اللجنة الملكية لتحديث المنظومة السياسية قد أنجزت مهمتها.. فمن عطّل التنفيذ؟
مدار الساعة ـ نشر في 2026/08/16 الساعة 10:15
لم يكن مشروع التحديث السياسي الذي أطلقه الأردن مشروع حكومة بعينها، ولا برنامجًا مؤقتًا مرتبطًا بوزير أو مسؤول، وإنما كان مشروع دولة أراد له أن يمتد لسنوات، وتتراكم مراحله وصولًا إلى حياة حزبية أكثر نضجًا، وبرلمان أكثر قدرة على إنتاج الحكومات، ومشاركة سياسية تتجاوز الشكل إلى التأثير الحقيقي. ولذلك فإن تقييم أداء الحكومات المتعاقبة في تنفيذ مخرجات لجنة التحديث السياسي لا ينبغي أن يتحول إلى تصفية حسابات سياسية، بل إلى مراجعة ضرورية لمسار مشروع وطني يفترض أن تتشارك الحكومات في إنجازه.
المشكلة ليست أن الأردن لم يضع خططًا لتنفيذ المخرجات. فقد أنشأت الحكومة السابقة لجنة لمتابعة الخطط الحكومية، وعقدت لقاءات مع ضباط ارتباط من الوزارات والمؤسسات المعنية، وحددت الالتزامات والمهام. أي أن أدوات المتابعة كانت موجودة، والملف كان حاضرًا على طاولة الحكومة. لكن السؤال الذي يجب أن نطرحه اليوم هو: ماذا أنجزت هذه اللجنة بعد كل ذلك؟
المؤشرات التي ظهرت في تلك المرحلة لا تبعث على الاطمئنان؛ إذ بقيت الفجوة واسعة جدًا بين الالتزامات التي صاغتها الحكومة لنفسها وبين ما تحقق فعليًا. وهذا ليس مجرد تأخر طبيعي في مشروع طويل الأمد، بل مؤشر على خلل في القدرة على تحويل الإرادة السياسية إلى تنفيذ حكومي قابل للقياس.
وهنا تكمن المفارقة: حكومة تضع الخطط، وتحدد مسؤوليات الوزارات، وتشكل لجنة للمتابعة، ثم لا يتحول ذلك إلى تقدم ملموس. فهل كانت المشكلة في الخطط؟ أم في آليات التنفيذ؟ أم في غياب جهة تمتلك القدرة السياسية على مساءلة الوزارات عندما لا تنفذ ما التزمت به؟
هذه الأسئلة تكشف خللًا يتجاوز حكومة بعينها، لأن التحديث السياسي بطبيعته مشروع عابر للحكومات.
والدليل الأوضح هو التشريعات التي خرجت من هذا المسار. فقانون الانتخاب لم يُصمم ليعمل ضمن دورة حكومية واحدة، وإنما وضع انتقالًا تدريجيًا نحو حضور أكبر للقوائم الحزبية في مجلس النواب عبر مراحل انتخابية متتالية. وهذا يعني أن الحكومات المتعاقبة لا تبدأ المشروع من الصفر، وإنما تستلم مرحلة من مسار وطني طويل، يفترض أن تتراكم فيه الإنجازات ولا تتوقف بتغير الحكومات.
من هنا يصبح السؤال تجاه الحكومة الحالية مشروعًا وضروريًا: ماذا فعلت منذ تسلمها المسؤولية لإعادة تحريك ملف التحديث السياسي؟
ليس المطلوب إعادة تشكيل اللجان، ولا إعادة إنتاج الخطط السابقة، وإنما مراجعة ما تم استلامه بوضوح: ماذا أُنجز؟ ماذا تعثر؟ لماذا تعثر؟ وما الذي ستفعله الحكومة لاستعادة الزخم؟
فالحديث عن التحديث السياسي لا يمكن أن يبقى محصورًا في القوانين. التشريع يفتح الباب، لكن الممارسة هي التي تثبت نجاحه. وإذا كانت القوانين قد فتحت الطريق أمام الأحزاب، فإن مسؤولية الحكومة أن تهيئ مؤسسات الدولة للتعامل مع واقع سياسي جديد، وأن تنتقل من مرحلة التعامل مع الأحزاب كجهات خارجية إلى التعامل معها باعتبارها مكونًا أساسيًا في النظام السياسي المقبل.
