توزيع الأدوار أم تعدد مراكز القرار؟
مدار الساعة ـ نشر في 2026/08/12 الساعة 19:14
في إدارة الدول، ليست المشكلة دائماً في ضعف القرار؛ أحياناً تكون المشكلة في كثرة من يملكون جزءاً منه. ومن هنا، فإن توسيع أدوار نواب رئيس الوزراء وتوزيع الملفات الكبرى داخل الحكومة يطرح سؤالاً يتجاوز الشكل الإداري للتعديل: هل نحن أمام إعادة هندسة حقيقية للعمل الحكومي، أم أمام إضافة طبقة جديدة إلى منظومة تحتاج أصلاً إلى مزيد من الوضوح والسرعة؟
قد يبدو توزيع الأعباء والتخصص في الملفات أمراً منطقياً، لكن الإدارة الاستراتيجية لا تقيس نجاح الهيكل بعدد المسؤولين القادرين على متابعة الملفات، بل بقدرته على تقليل المسافة بين القرار والنتيجة.
وهنا تبدأ الملاحظة النقدية. كل مركز قرار إضافي يحتاج إلى تنسيق إضافي، وكل تنسيق إضافي يرفع احتمال تضارب الأولويات أو تأخر الحسم. وفي دولة محدودة الموارد مثل الأردن، لا ينبغي أن يكون هدف الإصلاح الحكومي بناء هيكل أكثر تعقيداً، بل بناء دولة أسرع في اتخاذ القرار وأكثر وضوحاً في المسؤولية.
الأخطر أن الملفات الحكومية لم تعد منفصلة. فالاقتصاد مرتبط بالسياسة الخارجية، والطاقة مرتبطة بالأمن الوطني، والمياه مرتبطة بالاستقرار، والاستثمار مرتبط بالبيئة التشريعية، والشباب مرتبط بسوق العمل، والتحول الرقمي مرتبط بكفاءة الدولة كلها. فكيف يمكن توزيع هذه الملفات بصورة عمودية بينما طبيعتها الحقيقية أفقية ومترابطة؟
هنا تظهر إحدى المفارقات الاستراتيجية: قد نوزع المسؤوليات لكي نسرّع القرار، ثم نضطر إلى إنشاء مزيد من التنسيق لكي نمنع تعارض القرارات. وبذلك قد ننتقل من مشكلة بطء القرار إلى مشكلة إدارة القرار.
وهذا ليس اتهاماً لأحد، بل سؤال في تصميم الدولة. فالأردن اليوم لا يحتاج فقط إلى حكومة تدير الملفات، بل إلى حكومة تدرك أن الملفات نفسها أصبحت متشابكة ضمن منظومة واحدة من الأمن الوطني والاقتصاد والسياسة والجغرافيا السياسية.
وفي دولة تقع في بيئة إقليمية شديدة الحساسية، تصبح وحدة الرؤية الحكومية جزءاً من القوة الاستراتيجية. فالسياسة الخارجية لا تستطيع العمل بمعزل عن الاقتصاد، والاقتصاد لا يستطيع العمل بمعزل عن الطاقة والمياه، وهذه الملفات جميعاً لا تنفصل عن القدرة على حماية القرار الوطني.
لذلك، فإن السؤال الأهم ليس: كم نائباً لرئيس الوزراء لدينا؟ بل: كم مركزاً فعلياً يحتاجه القرار الأردني قبل أن يصل إلى نهايته؟
الإصلاح الإداري لا يعني بالضرورة زيادة مستويات القيادة، كما أن تفويض الصلاحيات لا يعني إنشاء مراكز ثقل متوازية. الدولة الحديثة تحتاج إلى لامركزية في التنفيذ، لا غموضاً في القيادة. وتحتاج إلى توزيع للمهام، لا توزيعاً للاتجاهات. وتحتاج إلى مسؤولين أقوياء، لكن ضمن منظومة تجعل نجاح أحدهم مكملاً لنجاح الآخر، لا منافساً له.
والأهم أن يعرف المواطن: من يقرر؟ ومن ينفذ؟ ومن يتحمل المسؤولية عندما لا تتحقق النتائج؟ هذه الأسئلة ليست ترفاً سياسياً.
ففي عالم أصبحت فيه التكنولوجيا والبيانات والطاقة والمياه والاستثمار أدوات قوة، لم تعد الدول تتنافس فقط على الموارد، وإنما على سرعة القرار وجودته وقدرتها على تحويله إلى نتائج.
ومن هنا، فإن معيار نجاح أي صيغة حكومية جديدة يجب ألا يكون عدد الملفات التي وُزعت، ولا عدد الاجتماعات التي عُقدت، ولا عدد المسؤولين الذين أصبحوا مشرفين عليها. المعيار الحقيقي هو: هل أصبح القرار الأردني أسرع؟ وهل أصبحت المسؤولية أوضح؟ وهل أصبحت الدولة أكثر قدرة على تنفيذ أولوياتها؟
إذا كانت الإجابة نعم، فقد نجح التغيير. أما إذا أضاف الهيكل الجديد طبقات من التنسيق دون أن يختصر الطريق إلى الإنجاز، فنحن لا نكون قد أصلحنا البيروقراطية، بل نكون قد أعدنا ترتيبها.
وهنا تكمن الفرصة أمام حكومة الدكتور جعفر حسان: أن تثبت أن توزيع الأدوار ليس توزيعاً لمراكز النفوذ، وأن التفويض ليس تفتيتاً للقرار، وأن تعدد المسؤولين يمكن أن ينتج وحدة استراتيجية أقوى، لا تعدداً في الاتجاهات.
فالدولة لا تصبح أكثر كفاءة عندما يصبح لديها مزيد من مراكز القرار، بل عندما يصبح القرار أقل تعقيداً، والمسؤولية أكثر وضوحاً، والنتيجة أسرع.
