رسالة مفتوحة الى معالي محمد داودية: النقد الوطني المسؤول واجب… والدولة أكبر من حكوماتها

د. واصل المشاقبة
مدار الساعة ـ نشر في 2026/08/12 الساعة 11:23
معالي الأستاذ محمد داودية المحترم،

تحية أردنية هاشمية أبعثها إليكم عبر هذه الأسطر، متمنياً من الله العلي القدير أن تكونوا بتمام الصحة.

قرأت مقالكم الأخير باهتمام، وأتفهم تماماً دوافعكم في الدفاع عن الدولة والوطن، وفي التحذير من بعض أشكال النقد التي تتحول من ممارسة حق مشروع الى تصيد او تهويل او تقليل من شأن مؤسسات الدولة.

وأتفق معكم ان الدفاع عن الوطن مسؤولية وطنية، وان النقد المسؤول يجب ان يبقى بعيداً عن الإساءة والتجريح وهدم الثقة بالدولة.

لكن اختلافي معكم يبدأ من نقطة أراها جوهرية: الظروف الإقليمية، مهما بلغت صعوبتها، لا ينبغي أن تتحول إلى تفسير او تبرير دائم للقصور الداخلي، ولا الى إطار يخفف من مسؤولية من يدير الشأن العام. فالدفاع عن الوطن لا يعني الدفاع عن كل سياسة او قرار، كما ان نقد الأداء الحكومي لا يعني بالضرورة مهاجمة الدولة او إضعافها.

ومن هنا أرى ان من حق المواطن، وبمن فيهم رجالات الدولة السابقون، بل من واجبهم الوطني، ان يسألوا عن السياسات والنتائج، وان يميزوا بين ما تفرضه الظروف الخارجية وما ينتج عن قرارات داخلية يمكن للدولة ان تؤثر فيها. فالمسؤولية لا تسقط بخروجهم من مواقعهم، ولا يُنتقص من حقهم في النقد لمجرد انهم غادروا مواقع القرار.

اولاً) التحديات الداخلية لا تُفسر بالظروف الإقليمية وحدها:

ما يعيشه الأردني من ازدحام خانق، وتراجع في جودة الحركة، وارتفاع كلفة النقل، وضياع ساعات الانتاج، يرتبط بصورة مباشرة بسياسات النقل والتخطيط وإدارة البنية التحتية. وهذه خسائر اقتصادية داخلية تمس رأس المال البشري والوقت والدخل، ولا يجوز تعليقها على شماعة الإقليم، لأن جذورها في جانب أساسي منها ترتبط بالادارة لا بالجغرافيا.

ثانياً) الضمان الاجتماعي وصندوق الاستثمار والحاجة إلى شفافية كاملة

الضمان الاجتماعي يواجه تحديات اكتوارية واستثمارية تتطلب عرضاً واضحاً للالتزامات المستقبلية، وشفافية أعلى في قرارات الاستثمار، خصوصاً في المشاريع الكبرى مثل مشروع عمرة، الذي ما تزال بياناته غير مكتملة. هذه مسؤوليات مؤسسية داخلية، لا ضغوط اقليمية، وتحتاج الى ادارة رشيدة، وإفصاح، ومساءلة.

ثالثاً) المديونية وخدمة الدين العام: أزمة مالية داخلية

المديونية وخدمة الدين العام تقيدان قدرة الدولة على الاستثمار في التعليم والصحة والبنية التحتية. ورغم أثر الظروف الاقليمية، فإن المسار المالي الحالي هو نتاج تراكمات وإخفاقات ممتدة في السياسات المالية والإنفاق والإيرادات. التحديات الخارجية تزيد العبء، لكنها لا تصنع الأزمة من عدم، ولا تبرر استمرار النهج ذاته دون مراجعة.

رابعاً) البطالة وسوق العمل: مسؤولية السياسات لا الإقليم

البطالة نتاج اختلالات داخلية في مواءمة التعليم مع سوق العمل، وتنظيم العمالة الوافدة، وضعف خلق فرص العمل ذات القيمة المضافة. هذه ملفات داخلية تحتاج الى سياسات واضحة ونتائج قابلة للقياس، ولا تُحل بالصمت او بتحميل الاقليم مسؤولية كل ما يحدث في سوق العمل.

خامساً) الظروف الخارجية لا ينبغي ان تتحول الى تبرير دائم

إن الإصرار على تعليق القصور والفشل والاخفاقات الداخلية على الظروف الخارجية يضعف ثقافة المساءلة، ويعطل قدرة الدولة على تصحيح مسارها. فالدول لا تعمل في بيئات مثالية، بل تُقاس بقدرتها على ادارة ما تستطيع التأثير فيه، وبجرأتها على الاعتراف بالقصور عندما يحدث، وتصحيح السياسات وفق نتائجها لا وفق خطابها.

