الإقامة أصل استثماري: كيف دخل الأردن والدول العربية سباق جذب الثروات العالمية
مدار الساعة ـ نشر في 2026/08/14 الساعة 10:28
مدار الساعة - غاندي المهتار -قبل سنوات، كان المستثمر الأجنبي يسأل قبل دخول أي سوق عربية عن الضرائب والعائد وحجم الاقتصاد وسهولة تأسيس الشركات. اليوم، أضيف سؤال آخر إلى القائمة: ماذا أحصل مقابل أن أنقل جزءاً من ثروتي إلى هذا البلد؟
هنا بدأت الإقامة تتحول من إجراء إداري إلى أداة اقتصادية.
تحت العنوان العريض لـ"الإقامة والجنسية مقابل الاستثمار"، تتشكل في المنطقة العربية سوق متنامية، لكنها ليست سوقاً واحدة. بعض الدول تعرض إقامة طويلة مرتبطة بعقار أو استثمار، وأخرى تتيح إقامة دائمة، فيما يذهب عدد محدود من الدول، وفي مقدمها مصر والأردن، إلى مسارات يمكن أن تنتهي بالحصول على الجنسية نفسها.
والفارق ليس تقنياً فحسب. إنه يكشف كيف تنظر كل دولة إلى المستثمر الذي تريد اجتذابه: هل تريده مالك عقار؟ أم صاحب شركة؟ أم مستثمراً مستقراً على المدى الطويل؟ أم مواطناً جديداً يرتبط اقتصادياً بالدولة؟
الخليج: الإقامة هي المنتج
في دول الخليج، يبدو الاتجاه واضحاً: الجائزة الأساسية هي الإقامة طويلة الأجل، لا جواز السفر.
الإمارات تقدم النموذج الأشهر. فالمستثمر في الاستثمارات العامة يستطيع، وفق المعلومات الواردة في الملف، الحصول على إقامة ذهبية لمدة عشر سنوات باستثمار لا يقل عن مليوني درهم، فيما يتيح الاستثمار العقاري بالقيمة نفسها إقامة لمدة خمس سنوات.
ولا تحتاج الإقامة الذهبية إلى كفيل، وتسمح بكفالة أفراد الأسرة، كما تمنح حاملها مرونة أكبر في البقاء خارج الدولة مقارنة بالإقامات التقليدية.
وهذه النقطة تلخص فلسفة البرنامج: المستثمر لا يشتري جنسية إماراتية، لكنه يحصل على قدر مرتفع من الاستقرار والمرونة يسمح له بأن يجعل الإمارات مركزاً لأعماله وحياته العائلية.
السعودية اختارت نموذجاً أكثر ارتباطاً بالنشاط الاقتصادي الفعلي. فمن خلال برنامج الإقامة المميزة، يمكن لمستثمر الأعمال الحصول مباشرة على إقامة مميزة دائمة إذا استثمر ما لا يقل عن 7 ملايين ريال سعودي في أنشطة اقتصادية داخل المملكة، مع توظيف عشرة أشخاص والمحافظة على الاستثمار والوظائف خلال أول عامين.
أما المسار العقاري، فيبدأ من امتلاك أو الانتفاع بعقار سكني بقيمة لا تقل عن 4 ملايين ريال، مع ارتباط الإقامة باستمرار الملكية أو الانتفاع بالعقار.
بمعنى آخر، لا يكفي رأس المال وحده في بعض المسارات السعودية؛ المطلوب أن يتحول إلى نشاط اقتصادي ووظائف.
من البحرين إلى عُمان: منافسة على المستثمر طويل الأجل
البحرين تدخل المنافسة من بوابة العقار. فامتلاك عقارات بقيمة 200 ألف دينار بحريني على الأقل يؤهل المستثمر الأجنبي للحصول على إقامة ذهبية لمدة عشر سنوات قابلة للتجديد.
