من مشكلة أكاديمية إلى ثورة تقنية.. قصة ظهور برنامج فوتوشوب

مدار الساعة ـ نشر في 2026/08/16 الساعة 15:06
مدار الساعة -لم يكن «فوتوشوب» في الأصل مشروعا طموحا يهدف إلى تغيير عالم التصوير والتصميم، بل بدأ من مشكلة تقنية صغيرة واجهها طالب دراسات عليا في أواخر ثمانينيات القرن الماضي. ومن تلك المشكلة، وبفضل فضول شقيقه وتدخله في المشروع، بدأت رحلة برنامج أصبح أحد أشهر الأسماء في تاريخ البرمجيات.

في عام 1987، كان توماس نول طالب دراسات عليا يعمل على أبحاثه في مجال رؤية الحاسوب، ويستخدم جهاز ماكنتوش لم يكن قادرا على عرض الصور بالطريقة التي يحتاج إليها في دراسته. فقد كانت شاشته تعرض الصور بالأبيض والأسود، ما جعل التفاصيل والاختلافات الدقيقة في درجات الإضاءة داخل الصورة صعبة التمييز. وللتغلب على هذه المشكلة، بدأ نول بكتابة برنامج يعالج الصور رقميًا، ويحوّل بيانات البكسلات إلى درجات متعددة من الرمادي، بحيث تصبح الصور أكثر وضوحا ويمكنه تحليل تفاصيلها بشكل أفضل. لم يكن هدفه آنذاك ابتكار برنامج لتحرير الصور أو إنشاء أداة يستخدمها المصورون والمصممون، بل كان يبحث عن حل عملي لمشكلة واجهته أثناء أبحاثه الجامعية. ومع ذلك، أصبحت هذه المحاولة الصغيرة لاحقًا النواة الأولى للبرنامج الذي سيعرف باسم «فوتوشوب».

وأمام هذه المشكلة، لم يكن نول يبحث عن برنامج احترافي لتحرير الصور، بل كان يحتاج ببساطة إلى أداة تساعده على معالجة الصور وتحسين طريقة عرضها على شاشة جهازه، لذلك بدأ بكتابة سلسلة من البرامج التي تتعامل مع وحدات البكسل وتحوّل المعلومات الموجودة في الصور إلى درجات مختلفة من الرمادي، لتصبح الصورة أكثر وضوحا وقابلية للتحليل. ومن هذه المحاولة الصغيرة، التي كانت في الأصل جزءًا من عمله الأكاديمي، بدأت الخطوات الأولى التي ستقود لاحقًا إلى ظهور «فوتوشوب».

أطلق نول على البرنامج اسم «دسبلاي»، ولم يكن في ذلك الوقت يفكر في إنشاء برنامج احترافي للمصورين أو المصممين. كانت فكرته أبسط بكثير؛ تطوير أدوات تساعده في عمله الأكاديمي وتسمح له بالتعامل مع الصور على جهاز الكمبيوتر.

لكن المشروع تغير عندما دخل شقيقه جون نول على الخط. كان جون يعمل في مجال المؤثرات البصرية لدى شركة Industrial Light & Magic، وكانت لديه خبرة مختلفة تمامًا في التعامل مع الصور، خصوصًا مع التطور المبكر لتقنيات المعالجة الرقمية المستخدمة في صناعة الأفلام.

أدرك جون أن الأدوات التي طورها شقيقه يمكن أن تكون أكثر من مجرد برامج بحثية. بدأ يستخدمها في التعامل مع الصور، لكنه واجه مشكلة عملية: الأدوات كانت موزعة على برامج منفصلة، ما جعل العمل بينها مرهقًا. لذلك اقترح على توماس دمجها في تطبيق واحد حتى يتمكن من التعامل مع الصور من مكان واحد.

استجاب توماس للفكرة، وكانت هذه الخطوة نقطة تحول حقيقية. فبدلًا من مجموعة صغيرة من الأدوات المخصصة للبحث، بدأ البرنامج يتحول تدريجيًا إلى نظام متكامل لمعالجة الصور، مع إضافة المزيد من الوظائف والقدرات.

