المشهد السياسي الأردني أمام اختبار مهم.. الأحزاب الأردنية
مدار الساعة ـ نشر في 2026/08/19 الساعة 09:35
يقف المشهد السياسي الأردني أمام اختبار مهم في مسار التحديث السياسي. فمن جهة، تتقدم رؤية ملكية طموحة تسعى إلى بناء حياة سياسية أكثر فاعلية، يكون للأحزاب البرامجية فيها دور أساسي في تشكيل الحكومات والعمل البرلماني. ومن جهة أخرى، تكشف الممارسة عن تجربة حزبية ما تزال في طور التشكّل، وتواجه تحديات في التنظيم والأداء والبرامج والقدرة على الوصول إلى المواطنين.
ومن هنا يبرز السؤال: هل تتمكن الأحزاب من تجاوز إرث التجارب السابقة وبناء نموذج أكثر نضجاً وفاعلية، أم أن الممارسة ستعيد إنتاج أوجه القصور ذاتها بأدوات جديدة؟
تظهر قراءة الواقع أن غالبية الأحزاب لم تصل بعد إلى مستوى الحضور السياسي القادر على ترجمة تطلعات المواطنين إلى برامج وسياسات عامة. ولا يرتبط ذلك بعامل واحد، بل بجملة من الاختلالات.
أولها الفجوة بين الفكر والواقع، فما تزال بعض الأحزاب تنطلق من أطر فكرية جاهزة وتحاول إسقاطها على المجتمع، بدلاً من الانطلاق من مشكلاته واحتياجاته. وعندما يصبح الفكر منفصلاً عن الواقع، تتحول السياسة إلى خطاب لا يلامس حياة الناس.
وثانيها محدودية الديمقراطية الداخلية، حيث تتركز صناعة القرار أحياناً في نطاق قيادي ضيق، بما يضعف المشاركة والمساءلة ويحد من قدرة القواعد الحزبية على التأثير. فالحزب الذي يريد ممارسة الديمقراطية في الدولة، عليه أن يجعلها ممارسة حقيقية داخله أولاً.
وثالثها ضعف المحتوى البرامجي. فالمواطن لا يحتاج إلى شعارات عامة، بل إلى إجابات واضحة عن التعليم والصحة والعمل والاقتصاد والخدمات. والحزب البرامجي لا يُقاس بما يرفع من شعارات، وإنما بقدرته على تشخيص المشكلة، وتقديم بدائل قابلة للتطبيق، وتحمل المسؤولية عن نتائجها.
ويضاف إلى ذلك الابتعاد عن القواعد الشعبية. فالحزب الذي لا يظهر في حياة المواطنين إلا في موسم الانتخابات، يصعب عليه بناء ثقة مستدامة أو فهم التحولات الاجتماعية. والعمل الحزبي الحقيقي يبدأ قبل الانتخابات ويستمر بعدها، بالاستماع والمشاركة وتحويل المطالب العامة إلى سياسات.
وفي تقييم التجربة الأردنية، تبدو قراءتان: إحداهما متشائمة ترى أن التغيير لا يتجاوز الشكل، وأخرى أكثر توازناً ترى أن حداثة التجربة تجعل بعض التعثر أمراً طبيعياً، وأن بناء أحزاب قادرة على المنافسة وإنتاج القيادات والسياسات يحتاج إلى وقت وتراكم وخبرة.
لكن حداثة التجربة لا ينبغي أن تتحول إلى ذريعة للقصور؛ فالتدرج لا يعني غياب المساءلة، والنضج لا يتحقق من دون نقد وتصحيح مستمرين. ولذلك، فإن تطوير التجربة يتطلب إصلاحاً متزامناً على أربعة مستويات:
أولاً: التنظيم والديمقراطية الداخلية. بناء مؤسسات حزبية أكثر شفافية، وتوسيع المشاركة في صناعة القرار، وتفعيل المساءلة والتداول القيادي على أساس الكفاءة والانتخاب.
ثانياً: التمويل والاستقلالية. لا يمكن لحزب أن يكون فاعلاً ومستقلاً من دون موارد تمكنه من بناء جهاز تنظيمي، وتوظيف الكفاءات، وإجراء الدراسات، وإعداد الكوادر، والتواصل المستمر مع المجتمع. وبقاء آليات التمويل محدودة أو غير كافية قد يجعل الأحزاب أكثر عرضة للارتهان لمن يملك المال، بما يهدد استقلال قرارها السياسي ويحولها إلى تعبير عن مصالح الممولين بدلاً من إرادة المواطنين. لذلك، فإن المطلوب ليس تمويلاً حزبياً بلا ضوابط، وإنما نظام تمويل عادل وشفاف ومستقل يتيح للأحزاب بناء مؤسساتها ويمنع في الوقت نفسه خضوع قرارها السياسي للأفراد أو أصحاب المصالح.