أما عُمان فتقدم نموذجاً أكثر تنوعاً. فالحد الاستثماري يبدأ من 200 ألف ريال عُماني مقابل إقامة قابلة للتجديد لمدة عشر سنوات، لكن خيارات التأهل لا تتوقف عند شراء العقار، بل تمتد إلى تأسيس الشركات والأسهم والسندات والودائع المصرفية، إضافة إلى بعض المسارات المرتبطة بتوفير الوظائف للعُمانيين.
وهذا التنوع مهم لأنه يكشف تحولاً في فلسفة برامج الإقامة: المستثمر الذي تبحث عنه الدولة ليس بالضرورة مشتري شقة فاخرة فقط، بل قد يكون صاحب شركة أو مودعاً مصرفياً أو مستثمراً في سوق رأس المال.
قطر بدورها تعتمد العقار كأحد المداخل الأساسية. شراء عقار بقيمة لا تقل عن 730 ألف ريال قطري يتيح لغير القطري الحصول على إقامة عقارية من دون كفيل، فيما يؤدي رفع الاستثمار إلى 3.65 ملايين ريال، أي نحو مليون دولار، إلى الحصول على إقامة عقارية مع امتيازات مماثلة لحاملي الإقامة الدائمة في مجالات الصحة والتعليم والاستثمار، مع شرط الإقامة في البلاد 90 يوماً سنوياً على الأقل.
الأردن ومصر: عندما يصل الاستثمار إلى جواز السفر
خارج النموذج الخليجي، يصبح المشهد أكثر جرأة. في الأردن، لا تتوقف الحوافز عند الإقامة. فمنذ تعديلات تموز/يوليو 2026، تبدأ الإقامة العقارية القابلة للتجديد لخمس سنوات من 150 ألف دينار عند شراء عقار خارج محافظة العاصمة، وترتفع الحدود بحسب الموقع وطريقة الشراء.
لكن العنصر الأكثر أهمية هو وجود مسارات للجنسية. إذ يمكن أن يبدأ أحدها من إنشاء مشروع جديد بقيمة 500 ألف دينار خارج العاصمة أو 700 ألف دينار داخلها مع شروط مرتبطة بتوظيف الأردنيين، فيما يوفر استثمار 1.5 مليون دينار في الأسهم الأردنية مساراً للجنسية وفق شروط احتفاظ محددة.
أما مصر، فتقدم النموذج العربي الأكثر وضوحاً للجنسية مقابل الاستثمار. فالبرنامج يتيح، وفق الملف، أربعة مسارات: مساهمة غير مستردة بقيمة 250 ألف دولار للخزانة العامة، أو شراء عقار بـ300 ألف دولار، أو الاستثمار في مشروع بقيمة إجمالية تبلغ 450 ألف دولار، أو إيداع 500 ألف دولار لمدة ثلاث سنوات.
وتستغرق إجراءات منح الجنسية عادة ما بين ستة أشهر و12 شهراً.
والفارق هنا جوهري: في معظم البرامج الخليجية، يدفع المستثمر للحصول على حق الإقامة والاستقرار؛ في الحالة المصرية، يمكن أن يكون المقابل النهائي الجنسية نفسها.
سباق جديد على رأس المال المتنقل
هذه الخريطة تكشف عن سوق عربية تتشكل بسرعة، لكنها تنقسم عملياً إلى ثلاث درجات: إقامة طويلة، إقامة دائمة، ثم جنسية استثمارية.
ومن إقامة عقارية تبدأ من 730 ألف ريال قطري، أو 150 ألف دينار في بعض المسارات الأردنية، وصولاً إلى الإقامة الدائمة السعودية والجنسية الاستثمارية في مصر والأردن، باتت الدول العربية تستخدم وضع الإقامة القانوني نفسه ضمن أدوات المنافسة على المستثمر العالمي.
وهنا تكمن المفارقة الجديدة في عالم الاستثمار: العقار لم يعد وحده الأصل الذي يشتريه المستثمر؛ الإقامة نفسها أصبحت جزءاً من الصفقة.
فبالنسبة إلى صاحب الثروة المتنقلة، لم يعد السؤال أين يضع أمواله فقط، بل أين يستطيع أن يعيش، وأن ينقل عائلته، وأن يؤسس أعماله، وأن يحتفظ بخيار بديل إذا تغيرت الظروف الاقتصادية أو السياسية في بلده الأصلي.
