اتفاق مكة وهندسة الغموض
مدار الساعة ـ نشر في 2026/08/15 الساعة 22:35
يوم السابع من أغسطس 2026، في قصر الصفا بمكة المكرمة، لم يوقّع الأمير محمد بن سلمان والرئيس أردوغان ورئيس الوزراء شهباز شريف وثيقة عسكرية عابرة، بل أعادوا طرح سؤال قديم بصياغة جديدة: هل يمكن لثلاث دول تنتمي إلى منظومات أمنية متباينة كليًا أن تصنع تحالف ردع حقيقيًا، أم أنها وقّعت على غموض استراتيجي يُشبه الردع أكثر مما يُطبّقه؟ فالسعودية مرتبطة بمظلة أمنية أمريكية ضمنية وتحالفات خليجية، وتركيا عضو في الناتو وملتزمة بالمادة الخامسة تجاه حلف مختلف تمامًا في هويته وجغرافيته، وباكستان قوة نووية محاصرة بين الهند والصين وأفغانستان، بعقيدة أمنية صيغت بمعزل عن الشرق الأوسط. ثلاث دول تدور حول ثلاثة مراكز جاذبية مختلفة، ومع ذلك اجتمعت على نص يقول إن أي هجوم على واحدة منها هو هجوم على الجميع. فالسؤال الأعمق ليس "هل سينجح هذا التحالف؟" بل: أي نوع من التحالفات هذا أصلًا؟ هل نحن أمام حلف بالمعنى الكلاسيكي، أم أمام شكل جديد كليًا من الهندسة الأمنية لم تألفه المنطقة من قبل؟
فالنموذج التقليدي لاي تحالف يقوم على افتراض ضمني: أن الأعضاء يواجهون تهديدًا مشتركًا واضح المعالم، وأن الالتزام التلقائي بالدفاع المتبادل هو الرادع الأقوى. لكن اتفاق مكة لم يُبنَ على هذا الافتراض؛ فتهديدات كل طرف مختلفة جوهريًا: الحوثيون وأمن البحر الأحمر ومضيق هرمز بالنسبة للرياض، إسرائيل وشرق المتوسط وملفات ليبيا والسودان والصومال بالنسبة لأنقرة، والهند وكشمير وأفغانستان بالنسبة لإسلام آباد. ولذلك جاء النص خاليًا عمدًا من آليات التفعيل التلقائي وهيكل قيادة موحد وجداول زمنية. وهذا ليس قصورًا في الصياغة بل جوهر التصميم نفسه: اتفاق مكة ليس حلفًا يُشغَّل آليًا كالمادة الخامسة في الناتو، بل "منظومة ردع بالغموض المحسوب"، حيث القوة لا تأتي من وضوح الالتزام بل من عدم يقين الخصم حيال حدوده. فلا يستطيع الخصم ان يفكر بالتصعيد المباشر أو عبر الوكلاء أين يمكن تبدأ الاستجابة الجماعية وأين تنتهي، وهذا الغموض بحد ذاته يرفع كلفة أي مغامرة.
والبعد الأكثر إثارة للجدل هو "الظل النووي الباكستاني"؛ فخلافًا للاتفاقية الثنائية السابقة بين الرياض وإسلام آباد المرتبطة ضمنيًا بالقدرة النووية، لم يتضمن نص مكة أي إشارة صريحة للسلاح النووي، لأن السعودية وتركيا، بوصفهما دولتين موقّعتين على معاهدة عدم الانتشار، لا يمكنهما قانونيًا القبول بمظلة نووية معلنة. لكن حقيقة أن باكستان قوة نووية تقف الآن داخل بنية دفاعية مع الرياض وأنقرة تُدخل، شاء الطرفان أم أبيا، عاملًا نوويًا في حسابات أي خصم، دون تعهد صريح. والفارق بين "المظلة النووية" و"الظل النووي" هو الفارق بين التزام معلن يحمل تبعات قانونية، وتأثير نفسي-استراتيجي يعمل في الخلفية دون أن يُذكر بالاسم؛ وهذا النموذج، إذا صمد، قد يصبح سابقة عالمية: كيف تستفيد دول غير نووية من قرب حليف نووي دون الدخول في التزامات الانتشار، عبر هندسة الغموض بدل هندسة الإعلان.