وهنا تحديدًا يظهر الغياب الأكبر: الفجوة بين المخرجات والممارسة.
لدينا قانون أحزاب، وقانون انتخاب، وتجربة انتخابية جديدة جرت عام 2024، وأحزاب وصلت إلى مجلس النواب. لكن أين التحول في الممارسة الحكومية؟ أين الخطة التي توضح كيف ستتعامل الوزارات مع مرحلة الانتقال إلى العمل البرلماني الحزبي؟ وكيف ستقيس الحكومة أثر برامجها في المشاركة السياسية، خصوصًا بين الشباب؟
لا يكفي أن ننظم للشباب عشرات اللقاءات حول المشاركة السياسية، ثم نسأل لماذا لا ينخرطون في الأحزاب. ولا يكفي أن نطلب من الأحزاب أن تقدم برامج، بينما لا تتغير طريقة تعامل المؤسسات معها. كما لا يكفي أن نعلن نجاح التشريعات إذا بقي أثرها محدودًا في الحياة السياسية اليومية.
المشكلة إذن ليست أن الدولة لم تبدأ. الدولة بدأت، وأصدرت التشريعات، وأجرت الانتخابات، وأنشأت آليات للمتابعة. لكن ما ينقص هو الانتقال من بناء الأدوات إلى تشغيلها.
وهذا يتطلب عقلية حكومية مختلفة؛ عقلية لا تقيس النجاح بعدد الاجتماعات والخطط والأنشطة، وإنما بالأثر. هل ارتفعت المشاركة الحزبية؟ هل أصبح الشباب أكثر حضورًا في الحياة السياسية؟ هل بدأت مؤسسات الدولة تتهيأ فعليًا لحكومات حزبية؟ وهل يشعر المواطن أن مشاركته أصبحت أكثر تأثيرًا؟
ولذلك، فإن المطلوب اليوم ليس لجنة متابعة جديدة، وإنما تفعيل المتابعة وتحويلها من إجراء إداري إلى آلية سياسية للتنفيذ والمساءلة، تستطيع أن تحدد مواطن التعثر، وتحمل كل جهة مسؤوليتها، وترفع النتائج إلى مستوى القرار القادر على التصحيح.
كما أن من حق الأردنيين أن يعرفوا بصورة دورية أين وصل المشروع: ما الذي أنجز؟ وما الذي لم ينجز؟ ولماذا؟ وما هو الجدول الزمني لاستكماله؟
فالدفاع عن مشروع التحديث لا يكون بتجميل أوجه القصور، وإنما بكشفها ومعالجتها.
لقد دخل الأردن مرحلة سياسية جديدة، وكانت انتخابات 2024 محطة مهمة في هذا المسار. وكل مرحلة انتخابية قادمة ستختبر قدرة الدولة على الانتقال من النصوص إلى الممارسة. ولذلك فإن التأخر في بناء البيئة السياسية والمؤسسية سيصبح أكثر كلفة كلما تقدمنا في المسار.
التحديث السياسي مشروع دولة، وليس مشروع حكومة.
وتغيير الحكومة لا يعني إيقاف الساعة ثم إعادة تشغيلها من جديد. الحكومة الحالية لا ترث فقط إنجازات الحكومة السابقة، وإنما ترث أيضًا التزاماتها، وتعثراتها، والواجب السياسي في تصحيح المسار.