ومن هنا، فإن سباق الإقامة والجنسية ليس ملف هجرة بقدر ما هو فصل جديد من المنافسة الاقتصادية.
هنا بدأت الإقامة تتحول من إجراء إداري إلى أداة اقتصادية.
تحت العنوان العريض لـ"الإقامة والجنسية مقابل الاستثمار"، تتشكل في المنطقة العربية سوق متنامية، لكنها ليست سوقاً واحدة. بعض الدول تعرض إقامة طويلة مرتبطة بعقار أو استثمار، وأخرى تتيح إقامة دائمة، فيما يذهب عدد محدود من الدول، وفي مقدمها مصر والأردن، إلى مسارات يمكن أن تنتهي بالحصول على الجنسية نفسها.
والفارق ليس تقنياً فحسب. إنه يكشف كيف تنظر كل دولة إلى المستثمر الذي تريد اجتذابه: هل تريده مالك عقار؟ أم صاحب شركة؟ أم مستثمراً مستقراً على المدى الطويل؟ أم مواطناً جديداً يرتبط اقتصادياً بالدولة؟
الخليج: الإقامة هي المنتج
في دول الخليج، يبدو الاتجاه واضحاً: الجائزة الأساسية هي الإقامة طويلة الأجل، لا جواز السفر.
الإمارات تقدم النموذج الأشهر. فالمستثمر في الاستثمارات العامة يستطيع، وفق المعلومات الواردة في الملف، الحصول على إقامة ذهبية لمدة عشر سنوات باستثمار لا يقل عن مليوني درهم، فيما يتيح الاستثمار العقاري بالقيمة نفسها إقامة لمدة خمس سنوات.
ولا تحتاج الإقامة الذهبية إلى كفيل، وتسمح بكفالة أفراد الأسرة، كما تمنح حاملها مرونة أكبر في البقاء خارج الدولة مقارنة بالإقامات التقليدية.
وهذه النقطة تلخص فلسفة البرنامج: المستثمر لا يشتري جنسية إماراتية، لكنه يحصل على قدر مرتفع من الاستقرار والمرونة يسمح له بأن يجعل الإمارات مركزاً لأعماله وحياته العائلية.
السعودية اختارت نموذجاً أكثر ارتباطاً بالنشاط الاقتصادي الفعلي. فمن خلال برنامج الإقامة المميزة، يمكن لمستثمر الأعمال الحصول مباشرة على إقامة مميزة دائمة إذا استثمر ما لا يقل عن 7 ملايين ريال سعودي في أنشطة اقتصادية داخل المملكة، مع توظيف عشرة أشخاص والمحافظة على الاستثمار والوظائف خلال أول عامين.
أما المسار العقاري، فيبدأ من امتلاك أو الانتفاع بعقار سكني بقيمة لا تقل عن 4 ملايين ريال، مع ارتباط الإقامة باستمرار الملكية أو الانتفاع بالعقار.
بمعنى آخر، لا يكفي رأس المال وحده في بعض المسارات السعودية؛ المطلوب أن يتحول إلى نشاط اقتصادي ووظائف.
من البحرين إلى عُمان: منافسة على المستثمر طويل الأجل
البحرين تدخل المنافسة من بوابة العقار. فامتلاك عقارات بقيمة 200 ألف دينار بحريني على الأقل يؤهل المستثمر الأجنبي للحصول على إقامة ذهبية لمدة عشر سنوات قابلة للتجديد.
أما عُمان فتقدم نموذجاً أكثر تنوعاً. فالحد الاستثماري يبدأ من 200 ألف ريال عُماني مقابل إقامة قابلة للتجديد لمدة عشر سنوات، لكن خيارات التأهل لا تتوقف عند شراء العقار، بل تمتد إلى تأسيس الشركات والأسهم والسندات والودائع المصرفية، إضافة إلى بعض المسارات المرتبطة بتوفير الوظائف للعُمانيين.