غير أن التحدي الأعمق هو "مشكلة العلاقات المتعددة والمتنافسة": كل طرف مرتبط بمنظومة أمنية أخرى قد تتعارض مع التزامات مكة. فتركيا عضو في الناتو، وأي تصعيد يضعها أمام موازنة حساسة بين حلفها الأطلسي والتزامها المكي. والسعودية تبقى شريكًا استراتيجيًا للولايات المتحدة، ولن تجعل من مكة بديلًا عن هذه الشراكة بل مكمّلًا يمنحها أوراق تفاوض إضافية أمام واشنطن. أما باكستان، فمصالحها الوجودية تبقى في جنوب آسيا، وأي جرّ لها إلى نزاع في الخليج سيصطدم بحسابات إسلام آباد الداخلية وعلاقتها المعقدة بالصين. فهذا التحالف ليس كتلة متجانسة بقدر ما هو تقاطع محسوب بين ثلاث دوائر أمنية أوسع، وقوته الحقيقية لن تُقاس بتطابق مصالح أعضائه، بل بقدرته على إدارة هذا التعدد دون أن ينفجر من الداخل، تمامًا كما لا تُقاس قوة الدولة بغياب الاختلاف فيها بل بقدرتها على إدارته دون أن يتحول إلى انقسام.
وهنا قد يبرز تصور استشرافي: فاتفاق مكة، في مساره الأرجح، لن يتطور إلى حلف عسكري صلب بقيادة موحدة وقوات مندمجة على طراز الناتو، لأن بنيته لا تحتمل ذلك، بل سيتطور نحو "منظومة ردع جيواستراتيجية مُقسّمة الوحدات"، حيث يتفعّل كل بُعد من التعاون بشكل منفصل بحسب الحاجة: تصنيع دفاعي هنا، تبادل استخباراتي هناك، تدريبات مشتركة في ملف، ورد سياسي موحد في آخر، دون التزام عسكري شامل بالضرورة. هذا النموذج سيمنح التحالف مرونة تفوق الأحلاف التقليدية، لكنه سيبقى عرضة لاختبار حقيقي واحد يحدد مصيره، فعندها فقط سيُعرف إن كان الغموض استراتيجية ردع ناجحة أم تأجيلًا لسؤال لم يُحسم بعد.
ويبقى السؤال ماذا عن مصر؟ وفي حال انضمام مصر كطرف رابع، وهو ما سيغيّر طبيعة التحالف جذريًا؛ فمصر لها ثقلها عبر التاريخ، وتمنح الحلف تحكمًا شبه كامل بالبحر الأحمر وقناة السويس، لكنها تحمل معها معاهدة السلام مع إسرائيل، ما يعني أن أي تحالف يضمها سيُضطر لإعادة صياغة عقيدته تجاه الملف الإسرائيلي بأكمله. وهذا يقودنا إلى تصور أعمق: أن الاتفاق من الممكن ان يتحول تدريجيًا إلى "نظام عضوية متدرجة"، تنضم إليه دول كإندونيسيا وماليزيا وبعض دول المنطقة وغيرها، وبمستويات التزام متفاوتة، أشبه بدوائر متحدة المركز حول نواة سعودية-تركية-باكستانية، لا حلفًا موحد الصفوف؛ فكل دولة لها حساباتها وثقلها الذي لا يمكن تجاوزه. هذا النموذج، إن تحقق، سيكون أقرب إلى "كومنولث أمني إسلامي" منه إلى حلف عسكري تقليدي، حيث الرابطة الجامعة ليست فقط المصلحة الاستراتيجية بل الثقل الرمزي والديني الذي يحمله اسم مكة، وهو ثقل لم يُستثمر بعد بالقدر الذي يستحقه.
أما إيران، التي التزمت صمتًا رسميًا حذرًا بينما وصف برلمانيوها الاتفاق بأنه ورقي، فتقرأ الموقف بمنطق مختلف عن الظاهر: فطهران لا تخشى غزوًا مباشرًا من تحالف يُصرّ على طابعه الدفاعي، بل تخشى أن يتحول إلى خط أحمر يقيّد تصعيدها عبر الوكلاء، وقد يكون هذا بالضبط الهدف غير المعلن للاتفاق. والردع الناجح لا يحتاج أن يُخاض عسكريًا ليكون فعالًا؛ يكفي أن يُغيّر حسابات الخصم في الظل.
