أُغلق بعد 24 ساعة من افتتاحه.. قصة الهرم الخرساني الأغلى في الحرب الباردة
مدار الساعة ـ نشر في 2026/08/11 الساعة 15:34
مدار الساعة -في قلب سهول داكوتا الشمالية، يقف هرم خرساني ضخم شُيّد خلال الحرب الباردة ليكون جزءًا من منظومة دفاع أمريكية ضد الصواريخ السوفيتية. أنفقت الولايات المتحدة مليارات الدولارات على مشروع «سيفغارد» الذي احتضن هذا الهرم وأنظمة رادار وصواريخ اعتراضية متطورة. لكن المفارقة أن المجمع دخل الخدمة رسميا في 1 أكتوبر 1975، وفي اليوم التالي مباشرة، 2 أكتوبر، صوّت مجلس النواب الأمريكي لصالح إغلاقه. ورغم أن المنشأة واصلت عمليات محدودة بعد ذلك، فإنها أُغلقت نهائيًا في عام 1976، لتصبح قصة أحد أقصر المشاريع العسكرية عمرًا وأكثرها إثارة للجدل في تاريخ الحرب الباردة.
مجمع ستانلي آر. ميكلسن للحماية، المعروف باسم Safeguard Complex، وهو مشروع عسكري أمريكي هائل صُمم في سبعينيات القرن الماضي لحماية صواريخ باليستية أمريكية من هجوم سوفيتي محتمل. وبلغت تكلفة المشروع نحو 5.7 مليارات دولار بالقيمة المتداولة للمشروع، في واحدة من أكبر عمليات الإنفاق على الدفاع الصاروخي في ذلك العصر.
يقع المجمع قرب بلدة نيكوما في داكوتا الشمالية، وكان الهدف من إنشائه حماية حقول صواريخ Minuteman الموجودة في قاعدة غراند فوركس الجوية. وكانت الفكرة تقوم على اعتراض الصواريخ السوفيتية قبل وصولها إلى أهدافها، باستخدام شبكة متطورة من الرادارات والصواريخ الاعتراضية.
ليس للزينة
لم يكن الشكل الهرمي للمبنى مجرد اختيار معماري غريب، بل كان جزءًا من تصميمه العسكري. فقد احتوى الهرم على أحد أهم أنظمة الرادار في المجمع، وهو رادار موقع الصواريخ (MSR)، الذي كان مسؤولًا عن تتبع الصواريخ والأهداف وتوجيه عملية الاعتراض.
أما رادار الاستحواذ المحيطي (PAR)، فكان مخصصًا لاكتشاف الصواريخ الباليستية القادمة من مسافات بعيدة، خصوصًا من الاتجاه الشمالي.
ولم يكن المجمع مجرد محطة رادار، بل منظومة دفاعية متكاملة. فقد زُود بـ30 صاروخًا اعتراضيًا من طراز Spartan و16 صاروخًا من طراز Sprint، صُممت للتعامل مع الصواريخ السوفيتية في مراحل مختلفة من رحلتها.
وكانت المنشآت مصممة لتحمل ظروف الحرب النووية، باستخدام كميات هائلة من الخرسانة وحديد التسليح. وتُظهر بيانات مركز تفسير استخدام الأراضي أن المشروع استهلك نحو 714 ألف قدم مكعبة من الخرسانة و27,500 طن من حديد التسليح، إضافة إلى أكثر من 2,200 ميل من الأسلاك الكهربائية. وشارك في عمليات البناء أكثر من 3,200 عامل، أما الهرم نفسه، فبلغت تكلفته نحو 140 مليون دولار في ذلك الوقت.
مشروع ضخم.. وعمر قصير
بدأت قصة المجمع رسميًا عندما وافق الكونغرس الأمريكي على المشروع عام 1969، قبل أن تبدأ أعمال البناء بين عامي 1970 و1974.وبعد سنوات من التخطيط والإنفاق والتشييد، دخل المجمع الخدمة رسميًا في 1 أكتوبر 1975.
لكن المفارقة الصادمة جاءت في اليوم التالي مباشرة، ففي 2 أكتوبر 1975، صوّت مجلس النواب الأمريكي لصالح إغلاق المنشأة. لم يكن السبب عطلًا تقنيًا أو فشلًا في الرادارات، بل تغيرًا في البيئة السياسية والاستراتيجية. فقد كانت الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي قد وقّعا معاهدة الحد من أنظمة الصواريخ المضادة للصواريخ الباليستية (ABM) عام 1972، والتي فرضت قيودًا على عدد ومواقع أنظمة الدفاع الصاروخي لدى الطرفين.