وهذا التنوع مهم لأنه يكشف تحولاً في فلسفة برامج الإقامة: المستثمر الذي تبحث عنه الدولة ليس بالضرورة مشتري شقة فاخرة فقط، بل قد يكون صاحب شركة أو مودعاً مصرفياً أو مستثمراً في سوق رأس المال.
قطر بدورها تعتمد العقار كأحد المداخل الأساسية. شراء عقار بقيمة لا تقل عن 730 ألف ريال قطري يتيح لغير القطري الحصول على إقامة عقارية من دون كفيل، فيما يؤدي رفع الاستثمار إلى 3.65 ملايين ريال، أي نحو مليون دولار، إلى الحصول على إقامة عقارية مع امتيازات مماثلة لحاملي الإقامة الدائمة في مجالات الصحة والتعليم والاستثمار، مع شرط الإقامة في البلاد 90 يوماً سنوياً على الأقل.
الأردن ومصر: عندما يصل الاستثمار إلى جواز السفر
خارج النموذج الخليجي، يصبح المشهد أكثر جرأة. في الأردن، لا تتوقف الحوافز عند الإقامة. فمنذ تعديلات تموز/يوليو 2026، تبدأ الإقامة العقارية القابلة للتجديد لخمس سنوات من 150 ألف دينار عند شراء عقار خارج محافظة العاصمة، وترتفع الحدود بحسب الموقع وطريقة الشراء.
لكن العنصر الأكثر أهمية هو وجود مسارات للجنسية. إذ يمكن أن يبدأ أحدها من إنشاء مشروع جديد بقيمة 500 ألف دينار خارج العاصمة أو 700 ألف دينار داخلها مع شروط مرتبطة بتوظيف الأردنيين، فيما يوفر استثمار 1.5 مليون دينار في الأسهم الأردنية مساراً للجنسية وفق شروط احتفاظ محددة.
أما مصر، فتقدم النموذج العربي الأكثر وضوحاً للجنسية مقابل الاستثمار. فالبرنامج يتيح، وفق الملف، أربعة مسارات: مساهمة غير مستردة بقيمة 250 ألف دولار للخزانة العامة، أو شراء عقار بـ300 ألف دولار، أو الاستثمار في مشروع بقيمة إجمالية تبلغ 450 ألف دولار، أو إيداع 500 ألف دولار لمدة ثلاث سنوات.
وتستغرق إجراءات منح الجنسية عادة ما بين ستة أشهر و12 شهراً.
والفارق هنا جوهري: في معظم البرامج الخليجية، يدفع المستثمر للحصول على حق الإقامة والاستقرار؛ في الحالة المصرية، يمكن أن يكون المقابل النهائي الجنسية نفسها.
سباق جديد على رأس المال المتنقل
هذه الخريطة تكشف عن سوق عربية تتشكل بسرعة، لكنها تنقسم عملياً إلى ثلاث درجات: إقامة طويلة، إقامة دائمة، ثم جنسية استثمارية.
ومن إقامة عقارية تبدأ من 730 ألف ريال قطري، أو 150 ألف دينار في بعض المسارات الأردنية، وصولاً إلى الإقامة الدائمة السعودية والجنسية الاستثمارية في مصر والأردن، باتت الدول العربية تستخدم وضع الإقامة القانوني نفسه ضمن أدوات المنافسة على المستثمر العالمي.
وهنا تكمن المفارقة الجديدة في عالم الاستثمار: العقار لم يعد وحده الأصل الذي يشتريه المستثمر؛ الإقامة نفسها أصبحت جزءاً من الصفقة.
فبالنسبة إلى صاحب الثروة المتنقلة، لم يعد السؤال أين يضع أمواله فقط، بل أين يستطيع أن يعيش، وأن ينقل عائلته، وأن يؤسس أعماله، وأن يحتفظ بخيار بديل إذا تغيرت الظروف الاقتصادية أو السياسية في بلده الأصلي.
ومن هنا، فإن سباق الإقامة والجنسية ليس ملف هجرة بقدر ما هو فصل جديد من المنافسة الاقتصادية.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/08/14 الساعة 10:28