فالأردن لا يفتقر إلى الرؤية، ولا إلى التشريعات، ولا إلى الخطط. ما نحتاجه اليوم هو أن تتحول الإرادة السياسية إلى إرادة تنفيذية، وأن تتحول المتابعة من اجتماعات إلى مساءلة، والخطط من وثائق إلى نتائج، ومخرجات لجنة التحديث السياسي إلى ممارسة سياسية يشعر الأردنيون بأثرها في حياتهم العامة.
وإلا فإن الخطر لا يكمن في أن يفشل مشروع التحديث، بل في أن ينجح على الورق فقط.
المشكلة ليست أن الأردن لم يضع خططًا لتنفيذ المخرجات. فقد أنشأت الحكومة السابقة لجنة لمتابعة الخطط الحكومية، وعقدت لقاءات مع ضباط ارتباط من الوزارات والمؤسسات المعنية، وحددت الالتزامات والمهام. أي أن أدوات المتابعة كانت موجودة، والملف كان حاضرًا على طاولة الحكومة. لكن السؤال الذي يجب أن نطرحه اليوم هو: ماذا أنجزت هذه اللجنة بعد كل ذلك؟
المؤشرات التي ظهرت في تلك المرحلة لا تبعث على الاطمئنان؛ إذ بقيت الفجوة واسعة جدًا بين الالتزامات التي صاغتها الحكومة لنفسها وبين ما تحقق فعليًا. وهذا ليس مجرد تأخر طبيعي في مشروع طويل الأمد، بل مؤشر على خلل في القدرة على تحويل الإرادة السياسية إلى تنفيذ حكومي قابل للقياس.
وهنا تكمن المفارقة: حكومة تضع الخطط، وتحدد مسؤوليات الوزارات، وتشكل لجنة للمتابعة، ثم لا يتحول ذلك إلى تقدم ملموس. فهل كانت المشكلة في الخطط؟ أم في آليات التنفيذ؟ أم في غياب جهة تمتلك القدرة السياسية على مساءلة الوزارات عندما لا تنفذ ما التزمت به؟
هذه الأسئلة تكشف خللًا يتجاوز حكومة بعينها، لأن التحديث السياسي بطبيعته مشروع عابر للحكومات.
والدليل الأوضح هو التشريعات التي خرجت من هذا المسار. فقانون الانتخاب لم يُصمم ليعمل ضمن دورة حكومية واحدة، وإنما وضع انتقالًا تدريجيًا نحو حضور أكبر للقوائم الحزبية في مجلس النواب عبر مراحل انتخابية متتالية. وهذا يعني أن الحكومات المتعاقبة لا تبدأ المشروع من الصفر، وإنما تستلم مرحلة من مسار وطني طويل، يفترض أن تتراكم فيه الإنجازات ولا تتوقف بتغير الحكومات.
من هنا يصبح السؤال تجاه الحكومة الحالية مشروعًا وضروريًا: ماذا فعلت منذ تسلمها المسؤولية لإعادة تحريك ملف التحديث السياسي؟
ليس المطلوب إعادة تشكيل اللجان، ولا إعادة إنتاج الخطط السابقة، وإنما مراجعة ما تم استلامه بوضوح: ماذا أُنجز؟ ماذا تعثر؟ لماذا تعثر؟ وما الذي ستفعله الحكومة لاستعادة الزخم؟
فالحديث عن التحديث السياسي لا يمكن أن يبقى محصورًا في القوانين. التشريع يفتح الباب، لكن الممارسة هي التي تثبت نجاحه. وإذا كانت القوانين قد فتحت الطريق أمام الأحزاب، فإن مسؤولية الحكومة أن تهيئ مؤسسات الدولة للتعامل مع واقع سياسي جديد، وأن تنتقل من مرحلة التعامل مع الأحزاب كجهات خارجية إلى التعامل معها باعتبارها مكونًا أساسيًا في النظام السياسي المقبل.
وهنا تحديدًا يظهر الغياب الأكبر: الفجوة بين المخرجات والممارسة.