ثالثاً: البرامج والسياسات. الانتقال من الخطاب العام إلى برامج محددة تستند إلى البحث والبيانات، وتقدم حلولاً قابلة للقياس والتقييم. فالحزب الجاد لا يكتفي بتحديد المشكلة، بل يقدم بديلاً واضحاً ومستعداً لتحمل مسؤوليته.
رابعاً: الحضور المجتمعي. لا يمكن بناء أحزاب مؤثرة من دون وجود دائم بين الناس، والاستماع إلى مشكلاتهم، والحضور في المحافظات والمجتمعات المحلية، وتحويل المطالب اليومية إلى سياسات عامة.
وفي المقابل، لا يمكن تحميل الأحزاب وحدها مسؤولية نجاح التحديث. فالدولة مطالبة بتوفير بيئة سياسية وتشريعية عادلة تحمي التعددية وتتيح المنافسة وتضمن استقرار القواعد الناظمة للعمل الحزبي، فيما يظل للإعلام والمجتمع المدني دور أساسي في المتابعة والمساءلة.
ان التحديث السياسي ليس قوانين تُقر وتنتهي، وإنما ممارسة تتراكم وتُختبر نتائجها على أرض الواقع. ولا يكفي أن تتغير النصوص إذا بقيت الثقافة السياسية وأساليب العمل على حالها، وفي هذه المرحلة، لا يفيد الحكم على التجربة بالفشل قبل أن تنضج، كما لا يفيد تحصينها ضد النقد بحجة حداثتها. المطلوب نقد جاد، ومساءلة حقيقية، وإرادة قادرة على تصحيح المسار.
فالأحزاب لا تُقاس بعددها أو بعدد المقاعد التي تحصل عليها، وإنما بقدرتها على إنتاج السياسات والقيادات، وتجديد أدواتها، والاقتراب من المواطنين، وتحويل مشكلاتهم إلى حلول.
وهنا يكمن الاختبار الحقيقي للتحديث السياسي الأردني: أن تنتقل الأحزاب من مرحلة التأسيس إلى مرحلة الفعل، ومن امتلاك النصوص إلى ممارسة السياسة، ومن الحديث عن المواطنين إلى العمل معهم ومن أجلهم.
وعندها فقط يصبح التحديث السياسي مشروعاً حياً، لا يكتفي بتغيير شكل الحياة البرلمانية، بل يفتح الطريق أمام حياة سياسية أكثر استقراراً وفاعلية، تستعيد فيها الأحزاب ثقة المواطن وتصبح شريكاً حقيقياً في صناعة القرار.
ومن هنا يبرز السؤال: هل تتمكن الأحزاب من تجاوز إرث التجارب السابقة وبناء نموذج أكثر نضجاً وفاعلية، أم أن الممارسة ستعيد إنتاج أوجه القصور ذاتها بأدوات جديدة؟
تظهر قراءة الواقع أن غالبية الأحزاب لم تصل بعد إلى مستوى الحضور السياسي القادر على ترجمة تطلعات المواطنين إلى برامج وسياسات عامة. ولا يرتبط ذلك بعامل واحد، بل بجملة من الاختلالات.
أولها الفجوة بين الفكر والواقع، فما تزال بعض الأحزاب تنطلق من أطر فكرية جاهزة وتحاول إسقاطها على المجتمع، بدلاً من الانطلاق من مشكلاته واحتياجاته. وعندما يصبح الفكر منفصلاً عن الواقع، تتحول السياسة إلى خطاب لا يلامس حياة الناس.
وثانيها محدودية الديمقراطية الداخلية، حيث تتركز صناعة القرار أحياناً في نطاق قيادي ضيق، بما يضعف المشاركة والمساءلة ويحد من قدرة القواعد الحزبية على التأثير. فالحزب الذي يريد ممارسة الديمقراطية في الدولة، عليه أن يجعلها ممارسة حقيقية داخله أولاً.
وثالثها ضعف المحتوى البرامجي. فالمواطن لا يحتاج إلى شعارات عامة، بل إلى إجابات واضحة عن التعليم والصحة والعمل والاقتصاد والخدمات. والحزب البرامجي لا يُقاس بما يرفع من شعارات، وإنما بقدرته على تشخيص المشكلة، وتقديم بدائل قابلة للتطبيق، وتحمل المسؤولية عن نتائجها.
ويضاف إلى ذلك الابتعاد عن القواعد الشعبية. فالحزب الذي لا يظهر في حياة المواطنين إلا في موسم الانتخابات، يصعب عليه بناء ثقة مستدامة أو فهم التحولات الاجتماعية. والعمل الحزبي الحقيقي يبدأ قبل الانتخابات ويستمر بعدها، بالاستماع والمشاركة وتحويل المطالب العامة إلى سياسات.
