حقول الثانوية العامة.. نجاحٌ مرتفع وخيارات جامعية محدودة

عبدالله موسى الطراونة
مدار الساعة ـ نشر في 2026/08/13 الساعة 20:29
بعد ظهور نتائج الثانوية العامة أفرز تطبيق نظام الحقول الجديد في الثانوية العامة الأردنية لعام 2026 واقعاً جديداً لم يكن كثير من الطلبة وأولياء الأمور يتوقعونه بهذه الصورة. فبعد سنوات من الحديث عن تطوير الثانوية العامة وربطها بميول الطلبة والتخصصات وسوق العمل، وجد عدد من الطلبة أنفسهم بعد إعلان النتائج قبل أيام قليلة أمام سؤال أكثر صعوبة من سؤال النجاح نفسه: ماذا أستطيع أن أدرس في الجامعة بعد أن اخترت هذا الحقل؟

المشكلة التي ظهرت للطلبة واهاليهم لا تتعلق بالنجاح أو الرسوب، ولا بالمعدلات فقط، وإنما بالمساحة المتاحة أمام الطالب لاختيار التخصص المناسب لمستقبله الجامعي.

" أسر كثيرة احتفلت بنجاح أبنائها لحصولهم على معدلات مرتفعة فوجئت بأن المعدل العالي وحده لا يضمن للطالب إمكانية الالتحاق بالتخصص الذي يرغب فيه، إذ أصبح الحقل الدراسي الذي اختاره في الثانوية عاملاً حاسماً في تحديد اختياراته وخياراته الجامعية وأصبح مقيدا باختيار تخصصات محددة ربما ان معدله لا يؤهله لدخولها ." هنا تبدأ المشكلة فالطالب الذي اختار الحقل الصحي، مثلاً، قد يكون مقتنعاً في سن السادسة عشرة أو السابعة عشرة بأنه يريد دراسة تخصص صحي، لكنه قد يكتشف بعد وقت أن ميوله اصبحت تتجه لتأخذه إلى الإدارة أو القانون أو تكنولوجيا المعلومات أو غيرها من المجالات.

السؤال هنا: هل من المنطقي أن قرار اتخذه الطالب في مرحلة العمرية مبكرة يحدد جزءاً كبيراً من مستقبله الجامعي والمهني

لا أحد يعارض فكرة الحقول الدراسية أو توجيه الطلبة نحو تخصصات ومجالات معرفية محددة. بل يمكن أن يكون نظام الحقول خطوة إيجابية إذا كان هدفه مساعدة الطالب على اكتشاف قدراته وربط التعليم باحتياجات المستقبل لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الحقل من وسيلة توجيه إلى قيد يحيط به يصعب الخروج منه.

فالطالب في المرحلة الثانوية لا يكون بالضرورة قادر على تحديد مستقبله، وقد تتغير ميوله واهتماماته وقدراته مع مرور الوقت وكثير من الناس يغيرون تخصصاتهم الجامعية أو مجالات عملهم بعد سنوات، فكيف نتوقع من طالب في السابعة عشرة أن يكون قد حدد مستقبله بصورة نهائية؟

ولعل الأكثر إرباكاً ومفاجئة أن بعض الطلبة يحصلون على معدلات مرتفعة، ومع ذلك يجدون خياراتهم الجامعية محدودة بسبب الحقل الذي اختاروه، وليس بسبب ضعف مستواهم الأكاديمي. فالمعدل لم يعد العامل الوحيد في تحديد مستقبل الطالب الجامعي، بل أصبح الحقل والمواد التي درسها وشروط القبول في التخصص عوامل أساسية.. لذلك لم يعد السؤال عند اختيار التخصص الجامعي يقتصر على كم حصل الطالب؟، وإنما أصبح: ما معدله؟ وفي أي حقل درس؟ وما هي التخصصات التي يتيح له هذا الحقل الالتحاق بها؟». ولهذا يجب أن تكون هذه الصورة ماثلة أمام الطالب وأسرته منذ لحظة اختيار الحقل، حتى يكون القرار مبنياً على معرفة كاملة بخياراته الجامعية المستقبلية. فمن الصعب على أسرة ابنها يحصل على معدل 90 أو 95 أو أعلى من ذلك وتقوم بالاحتفال وتوزيع الحلوى وربما الظهور على وسائل التواصل الاجتماعي للاحتفال ثم تكتشف بعد كل هذه المهرجانات الاحتفالية أن التخصص الذي كان يحلم به غير متاح له بسبب الحقل الذي اختاره قبل سنوات وهنا يصاب الطالب واسرة الطالب بالصدمة ويخيم عليها الحزن واليأس.

هنا نحن لا نتحدث عن طالب فشل، وإنما عن طالب نجح بمعدل مرتفع، لكنه اكتشف أن اختياره للحقل في المرحلة الثانوية حدّ من قدرته على الالتحاق بالتخصص الجامعي الذي يرغب فيه او يناسب معدله المرتفع وقد يدفع ذلك بعض الطلبة إلى إعادة دراسة مواد معينة، ليس بسبب عدم نجاحهم فيها، وإنما بهدف استكمال شروط الالتحاق بتخصصات أغلقت في وجوههم لم تكن متاحة لهم بسبب الحقل الذي اختاروه.