أما تل أبيب، فتقرأ الاتفاق بقلق يفوق تصريحاتها الرسمية الحذرة؛ فالمشكلة من منظورها في وجود تركيا، التي تراها تهديدًا استراتيجيًا لا يقل خطورة عن إيران، لعضويتها في الناتو ولثقلها العسكري والصناعي المتصاعد، ولطموحها بتوسيع نفوذها في شرق المتوسط والخليج وتحدي إسرائيل سياسيًا وعسكريًا. فاجتماع الرياض وأنقرة تحت سقف دفاعي واحد، حتى لو لم يكن موجهًا صراحة ضدها، يُغيّر بيئتها الاستراتيجية بمجرد وجوده. وقد تسرّبت من أوساط إسرائيلية دعوات صريحة إلى بناء "محاور مضادة" ردًا على هذا التحالف، وهو ما يكشف أن إسرائيل لا تراه حدثًا عابرًا، بل إرهاصًا لإعادة تشكيل موازين القوى الجيوسياسية في مرحلة يتزايد فيها الشك بشأن استمرارية علاقاتها الأمريكية التقليدية. والمفارقة أن هذا القلق نفسه قد يتحول، إذا استمر، إلى عامل تماسك إضافي داخل التحالف؛ فالتهديد المتصوَّر من طرف خارجي كثيرًا ما يكون أقوى رابط لتحالفات وُلدت من مصالح متباينة أكثر مما توحّدها العقيدة.
وفي قلب هذه الخريطة المتحركة، يقف الأردن في موقع لا يشبه موقع أي طرف آخر؛ فهو ليس عضوًا في اتفاق مكة، لكنه يقع في نقطة التقاء كل الأقواس التي يعيد التحالف رسمها: عقدة جيواستراتيجية تصل القوس الخليجي بقوس المشرق العربي، وجسر بري بين الجزيرة العربية وبلاد الشام، ما يجعله بحكم الجغرافيا لاعبًا لا يمكن تجاوزه، حتى لو لم يُدرَج اسمه على وثيقة التوقيع. لكن الأردن يملك أيضًا ما لا تملكه أي دولة أخرى: الوصاية الهاشمية التاريخية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس، وهي شرعية دينية ورمزية متجذرة تمنحه حضورًا معنويًا في أي ترتيب أمني يمس القدس أو فلسطين، بصرف النظر عن حجمه العسكري مقارنة بأطراف التحالف. ومن هنا فإن أي تطور مستقبلي لاتفاق مكة نحو منظومة أمن إقليمي أوسع، وأي محاولة جادة لإدماج الملف الفلسطيني في معادلة الردع، لن يكتمل شرعية ولا فعالية من دون حضور أردني. فعمّان تملك من الثقة المتبادلة مع أطراف متعددة وقد تكون متناقضة، ما يؤهلها لتكون حلقة الوصل الهادئة التي يحتاجها أي تحالف يسعى للتحول من أداة ردع صرفة إلى منظومة أمن شاملة. فالعقدة الجيواستراتيجية لا تُقاس بموقعها على وثيقة التوقيع، بل بموقعها على الخريطة التي لا يمكن لأي تحالف إقليمي جاد أن يتجاوزها.