سادساً) التجارب الدولية تؤكد أن صعوبة البيئة ليست حكماً على النتائج

كوريا الجنوبية ورواندا والمغرب واجهت تحديات أمنية وجيوسياسية عميقة، ومع ذلك بنت نماذج اقتصادية ناجحة. المغزى ليس المقارنة، بل التأكيد أن صعوبة البيئة لا تلغي مسؤولية الادارة الداخلية.

الفارق بين ادارة تبحث عن الأعذار وأخرى تبحث عن الحلول هو قدرتها على التمييز بين ما لا تملك السيطرة عليه وما تستطيع تغييره.

تقدير موقفكم من النقد الوطني والمعارضة

ولا يفوتني هنا ان اقدر ما ورد في مقالتكم من تمييز واضح بين النقد الوطني الصادق وبين التصيد والتهويل والترصد. فقولكم إنكم "تميزون بين نقد الوطنيين الناصحين مهما كان مباشراً وحاراً وحاداً وخالياً من المجاملات، وبين التصيد والتقليل والترصد والتهويل"، هو موقف يُحسب لكم، ويعكس إدراكاً مهماً بأن النقد ليس خصومة، وأن المعارضة كما قلتم “ضرورة وليست ضرراً”.

هذا التفريق الدقيق بين النقد البناء وبين الهدم العبثي هو أساس أي خطاب وطني مسؤول، وهو ما نلتقي معكم فيه تماماً، بل ونراه شرطاً لازماً لحماية الدولة من جهة، ولضمان حق المجتمع في مساءلة من يدير الشأن العام من جهة أخرى.

النقد الوطني ليس إساءة… بل حماية للدولة

النقد البناء جزء أساسي من حماية الدولة وتعزيز الثقة بمؤسساتها، وهو شرط أساسي لأي اصلاح جاد. واضعاف هذا النقد، او وضع بعض الأصوات الناقدة في إطار "الإرعاب" او "التهشيم" او "جنرالات الكنبة، كما أشرتم اليه في مقالتكم، لمجرد أنها تنتقد اداء الحكومة او إحدى مؤسسات الدولة، يضر بالخطاب العام ومصداقيته اذا فُهم على أنه رفض للنقد نفسه، لا رفض لبعض أساليبه.

نحن لا نهاجم الدولة حين ننتقد سياسة او قراراً او أداء مؤسسة من مؤسساتها، ولا نضعف الدولة حين نسأل عن نتائج الانفاق العام، وكفاءة الاستثمار، ومستوى الدين العام، والبطالة، وجودة الخدمات، او مدى الالتزام بالمعايير المهنية في ادارة الشأن العام.

الدولة أقوى من حكوماتها، والوطن اكبر من اي ادارة، ومؤسسات الدولة لا تصبح اكثر قوة عندما نعفيها من النقد، بل عندما نمنحها القدرة على تصحيح أخطائها.

نحن لا نطالب بالصوت العالي، بل نطالب بالنتائج. ولا نطالب بادارة تتجاهل ظروف المنطقة، بل بادارة لا تجعل ظروف المنطقة بديلاً عن تقييم أدائها. ولا نرفض الدفاع عن الوطن، بل نرفض ان يصبح الدفاع عن الوطن مرادفاً للدفاع عن كل سياسة او قرار.

المعيار في النهاية يجب ان يكون واضحاً: هل تحسنت حياة المواطن؟ هل ارتفعت الانتاجية؟ هل انخفضت البطالة؟ هل تحسنت الخدمات؟ هل أصبحت المالية العامة اكثر استدامة؟ هل حققت الاستثمارات العامة والخاصة عائداً اقتصادياً يتناسب مع كلفتها ومخاطرها؟

هذه هي الأسئلة التي يجب ان نطرحها على أنفسنا وعلى من يدير الشأن العام. فالدفاع عن الوطن لا يتعارض مع مساءلة من يدير شؤونه، والنقد المسؤول لا يتعارض مع الولاء للدولة، والاعتراف بالقصور لا يضعف المؤسسات.

على العكس، الدولة التي تسمح بالنقد المسؤول وتستفيد منه هي دولة اكثر قدرة على تصحيح أخطائها، واكثر ثقة بمؤسساتها، واكثر قدرة على مواجهة التحديات الخارجية والداخلية معاً.

حفظ الله سيدي صاحب الجلالة المعظم، وولي عهده المحبوب، وأدام على اردننا الحبيب نعمة الأمن والأمان والاستقرار، وحفظ وطننا عزيزاً قوياً، قادراً على مواجهة تحدياته الخارجية، وقادراً في الوقت نفسه على معالجة تحدياته الداخلية بثقة ومسؤولية.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/08/12 الساعة 11:23