كيف يمكن للعشائرية أن تلتقي مع الدولة المدنية؟

المحامي الدكتور يزن دخل الله حدادين
مدار الساعة ـ نشر في 2026/08/11 الساعة 20:46
من الأخطاء الفكرية التي أراها شائعة في النقاش العام تصوير العلاقة بين العشائرية والدولة المدنية وكأنها معركة بين الماضي والمستقبل، أو بين التقليد والحداثة. هذه المقاربة تختصر مفهوماً اجتماعياً عميقاً في صورة سياسية ضيقة، وتتجاهل حقيقة أساسية وهي أن المجتمعات لا تبني دولها بإلغاء ذاكرتها، ولا تصبح أكثر حداثة كلما ابتعدت عن جذورها. الدولة الحديثة لا تقوم في فراغ اجتماعي، بل تنشأ داخل مجتمع له تاريخه وتقاليده وروابطه وقيمه، وتصبح أكثر قوة عندما تستطيع تحويل هذا الرصيد الاجتماعي إلى قوة وطنية تدعم المواطنة والاستقرار والمؤسسات.

العشيرة، في أصلها الاجتماعي، ليست حزباً سياسياً ولا سلطة موازية للدولة، وإنما رابطة اجتماعية تشكلت تاريخياً حول التضامن والتكافل وتحمل المسؤولية والانتماء. وهذه ليست قيماً تقف خارج مفهوم الدولة المدنية، بل هي من القيم التي تحتاجها المجتمعات الحديثة نفسها. فالدولة لا تُبنى بالقوانين والمؤسسات وحدها، وإنما تحتاج أيضاً إلى مجتمع متماسك، يشعر أفراده بالمسؤولية تجاه بعضهم بعضاً، ويمتلكون روابط اجتماعية تمنع الفرد من التحول إلى جزيرة منفصلة عن محيطه.

ومن هنا أعتقد أن السؤال الحقيقي ليس: هل نستطيع الجمع بين العشائرية والدولة المدنية؟ بل لماذا نفترض أصلاً وجود تناقض بينهما؟ الدولة المدنية في جوهرها دولة قانون ومؤسسات ومواطنة، وليست دولة بلا تاريخ أو بلا عائلات أو عشائر أو هويات اجتماعية. يستطيع الإنسان أن يعتز بعشيرته ومنطقته وعائلته وتراثه، وفي الوقت نفسه أن يكون مواطناً يؤمن بالدولة ومؤسساتها وسيادة القانون. فالانتماء الوطني لا يشترط إلغاء الانتماءات الاجتماعية، وإنما يجمعها داخل هوية وطنية أوسع.

بل أعتقد أن العشائرية، في جوهرها الاجتماعي والوطني، تمثل واحدة من أهم روافع الدولة المدنية، لأنها رسخت عبر تاريخها منظومة من القيم التي تحتاجها أي دولة قوية ومستقرة. فالتكافل، والنخوة، والوفاء، وإغاثة المحتاج، واحترام الكبير، وتحمل المسؤولية، وحماية السلم الاجتماعي، ليست مجرد تقاليد موروثة، بل هي رأس مال اجتماعي حقيقي ساهم في تماسك المجتمع الأردني وفي بناء علاقة راسخة بين الإنسان وأرضه ودولته. والعشائر الأردنية لم تكن يوماً على هامش مشروع الدولة، بل كانت في قلبه؛ قدّمت أبناءها لمؤسساتها، ولجيشها وأجهزتها وإدارتها العامة، وحملت مسؤولية وطنية في أصعب المراحل. ومن هنا فإن العشائرية والدولة المدنية لا تقفان على طرفي نقيض، بل تلتقيان عند قيم المسؤولية والانتماء والتضامن واحترام الدولة.