والخلاصة الاستشرافية تفرض نفسها: اتفاق مكة لن يُقاس مصيره بمعيار "هل سيصمد كحلف عسكري تقليدي؟" لأن هذا معيار لا ينتمي إليه أصلًا. مصيره سيُحسم بمعيار مختلف: هل ينجح في التحول من لحظة توقيع رمزية إلى بنية مؤسسية دائمة تصمد أمام أول أزمة تُجبر أطرافه على الاختيار بين التزاماتهم المتعددة؟ فإن نجح، فلن يكون فقط حلف ردع إقليميًا، بل نموذجًا جديدًا للأمن الجماعي في عالم متعدد الأقطاب، حيث لا تعود الدول مضطرة للاختيار بين معسكر وآخر، بل تبني شبكة تحالفات متقاطعة تحفظ لكل طرف استقلالية قراره وتمنحه عمقًا استراتيجيًا جماعيًا. وإن فشل، فلن يكون فشله انهيارًا مدويًا، بل تلاشيًا تدريجيًا صامتًا، أشبه بـ"تحالفات النوايا الطيبة" التي تُصفَّق لها يوم التوقيع ثم تُنسى عند أول اختبار جاد. وبين هذين المصيرين، تقف منطقة بأكملها تراقب: هل تعلمت دولها أخيرًا أن الأمن الحقيقي لا يُستورد ولا يُمنح، بل يُصنع من الداخل، بثقل من يعرف متى يتحرك وحده، ومتى يجعل من حوله يتحركون معه؟
فالنموذج التقليدي لاي تحالف يقوم على افتراض ضمني: أن الأعضاء يواجهون تهديدًا مشتركًا واضح المعالم، وأن الالتزام التلقائي بالدفاع المتبادل هو الرادع الأقوى. لكن اتفاق مكة لم يُبنَ على هذا الافتراض؛ فتهديدات كل طرف مختلفة جوهريًا: الحوثيون وأمن البحر الأحمر ومضيق هرمز بالنسبة للرياض، إسرائيل وشرق المتوسط وملفات ليبيا والسودان والصومال بالنسبة لأنقرة، والهند وكشمير وأفغانستان بالنسبة لإسلام آباد. ولذلك جاء النص خاليًا عمدًا من آليات التفعيل التلقائي وهيكل قيادة موحد وجداول زمنية. وهذا ليس قصورًا في الصياغة بل جوهر التصميم نفسه: اتفاق مكة ليس حلفًا يُشغَّل آليًا كالمادة الخامسة في الناتو، بل "منظومة ردع بالغموض المحسوب"، حيث القوة لا تأتي من وضوح الالتزام بل من عدم يقين الخصم حيال حدوده. فلا يستطيع الخصم ان يفكر بالتصعيد المباشر أو عبر الوكلاء أين يمكن تبدأ الاستجابة الجماعية وأين تنتهي، وهذا الغموض بحد ذاته يرفع كلفة أي مغامرة.
والبعد الأكثر إثارة للجدل هو "الظل النووي الباكستاني"؛ فخلافًا للاتفاقية الثنائية السابقة بين الرياض وإسلام آباد المرتبطة ضمنيًا بالقدرة النووية، لم يتضمن نص مكة أي إشارة صريحة للسلاح النووي، لأن السعودية وتركيا، بوصفهما دولتين موقّعتين على معاهدة عدم الانتشار، لا يمكنهما قانونيًا القبول بمظلة نووية معلنة. لكن حقيقة أن باكستان قوة نووية تقف الآن داخل بنية دفاعية مع الرياض وأنقرة تُدخل، شاء الطرفان أم أبيا، عاملًا نوويًا في حسابات أي خصم، دون تعهد صريح. والفارق بين "المظلة النووية" و"الظل النووي" هو الفارق بين التزام معلن يحمل تبعات قانونية، وتأثير نفسي-استراتيجي يعمل في الخلفية دون أن يُذكر بالاسم؛ وهذا النموذج، إذا صمد، قد يصبح سابقة عالمية: كيف تستفيد دول غير نووية من قرب حليف نووي دون الدخول في التزامات الانتشار، عبر هندسة الغموض بدل هندسة الإعلان.
غير أن التحدي الأعمق هو "مشكلة العلاقات المتعددة والمتنافسة": كل طرف مرتبط بمنظومة أمنية أخرى قد تتعارض مع التزامات مكة. فتركيا عضو في الناتو، وأي تصعيد يضعها أمام موازنة حساسة بين حلفها الأطلسي والتزامها المكي. والسعودية تبقى شريكًا استراتيجيًا للولايات المتحدة، ولن تجعل من مكة بديلًا عن هذه الشراكة بل مكمّلًا يمنحها أوراق تفاوض إضافية أمام واشنطن. أما باكستان، فمصالحها الوجودية تبقى في جنوب آسيا، وأي جرّ لها إلى نزاع في الخليج سيصطدم بحسابات إسلام آباد الداخلية وعلاقتها المعقدة بالصين. فهذا التحالف ليس كتلة متجانسة بقدر ما هو تقاطع محسوب بين ثلاث دوائر أمنية أوسع، وقوته الحقيقية لن تُقاس بتطابق مصالح أعضائه، بل بقدرته على إدارة هذا التعدد دون أن ينفجر من الداخل، تمامًا كما لا تُقاس قوة الدولة بغياب الاختلاف فيها بل بقدرتها على إدارته دون أن يتحول إلى انقسام.
