تقوم على تقاطع المصالح الاقتصادية مع الاعتبارات السياسية والأمنية، فالتعاون وتبادل المنافع يمنحان الدولة فرصًا إضافية لتنويع خياراتها بما يخدم مصالحها الوطنية، وهو ما يفسر حرص الأردن على بناء علاقات متوازنة مع الأشقاء والأصدقاء والحلفاء ضمن مسار يمنحه مساحة أوسع للحركة في محيط إقليمي ودولي متغير.

وفي هذا الإطار يبرز الحوار والتواصل كأدوات أساسية في السياسة الخارجية الأردنية، فبدلًا من الانخراط في منطق التناحر والصراع يسعى الأردن بقيادته الفذّة إلى فتح آفاق للتفاهم والتوافق وتحقيق المصالح المشتركة انطلاقًا من إدراك حجم التبعات السلبية الناتجة عن الصراعات المعقدة والممتدة_بلا جدوى_والتي تتجاوز أطرافها وتمس أمن المنطقة واستقرارها.

بناء على ما سبق يمكن طرح الواقعية العقلانية بوصفها مقاربة تفسيرية لقراءة وفهم السلوك الأردني على مسرح العلاقات الدولية، إذ تراعي الدولة معيارًا متوازنًا يجمع بين مقتضيات القوة والأمن من جهة، وأهمية الشراكات الاقتصادية والتعاون التجاري من جهة أُخرى، لتحقيق أكبر قدر من المكاسب بأقل كلفة ممكنة، مما يعزز تفعيل الدور الأردني إقليميًا ودولياً ويوسع هامش حركته الاستراتيجية في ظل ما يواجه النظام العالمي من تحديات وتحولات متسارعة.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/08/19 الساعة 17:55