من غرفة تحميض الصور إلى شاشة الكمبيوتر

جاءت إحدى الأفكار المهمة من عالم التصوير التقليدي. فقد كان جون معتادًا على العمل بالصور والأفلام، بينما كان توماس يواجه مشكلة تتعلق باختلاف طريقة ظهور الصور على شاشات الكمبيوتر.

قاد ذلك توماس إلى تطوير أدوات تسمح بتعديل خصائص الصورة، مثل السطوع والتباين، مستفيدًا من أفكار مستوحاة من عمليات تحميض الصور التقليدية. ومن بين الميزات التي ظهرت في هذه المرحلة أداة «المستويات»، التي أصبحت لاحقًا من الأدوات المعروفة في البرنامج.

وروى توماس نول لاحقًا تفاصيل هذه المرحلة والقرارات التي اتخذها خلال تطوير البرنامج في مقابلة أجرتها معه شركة «أدوبي» عام 2015.

ومع تزايد إمكانات التطبيق، بدأ الأخوان يدركان أن المشروع قد يمتلك قيمة تجارية حقيقية. لكن تحويل الفكرة إلى منتج لم يكن سهلًا، فقد عرضا البرنامج على عدد من الشركات خلال أواخر الثمانينيات، ولم يكن الاهتمام به كبيرًا في البداية.

تغيرت القصة عندما عُرض البرنامج على أدوبي. أدركت الشركة إمكاناته، ورأت أنه يمكن أن ينسجم مع منتجاتها وتوجهها في مجال البرمجيات الإبداعية. وهكذا انتقل المشروع من تجربة يعمل عليها شقيقان إلى منتج تجاري حقيقي.

وفي 19 فبراير 1990، وصل الإصدار الأول من «أدوبي فوتوشوب» إلى الأسواق على أجهزة ماكنتوش، لكن البرنامج لم يكن آنذاك بالشكل الذي يعرفه المستخدمون اليوم.

كانت التكنولوجيا المحيطة به لا تزال محدودة؛ الكاميرات الرقمية لم تكن منتشرة، والطابعات القادرة على إنتاج صور بجودة عالية كانت مكلفة للغاية. ولهذا ركزت الاستخدامات الأولى للبرنامج بدرجة كبيرة على النشر والتصميم الجرافيكي.

التكنولوجيا صنعت نجاحه

مع انتشار الإنترنت في تسعينيات القرن الماضي، ظهرت حاجة متزايدة إلى معالجة الصور وضغطها وتجهيزها للعرض على صفحات الويب. ثم جاءت الطابعات النافثة للحبر، وبعدها الكاميرات الرقمية، لتزيل واحدة تلو الأخرى العقبات التي كانت تحد من استخدام معالجة الصور رقميًا.

لم يعد المصور بحاجة إلى الاعتماد على الفيلم ثم مسحه ضوئيًا في كل مرة؛ أصبح بإمكانه نقل الصور مباشرة إلى الكمبيوتر وتعديلها وطباعتها. وهنا وجد «فوتوشوب» البيئة المثالية للنمو والانتشار

برنامج «فوتوشوب» الذي أصبح مرادفا لتحرير الصور لم يبدأ من استوديو تصميم ضخم، ولا من شركة كانت تخطط لصناعة ثورة تقنية. لقد بدأ من طالب دراسات عليا يحاول حل مشكلة في عرض الصور على جهاز ماكنتوش، ثم جاء اقتراح من شقيقه ليغير اتجاه المشروع بالكامل.

وهكذا، تحولت مشكلة صغيرة وأدوات متفرقة وفضول شقيقين إلى برنامج غيّر الطريقة التي يتعامل بها العالم مع الصور، وأصبح اسم «فوتوشوب» جزءًا من اللغة اليومية نفسها عندما يتعلق الأمر بتعديل الصور ومعالجتها.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/08/16 الساعة 15:06