وهنا قد يبرز تصور استشرافي: فاتفاق مكة، في مساره الأرجح، لن يتطور إلى حلف عسكري صلب بقيادة موحدة وقوات مندمجة على طراز الناتو، لأن بنيته لا تحتمل ذلك، بل سيتطور نحو "منظومة ردع جيواستراتيجية مُقسّمة الوحدات"، حيث يتفعّل كل بُعد من التعاون بشكل منفصل بحسب الحاجة: تصنيع دفاعي هنا، تبادل استخباراتي هناك، تدريبات مشتركة في ملف، ورد سياسي موحد في آخر، دون التزام عسكري شامل بالضرورة. هذا النموذج سيمنح التحالف مرونة تفوق الأحلاف التقليدية، لكنه سيبقى عرضة لاختبار حقيقي واحد يحدد مصيره، فعندها فقط سيُعرف إن كان الغموض استراتيجية ردع ناجحة أم تأجيلًا لسؤال لم يُحسم بعد.
ويبقى السؤال ماذا عن مصر؟ وفي حال انضمام مصر كطرف رابع، وهو ما سيغيّر طبيعة التحالف جذريًا؛ فمصر لها ثقلها عبر التاريخ، وتمنح الحلف تحكمًا شبه كامل بالبحر الأحمر وقناة السويس، لكنها تحمل معها معاهدة السلام مع إسرائيل، ما يعني أن أي تحالف يضمها سيُضطر لإعادة صياغة عقيدته تجاه الملف الإسرائيلي بأكمله. وهذا يقودنا إلى تصور أعمق: أن الاتفاق من الممكن ان يتحول تدريجيًا إلى "نظام عضوية متدرجة"، تنضم إليه دول كإندونيسيا وماليزيا وبعض دول المنطقة وغيرها، وبمستويات التزام متفاوتة، أشبه بدوائر متحدة المركز حول نواة سعودية-تركية-باكستانية، لا حلفًا موحد الصفوف؛ فكل دولة لها حساباتها وثقلها الذي لا يمكن تجاوزه. هذا النموذج، إن تحقق، سيكون أقرب إلى "كومنولث أمني إسلامي" منه إلى حلف عسكري تقليدي، حيث الرابطة الجامعة ليست فقط المصلحة الاستراتيجية بل الثقل الرمزي والديني الذي يحمله اسم مكة، وهو ثقل لم يُستثمر بعد بالقدر الذي يستحقه.
أما إيران، التي التزمت صمتًا رسميًا حذرًا بينما وصف برلمانيوها الاتفاق بأنه ورقي، فتقرأ الموقف بمنطق مختلف عن الظاهر: فطهران لا تخشى غزوًا مباشرًا من تحالف يُصرّ على طابعه الدفاعي، بل تخشى أن يتحول إلى خط أحمر يقيّد تصعيدها عبر الوكلاء، وقد يكون هذا بالضبط الهدف غير المعلن للاتفاق. والردع الناجح لا يحتاج أن يُخاض عسكريًا ليكون فعالًا؛ يكفي أن يُغيّر حسابات الخصم في الظل.