وهذا هو الاختبار الحقيقي لأي إعادة هندسة حكومية: هل نعيد توزيع السلطة، أم نعيد تصميم الدولة لتكون أذكى وأسرع وأكثر قدرة على الإنجاز؟
قد يبدو توزيع الأعباء والتخصص في الملفات أمراً منطقياً، لكن الإدارة الاستراتيجية لا تقيس نجاح الهيكل بعدد المسؤولين القادرين على متابعة الملفات، بل بقدرته على تقليل المسافة بين القرار والنتيجة.
وهنا تبدأ الملاحظة النقدية. كل مركز قرار إضافي يحتاج إلى تنسيق إضافي، وكل تنسيق إضافي يرفع احتمال تضارب الأولويات أو تأخر الحسم. وفي دولة محدودة الموارد مثل الأردن، لا ينبغي أن يكون هدف الإصلاح الحكومي بناء هيكل أكثر تعقيداً، بل بناء دولة أسرع في اتخاذ القرار وأكثر وضوحاً في المسؤولية.
الأخطر أن الملفات الحكومية لم تعد منفصلة. فالاقتصاد مرتبط بالسياسة الخارجية، والطاقة مرتبطة بالأمن الوطني، والمياه مرتبطة بالاستقرار، والاستثمار مرتبط بالبيئة التشريعية، والشباب مرتبط بسوق العمل، والتحول الرقمي مرتبط بكفاءة الدولة كلها. فكيف يمكن توزيع هذه الملفات بصورة عمودية بينما طبيعتها الحقيقية أفقية ومترابطة؟
هنا تظهر إحدى المفارقات الاستراتيجية: قد نوزع المسؤوليات لكي نسرّع القرار، ثم نضطر إلى إنشاء مزيد من التنسيق لكي نمنع تعارض القرارات. وبذلك قد ننتقل من مشكلة بطء القرار إلى مشكلة إدارة القرار.
وهذا ليس اتهاماً لأحد، بل سؤال في تصميم الدولة. فالأردن اليوم لا يحتاج فقط إلى حكومة تدير الملفات، بل إلى حكومة تدرك أن الملفات نفسها أصبحت متشابكة ضمن منظومة واحدة من الأمن الوطني والاقتصاد والسياسة والجغرافيا السياسية.
وفي دولة تقع في بيئة إقليمية شديدة الحساسية، تصبح وحدة الرؤية الحكومية جزءاً من القوة الاستراتيجية. فالسياسة الخارجية لا تستطيع العمل بمعزل عن الاقتصاد، والاقتصاد لا يستطيع العمل بمعزل عن الطاقة والمياه، وهذه الملفات جميعاً لا تنفصل عن القدرة على حماية القرار الوطني.
لذلك، فإن السؤال الأهم ليس: كم نائباً لرئيس الوزراء لدينا؟ بل: كم مركزاً فعلياً يحتاجه القرار الأردني قبل أن يصل إلى نهايته؟
الإصلاح الإداري لا يعني بالضرورة زيادة مستويات القيادة، كما أن تفويض الصلاحيات لا يعني إنشاء مراكز ثقل متوازية. الدولة الحديثة تحتاج إلى لامركزية في التنفيذ، لا غموضاً في القيادة. وتحتاج إلى توزيع للمهام، لا توزيعاً للاتجاهات. وتحتاج إلى مسؤولين أقوياء، لكن ضمن منظومة تجعل نجاح أحدهم مكملاً لنجاح الآخر، لا منافساً له.
والأهم أن يعرف المواطن: من يقرر؟ ومن ينفذ؟ ومن يتحمل المسؤولية عندما لا تتحقق النتائج؟ هذه الأسئلة ليست ترفاً سياسياً.
ففي عالم أصبحت فيه التكنولوجيا والبيانات والطاقة والمياه والاستثمار أدوات قوة، لم تعد الدول تتنافس فقط على الموارد، وإنما على سرعة القرار وجودته وقدرتها على تحويله إلى نتائج.
ومن هنا، فإن معيار نجاح أي صيغة حكومية جديدة يجب ألا يكون عدد الملفات التي وُزعت، ولا عدد الاجتماعات التي عُقدت، ولا عدد المسؤولين الذين أصبحوا مشرفين عليها. المعيار الحقيقي هو: هل أصبح القرار الأردني أسرع؟ وهل أصبحت المسؤولية أوضح؟ وهل أصبحت الدولة أكثر قدرة على تنفيذ أولوياتها؟
إذا كانت الإجابة نعم، فقد نجح التغيير. أما إذا أضاف الهيكل الجديد طبقات من التنسيق دون أن يختصر الطريق إلى الإنجاز، فنحن لا نكون قد أصلحنا البيروقراطية، بل نكون قد أعدنا ترتيبها.
وهنا تكمن الفرصة أمام حكومة الدكتور جعفر حسان: أن تثبت أن توزيع الأدوار ليس توزيعاً لمراكز النفوذ، وأن التفويض ليس تفتيتاً للقرار، وأن تعدد المسؤولين يمكن أن ينتج وحدة استراتيجية أقوى، لا تعدداً في الاتجاهات.
فالدولة لا تصبح أكثر كفاءة عندما يصبح لديها مزيد من مراكز القرار، بل عندما يصبح القرار أقل تعقيداً، والمسؤولية أكثر وضوحاً، والنتيجة أسرع.
وهذا هو الاختبار الحقيقي لأي إعادة هندسة حكومية: هل نعيد توزيع السلطة، أم نعيد تصميم الدولة لتكون أذكى وأسرع وأكثر قدرة على الإنجاز؟
مدار الساعة ـ نشر في 2026/08/12 الساعة 19:14