وبمرور الوقت، أصبح استمرار تشغيل المجمع موضع جدل، خصوصًا مع ارتفاع تكاليف تشغيله وتغير الاستراتيجية الدفاعية الأمريكية. ورغم قرار الإغلاق، لم يتوقف العمل في المنشأة في اليوم التالي مباشرة؛ إذ استمرت عمليات محدودة لفترة قصيرة، قبل أن يُغلق المجمع نهائيًا في عام 1976.
وهكذا أصبح المشروع، الذي استغرق سنوات من التخطيط والبناء، رمزًا للمفارقة الكبرى في سباق التسلح خلال الحرب الباردة: منشأة عسكرية بمليارات الدولارات لم تحصل على فرصة حقيقية لإثبات قدرتها في حرب فعلية.
من حصن نووي إلى مبنى مهجور
بعد إغلاق المجمع، أزيلت المعدات العسكرية الحساسة، وفُككت أجزاء من الأنظمة، وبقيت الهياكل الخرسانية شاهدة على مرحلة انتهت. ولعقود، ظل الهرم قائمًا في السهول، منفصلًا عن وظيفته الأصلية، وتحول تدريجيًا إلى واحد من أكثر المواقع غرابة المرتبطة بتاريخ الحرب الباردة في الولايات المتحدة. لكن قصة المنشأة لم تنتهِ تمامًا.
في عام 2017، استحوذت هيئة تنمية الوظائف في مقاطعة كافاليير على أجزاء من الموقع، بما فيها الهرم، وبدأت تظهر أفكار لإعادة استخدام المنشأة بدل تركها مهجورة. ومن بين أكثر المقترحات إثارة تحويل الموقع العسكري السابق إلى مركز بيانات متطور يعتمد على الحوسبة عالية الأداء. كما طُرحت فكرة إنشاء دفيئة تستفيد من الحرارة الناتجة عن خوادم الحاسوب، في محاولة لتحويل الطاقة المهدرة إلى مورد مفيد، وفقا لـ "dailygalaxy ".
وهكذا يمكن أن ينتقل الهرم من دوره الأصلي كحصن في مواجهة حرب نووية محتملة إلى وظيفة مختلفة تمامًا في عصر التكنولوجيا، من حماية الصواريخ إلى استضافة الخوادم والبيانات.
ورغم مرور نحو نصف قرن على إغلاقه، لا يزال هرم نيكوما يلفت الأنظار بسبب قصته غير العادية؛ فهو ليس مجرد مبنى عسكري مهجور، بل شاهد على حقبة أنفقت فيها القوى العظمى مليارات الدولارات استعدادًا لحرب لم تقع، قبل أن تتغير الحسابات السياسية وتُغلق بعض أغلى منشآت ذلك العصر بعد فترة قصيرة من دخولها الخدمة.
مجمع ستانلي آر. ميكلسن للحماية، المعروف باسم Safeguard Complex، وهو مشروع عسكري أمريكي هائل صُمم في سبعينيات القرن الماضي لحماية صواريخ باليستية أمريكية من هجوم سوفيتي محتمل. وبلغت تكلفة المشروع نحو 5.7 مليارات دولار بالقيمة المتداولة للمشروع، في واحدة من أكبر عمليات الإنفاق على الدفاع الصاروخي في ذلك العصر.
يقع المجمع قرب بلدة نيكوما في داكوتا الشمالية، وكان الهدف من إنشائه حماية حقول صواريخ Minuteman الموجودة في قاعدة غراند فوركس الجوية. وكانت الفكرة تقوم على اعتراض الصواريخ السوفيتية قبل وصولها إلى أهدافها، باستخدام شبكة متطورة من الرادارات والصواريخ الاعتراضية.
ليس للزينة
لم يكن الشكل الهرمي للمبنى مجرد اختيار معماري غريب، بل كان جزءًا من تصميمه العسكري. فقد احتوى الهرم على أحد أهم أنظمة الرادار في المجمع، وهو رادار موقع الصواريخ (MSR)، الذي كان مسؤولًا عن تتبع الصواريخ والأهداف وتوجيه عملية الاعتراض.
أما رادار الاستحواذ المحيطي (PAR)، فكان مخصصًا لاكتشاف الصواريخ الباليستية القادمة من مسافات بعيدة، خصوصًا من الاتجاه الشمالي.
ولم يكن المجمع مجرد محطة رادار، بل منظومة دفاعية متكاملة. فقد زُود بـ30 صاروخًا اعتراضيًا من طراز Spartan و16 صاروخًا من طراز Sprint، صُممت للتعامل مع الصواريخ السوفيتية في مراحل مختلفة من رحلتها.