وفي تقييم التجربة الأردنية، تبدو قراءتان: إحداهما متشائمة ترى أن التغيير لا يتجاوز الشكل، وأخرى أكثر توازناً ترى أن حداثة التجربة تجعل بعض التعثر أمراً طبيعياً، وأن بناء أحزاب قادرة على المنافسة وإنتاج القيادات والسياسات يحتاج إلى وقت وتراكم وخبرة.
لكن حداثة التجربة لا ينبغي أن تتحول إلى ذريعة للقصور؛ فالتدرج لا يعني غياب المساءلة، والنضج لا يتحقق من دون نقد وتصحيح مستمرين. ولذلك، فإن تطوير التجربة يتطلب إصلاحاً متزامناً على أربعة مستويات:
أولاً: التنظيم والديمقراطية الداخلية. بناء مؤسسات حزبية أكثر شفافية، وتوسيع المشاركة في صناعة القرار، وتفعيل المساءلة والتداول القيادي على أساس الكفاءة والانتخاب.
ثانياً: التمويل والاستقلالية. لا يمكن لحزب أن يكون فاعلاً ومستقلاً من دون موارد تمكنه من بناء جهاز تنظيمي، وتوظيف الكفاءات، وإجراء الدراسات، وإعداد الكوادر، والتواصل المستمر مع المجتمع. وبقاء آليات التمويل محدودة أو غير كافية قد يجعل الأحزاب أكثر عرضة للارتهان لمن يملك المال، بما يهدد استقلال قرارها السياسي ويحولها إلى تعبير عن مصالح الممولين بدلاً من إرادة المواطنين. لذلك، فإن المطلوب ليس تمويلاً حزبياً بلا ضوابط، وإنما نظام تمويل عادل وشفاف ومستقل يتيح للأحزاب بناء مؤسساتها ويمنع في الوقت نفسه خضوع قرارها السياسي للأفراد أو أصحاب المصالح.
ثالثاً: البرامج والسياسات. الانتقال من الخطاب العام إلى برامج محددة تستند إلى البحث والبيانات، وتقدم حلولاً قابلة للقياس والتقييم. فالحزب الجاد لا يكتفي بتحديد المشكلة، بل يقدم بديلاً واضحاً ومستعداً لتحمل مسؤوليته.
رابعاً: الحضور المجتمعي. لا يمكن بناء أحزاب مؤثرة من دون وجود دائم بين الناس، والاستماع إلى مشكلاتهم، والحضور في المحافظات والمجتمعات المحلية، وتحويل المطالب اليومية إلى سياسات عامة.
وفي المقابل، لا يمكن تحميل الأحزاب وحدها مسؤولية نجاح التحديث. فالدولة مطالبة بتوفير بيئة سياسية وتشريعية عادلة تحمي التعددية وتتيح المنافسة وتضمن استقرار القواعد الناظمة للعمل الحزبي، فيما يظل للإعلام والمجتمع المدني دور أساسي في المتابعة والمساءلة.
ان التحديث السياسي ليس قوانين تُقر وتنتهي، وإنما ممارسة تتراكم وتُختبر نتائجها على أرض الواقع. ولا يكفي أن تتغير النصوص إذا بقيت الثقافة السياسية وأساليب العمل على حالها، وفي هذه المرحلة، لا يفيد الحكم على التجربة بالفشل قبل أن تنضج، كما لا يفيد تحصينها ضد النقد بحجة حداثتها. المطلوب نقد جاد، ومساءلة حقيقية، وإرادة قادرة على تصحيح المسار.
فالأحزاب لا تُقاس بعددها أو بعدد المقاعد التي تحصل عليها، وإنما بقدرتها على إنتاج السياسات والقيادات، وتجديد أدواتها، والاقتراب من المواطنين، وتحويل مشكلاتهم إلى حلول.
وهنا يكمن الاختبار الحقيقي للتحديث السياسي الأردني: أن تنتقل الأحزاب من مرحلة التأسيس إلى مرحلة الفعل، ومن امتلاك النصوص إلى ممارسة السياسة، ومن الحديث عن المواطنين إلى العمل معهم ومن أجلهم.
وعندها فقط يصبح التحديث السياسي مشروعاً حياً، لا يكتفي بتغيير شكل الحياة البرلمانية، بل يفتح الطريق أمام حياة سياسية أكثر استقراراً وفاعلية، تستعيد فيها الأحزاب ثقة المواطن وتصبح شريكاً حقيقياً في صناعة القرار.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/08/19 الساعة 09:35