لدينا قانون أحزاب، وقانون انتخاب، وتجربة انتخابية جديدة جرت عام 2024، وأحزاب وصلت إلى مجلس النواب. لكن أين التحول في الممارسة الحكومية؟ أين الخطة التي توضح كيف ستتعامل الوزارات مع مرحلة الانتقال إلى العمل البرلماني الحزبي؟ وكيف ستقيس الحكومة أثر برامجها في المشاركة السياسية، خصوصًا بين الشباب؟
لا يكفي أن ننظم للشباب عشرات اللقاءات حول المشاركة السياسية، ثم نسأل لماذا لا ينخرطون في الأحزاب. ولا يكفي أن نطلب من الأحزاب أن تقدم برامج، بينما لا تتغير طريقة تعامل المؤسسات معها. كما لا يكفي أن نعلن نجاح التشريعات إذا بقي أثرها محدودًا في الحياة السياسية اليومية.
المشكلة إذن ليست أن الدولة لم تبدأ. الدولة بدأت، وأصدرت التشريعات، وأجرت الانتخابات، وأنشأت آليات للمتابعة. لكن ما ينقص هو الانتقال من بناء الأدوات إلى تشغيلها.
وهذا يتطلب عقلية حكومية مختلفة؛ عقلية لا تقيس النجاح بعدد الاجتماعات والخطط والأنشطة، وإنما بالأثر. هل ارتفعت المشاركة الحزبية؟ هل أصبح الشباب أكثر حضورًا في الحياة السياسية؟ هل بدأت مؤسسات الدولة تتهيأ فعليًا لحكومات حزبية؟ وهل يشعر المواطن أن مشاركته أصبحت أكثر تأثيرًا؟
ولذلك، فإن المطلوب اليوم ليس لجنة متابعة جديدة، وإنما تفعيل المتابعة وتحويلها من إجراء إداري إلى آلية سياسية للتنفيذ والمساءلة، تستطيع أن تحدد مواطن التعثر، وتحمل كل جهة مسؤوليتها، وترفع النتائج إلى مستوى القرار القادر على التصحيح.
كما أن من حق الأردنيين أن يعرفوا بصورة دورية أين وصل المشروع: ما الذي أنجز؟ وما الذي لم ينجز؟ ولماذا؟ وما هو الجدول الزمني لاستكماله؟
فالدفاع عن مشروع التحديث لا يكون بتجميل أوجه القصور، وإنما بكشفها ومعالجتها.
لقد دخل الأردن مرحلة سياسية جديدة، وكانت انتخابات 2024 محطة مهمة في هذا المسار. وكل مرحلة انتخابية قادمة ستختبر قدرة الدولة على الانتقال من النصوص إلى الممارسة. ولذلك فإن التأخر في بناء البيئة السياسية والمؤسسية سيصبح أكثر كلفة كلما تقدمنا في المسار.
التحديث السياسي مشروع دولة، وليس مشروع حكومة.
وتغيير الحكومة لا يعني إيقاف الساعة ثم إعادة تشغيلها من جديد. الحكومة الحالية لا ترث فقط إنجازات الحكومة السابقة، وإنما ترث أيضًا التزاماتها، وتعثراتها، والواجب السياسي في تصحيح المسار.
فالأردن لا يفتقر إلى الرؤية، ولا إلى التشريعات، ولا إلى الخطط. ما نحتاجه اليوم هو أن تتحول الإرادة السياسية إلى إرادة تنفيذية، وأن تتحول المتابعة من اجتماعات إلى مساءلة، والخطط من وثائق إلى نتائج، ومخرجات لجنة التحديث السياسي إلى ممارسة سياسية يشعر الأردنيون بأثرها في حياتهم العامة.
وإلا فإن الخطر لا يكمن في أن يفشل مشروع التحديث، بل في أن ينجح على الورق فقط.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/08/16 الساعة 10:15