وكانت المنشآت مصممة لتحمل ظروف الحرب النووية، باستخدام كميات هائلة من الخرسانة وحديد التسليح. وتُظهر بيانات مركز تفسير استخدام الأراضي أن المشروع استهلك نحو 714 ألف قدم مكعبة من الخرسانة و27,500 طن من حديد التسليح، إضافة إلى أكثر من 2,200 ميل من الأسلاك الكهربائية. وشارك في عمليات البناء أكثر من 3,200 عامل، أما الهرم نفسه، فبلغت تكلفته نحو 140 مليون دولار في ذلك الوقت.
مشروع ضخم.. وعمر قصير
بدأت قصة المجمع رسميًا عندما وافق الكونغرس الأمريكي على المشروع عام 1969، قبل أن تبدأ أعمال البناء بين عامي 1970 و1974.وبعد سنوات من التخطيط والإنفاق والتشييد، دخل المجمع الخدمة رسميًا في 1 أكتوبر 1975.
لكن المفارقة الصادمة جاءت في اليوم التالي مباشرة، ففي 2 أكتوبر 1975، صوّت مجلس النواب الأمريكي لصالح إغلاق المنشأة. لم يكن السبب عطلًا تقنيًا أو فشلًا في الرادارات، بل تغيرًا في البيئة السياسية والاستراتيجية. فقد كانت الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي قد وقّعا معاهدة الحد من أنظمة الصواريخ المضادة للصواريخ الباليستية (ABM) عام 1972، والتي فرضت قيودًا على عدد ومواقع أنظمة الدفاع الصاروخي لدى الطرفين.
وبمرور الوقت، أصبح استمرار تشغيل المجمع موضع جدل، خصوصًا مع ارتفاع تكاليف تشغيله وتغير الاستراتيجية الدفاعية الأمريكية. ورغم قرار الإغلاق، لم يتوقف العمل في المنشأة في اليوم التالي مباشرة؛ إذ استمرت عمليات محدودة لفترة قصيرة، قبل أن يُغلق المجمع نهائيًا في عام 1976.
وهكذا أصبح المشروع، الذي استغرق سنوات من التخطيط والبناء، رمزًا للمفارقة الكبرى في سباق التسلح خلال الحرب الباردة: منشأة عسكرية بمليارات الدولارات لم تحصل على فرصة حقيقية لإثبات قدرتها في حرب فعلية.
من حصن نووي إلى مبنى مهجور
بعد إغلاق المجمع، أزيلت المعدات العسكرية الحساسة، وفُككت أجزاء من الأنظمة، وبقيت الهياكل الخرسانية شاهدة على مرحلة انتهت. ولعقود، ظل الهرم قائمًا في السهول، منفصلًا عن وظيفته الأصلية، وتحول تدريجيًا إلى واحد من أكثر المواقع غرابة المرتبطة بتاريخ الحرب الباردة في الولايات المتحدة. لكن قصة المنشأة لم تنتهِ تمامًا.
في عام 2017، استحوذت هيئة تنمية الوظائف في مقاطعة كافاليير على أجزاء من الموقع، بما فيها الهرم، وبدأت تظهر أفكار لإعادة استخدام المنشأة بدل تركها مهجورة. ومن بين أكثر المقترحات إثارة تحويل الموقع العسكري السابق إلى مركز بيانات متطور يعتمد على الحوسبة عالية الأداء. كما طُرحت فكرة إنشاء دفيئة تستفيد من الحرارة الناتجة عن خوادم الحاسوب، في محاولة لتحويل الطاقة المهدرة إلى مورد مفيد، وفقا لـ "dailygalaxy ".
وهكذا يمكن أن ينتقل الهرم من دوره الأصلي كحصن في مواجهة حرب نووية محتملة إلى وظيفة مختلفة تمامًا في عصر التكنولوجيا، من حماية الصواريخ إلى استضافة الخوادم والبيانات.
ورغم مرور نحو نصف قرن على إغلاقه، لا يزال هرم نيكوما يلفت الأنظار بسبب قصته غير العادية؛ فهو ليس مجرد مبنى عسكري مهجور، بل شاهد على حقبة أنفقت فيها القوى العظمى مليارات الدولارات استعدادًا لحرب لم تقع، قبل أن تتغير الحسابات السياسية وتُغلق بعض أغلى منشآت ذلك العصر بعد فترة قصيرة من دخولها الخدمة.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/08/11 الساعة 15:34