وفي الأردن تحديداً، يصعب قراءة تاريخ الدولة بمعزل عن الحضور العشائري في مسيرتها. فالعشائر كانت جزءاً أصيلاً من التكوين الوطني، وأسهم أبناؤها في بناء مؤسسات الدولة والدفاع عنها وخدمة مجتمعها. وهذه العلاقة لم تكن مجرد تحالف ظرفي فرضته مرحلة تاريخية، بل تطورت مع تطور الدولة الأردنية نفسها. انتقل أبناء العشائر إلى الجامعات والقضاء والجيش والإدارة والبرلمان والقطاع الخاص والمهن المختلفة، وبقي الانتماء العشائري حاضراً إلى جانب الانتماء الوطني دون أن يمنع تطور مؤسسات الدولة الحديثة.

ولهذا فإن اختزال العشائرية باعتبارها نقيضاً للتحديث ينطلق، في تقديري، من فهم قاصر لمعنى الحداثة نفسها. فالحداثة ليست عملية اقتلاع اجتماعي، والدولة المدنية ليست مشروعاً لإعادة تشكيل المجتمع وفق نموذج اجتماعي واحد. قوة الدولة المدنية تكمن تحديداً في قدرتها على استيعاب تنوع مجتمعها داخل إطار دستوري وقانوني جامع. وما دامت المواطنة هي القاعدة التي تنظم الحقوق والواجبات، فإن تعدد الروابط الاجتماعية لا يضعف الدولة، بل يمكن أن يمنحها عمقاً اجتماعياً إضافياً.

والتحديث السياسي بدوره لا يحتاج إلى إضعاف العشائر حتى يتقدم. على العكس، يستطيع المجتمع العشائري أن يكون شريكاً فاعلاً في التحديث من خلال المشاركة السياسية، والعمل العام، والمبادرات المحلية، وتعزيز ثقافة المسؤولية، وإنتاج قيادات وطنية قادرة على الانتقال من خدمة محيطها الاجتماعي إلى خدمة المجال الوطني بأكمله. فالقيادة التي تنشأ في مجتمع يعرف معنى المسؤولية والتضامن ليست غريبة عن فكرة العمل العام، بل تحمل أساساً اجتماعياً يمكن أن يتحول إلى خبرة وطنية واسعة.

كما أن سيادة القانون لا تتعارض مع قوة الروابط العشائرية. فالقانون ينظم الحقوق والواجبات، بينما تمنح الروابط الاجتماعية المجتمع تماسكه الإنساني. القضاء يحمي الحقوق، والمؤسسات تدير الدولة، والمجتمع يحافظ على شبكة الثقة والتكافل والانتماء بين أفراده. وعندما تتكامل هذه الدوائر، تصبح الدولة أكثر قوة؛ لأن قوة الدولة ليست في أن يكون المجتمع ضعيفاً أمامها، بل في أن يكون المجتمع قوياً معها.

أنا لا أرى الدولة المدنية مشروعاً لإنتاج أردني بلا جذور، كما لا أرى الاعتزاز بالعشيرة عودة إلى الماضي. أرى في الجمع بينهما نموذجاً أردنياً قادراً على تقديم معنى أكثر نضجاً للحداثة: دولة قوية بمؤسساتها، عادلة بقانونها، متساوية بمواطنتها، ومجتمع قوي بتاريخه وروابطه وقيمه.

ولهذا فإن المعادلة ليست: العشيرة أم الدولة. فهذه معادلة مصطنعة من أساسها. العشيرة جزء من المجتمع، والمجتمع هو الحاضنة الطبيعية للدولة. وكلما كانت جذور المجتمع أكثر رسوخاً، كان البناء الوطني أكثر قدرة على الصمود. الدولة المدنية لا تطلب منا أن ننسى من أين جئنا، بل أن نعرف إلى أين نذهب معاً. فالعشيرة تمنح المجتمع ذاكرته وقيمه وتماسكه، والمواطنة تجمع الأردنيين في فضاء وطني واحد، والدولة المدنية تمنح هذا كله إطاراً مؤسسياً يحوله من قوة اجتماعية إلى قوة وطنية.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/08/11 الساعة 20:46