أما تل أبيب، فتقرأ الاتفاق بقلق يفوق تصريحاتها الرسمية الحذرة؛ فالمشكلة من منظورها في وجود تركيا، التي تراها تهديدًا استراتيجيًا لا يقل خطورة عن إيران، لعضويتها في الناتو ولثقلها العسكري والصناعي المتصاعد، ولطموحها بتوسيع نفوذها في شرق المتوسط والخليج وتحدي إسرائيل سياسيًا وعسكريًا. فاجتماع الرياض وأنقرة تحت سقف دفاعي واحد، حتى لو لم يكن موجهًا صراحة ضدها، يُغيّر بيئتها الاستراتيجية بمجرد وجوده. وقد تسرّبت من أوساط إسرائيلية دعوات صريحة إلى بناء "محاور مضادة" ردًا على هذا التحالف، وهو ما يكشف أن إسرائيل لا تراه حدثًا عابرًا، بل إرهاصًا لإعادة تشكيل موازين القوى الجيوسياسية في مرحلة يتزايد فيها الشك بشأن استمرارية علاقاتها الأمريكية التقليدية. والمفارقة أن هذا القلق نفسه قد يتحول، إذا استمر، إلى عامل تماسك إضافي داخل التحالف؛ فالتهديد المتصوَّر من طرف خارجي كثيرًا ما يكون أقوى رابط لتحالفات وُلدت من مصالح متباينة أكثر مما توحّدها العقيدة.
وفي قلب هذه الخريطة المتحركة، يقف الأردن في موقع لا يشبه موقع أي طرف آخر؛ فهو ليس عضوًا في اتفاق مكة، لكنه يقع في نقطة التقاء كل الأقواس التي يعيد التحالف رسمها: عقدة جيواستراتيجية تصل القوس الخليجي بقوس المشرق العربي، وجسر بري بين الجزيرة العربية وبلاد الشام، ما يجعله بحكم الجغرافيا لاعبًا لا يمكن تجاوزه، حتى لو لم يُدرَج اسمه على وثيقة التوقيع. لكن الأردن يملك أيضًا ما لا تملكه أي دولة أخرى: الوصاية الهاشمية التاريخية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس، وهي شرعية دينية ورمزية متجذرة تمنحه حضورًا معنويًا في أي ترتيب أمني يمس القدس أو فلسطين، بصرف النظر عن حجمه العسكري مقارنة بأطراف التحالف. ومن هنا فإن أي تطور مستقبلي لاتفاق مكة نحو منظومة أمن إقليمي أوسع، وأي محاولة جادة لإدماج الملف الفلسطيني في معادلة الردع، لن يكتمل شرعية ولا فعالية من دون حضور أردني. فعمّان تملك من الثقة المتبادلة مع أطراف متعددة وقد تكون متناقضة، ما يؤهلها لتكون حلقة الوصل الهادئة التي يحتاجها أي تحالف يسعى للتحول من أداة ردع صرفة إلى منظومة أمن شاملة. فالعقدة الجيواستراتيجية لا تُقاس بموقعها على وثيقة التوقيع، بل بموقعها على الخريطة التي لا يمكن لأي تحالف إقليمي جاد أن يتجاوزها.
والخلاصة الاستشرافية تفرض نفسها: اتفاق مكة لن يُقاس مصيره بمعيار "هل سيصمد كحلف عسكري تقليدي؟" لأن هذا معيار لا ينتمي إليه أصلًا. مصيره سيُحسم بمعيار مختلف: هل ينجح في التحول من لحظة توقيع رمزية إلى بنية مؤسسية دائمة تصمد أمام أول أزمة تُجبر أطرافه على الاختيار بين التزاماتهم المتعددة؟ فإن نجح، فلن يكون فقط حلف ردع إقليميًا، بل نموذجًا جديدًا للأمن الجماعي في عالم متعدد الأقطاب، حيث لا تعود الدول مضطرة للاختيار بين معسكر وآخر، بل تبني شبكة تحالفات متقاطعة تحفظ لكل طرف استقلالية قراره وتمنحه عمقًا استراتيجيًا جماعيًا. وإن فشل، فلن يكون فشله انهيارًا مدويًا، بل تلاشيًا تدريجيًا صامتًا، أشبه بـ"تحالفات النوايا الطيبة" التي تُصفَّق لها يوم التوقيع ثم تُنسى عند أول اختبار جاد. وبين هذين المصيرين، تقف منطقة بأكملها تراقب: هل تعلمت دولها أخيرًا أن الأمن الحقيقي لا يُستورد ولا يُمنح، بل يُصنع من الداخل، بثقل من يعرف متى يتحرك وحده، ومتى يجعل من حوله يتحركون معه؟
مدار الساعة ـ نشر في 2026/08/15 الساعة 22:35