وإذا كان الهدف من تطوير الثانوية العامة هو تحسين التعليم وتوجيه الطلبة بصورة أفضل، فمن الضروري أن يتضمن النظام قدراً أكبر من المرونة يتيح للطالب تصحيح اختياره إذا تغيرت ميوله. ويمكن تحقيق ذلك من خلال مسارات انتقالية واضحة، تسمح للطالب بدراسة مواد تأهيلية محددة، وفق شروط ومعايير معلنة، تمكنه من الانتقال إلى تخصصات من حقول أخرى دون الحاجة إلى إعادة بناء مساره الدراسي بالكامل.

لا تقتصر آثار نظام الحقول على الطلبة وأسرهم، بل قد تمتد إلى الجامعات نفسها، التي قد تواجه واقعاً جديداً يتمثل في انخفاض أعداد الطلبة المؤهلين للالتحاق ببعض التخصصات الجامعية التي توفرها الجامعات الحكومية والخاصة فقد تتوافر في بعض التخصصات مقاعد شاغرة وقدرة على استيعاب أعداد أكبر، في حين يكون عدد الطلبة الذين تنطبق عليهم شروط القبول محدوداً بسبب حقول الثانوية العامة التي اختاروها.

قد نصل إلى مفارقة لافتة تتمثل في وجود طلبة يرغبون في دراسة تخصص معين، ومقاعد جامعية متاحة، لكن شروط الحقل تحول دون التحاقهم بهذا التخصص. وإذا ظهرت هذه الحالة بصورة واضحة، وهي حتما ستظهر فإنها تستحق الدراسة عند تقييم التجربة، خصوصاً إذا انخفضت أعداد الطلبة المتقدمين لبعض التخصصات، ليس بسبب تراجع الرغبة فيها، وإنما بسبب ارتباطها بحقول محددة.

ومن هنا، فإن تقييم نظام الحقول يجب ألا يقتصر على معدلات الطلبة ونتائجهم، بل ينبغي أن يشمل أثره على الجامعات وأعداد المقبولين في مختلف التخصصات، ومدى توافق مخرجات الثانوية مع احتياجات التعليم العالي وسوق العمل.

وربما يكون الحل الأهم في تطوير التجربة هو الدمج بين الحقول وتوسيع مساحات التقاطع بينها، بدلاً من الفصل الحاد بين المسارات. فقد يتجه بعض الطلبة إلى الحقل الصحي لأنه يبدو لهم خياراً أسهل أو لتجنب بعض المباحث التي يرونها أكثر صعوبة، وفي مقدمتها الرياضيات والفيزياء، دون أن يكونوا قد أدركوا بصورة كاملة ما قد يترتب على هذا الاختيار لاحقاً من محدودية في الخيارات الجامعية. ولو كانت الحقول أكثر مرونة، لكان من الممكن إيجاد مسارات مشتركة تجمع بين الحقل الصحي والعلوم والتكنولوجيا، وكذلك بين بقية الحقول والتخصصات، بحيث يدرس الطالب مجموعة أوسع من المواد التي تمنحه قاعدة معرفية متوازنة وتبقي أمامه أكثر من خيار جامعي. فالدمج والمرونة قد يكونان حلاً وسطاً يحافظ على فكرة التخصص والتوجيه، وفي الوقت نفسه يمنح الطالب مساحة أوسع للاختيار ولا يجعله أسيراً لقرار مبكر.

وهذا لا يعني بالضرورة العودة إلى النظام السابق أو إلغاء نظام الحقول، وإنما يعني ضرورة مراجعة التجربة وتطويرها في ضوء نتائج تطبيقها الفعلي، والاستماع إلى الطلبة وأولياء الأمور والمعلمين والمرشدين التربويين والجامعات، لمعرفة جوانب القوة والضعف ومعالجة أي آثار غير مقصودة.

كما أن مسؤولية التوجيه يجب أن تبدأ قبل اختيار الطالب للحقل، بحيث يحصل هو وأسرته على معلومات واضحة حول التخصصات الجامعية التي يفتحها كل حقل، والتخصصات التي لا يتيحها، والخيارات المتاحة أمام الطالب إذا أراد تغيير مساره لاحقاً فالاختيار لا يمكن أن يكون صحيحاً ما لم يكن الطالب على معرفة كاملة بالنتائج المترتبة عليه.

وفي النهاية، فإن الثانوية العامة ليست مجرد امتحان ومعدل، وإنما هي مرحلة تؤثر في المسار الجامعي والمهني للطالب ولذلك يجب أن يكون نظامها قادراً على تحقيق التوازن بين التوجيه والتخصص من جهة، والمرونة وحرية الاختيار من جهة أخرى فالطالب قد يخطئ في اختيار الحقل، لكن الخطأ في قرار مبكر لا ينبغي أن يتحول إلى حكم نهائي على مستقبله فالثانوية العامة بداية الطريق إلى المستقبل، لا مرحلة يكتشف فيها الطالب أن بعض أبواب المستقبل قد أغلقت أمامه وامام اهله واسرته.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/08/13 الساعة 20:29