المستقبل.. بالأرقام!

النائب تمارا يعقوب ناصر الدين
مدار الساعة ـ نشر في 2026/08/10 الساعة 15:46
مبارك لكل طالب وطالبة نجحوا هذا العام، ومبارك لعائلاتهم التي عاشت معهم تفاصيل هذه الرحلة، بكل ما فيها من قلق وسهر وانتظار. أما من لم يحالفهم التوفيق هذه المرة، فنتمنى لهم حظًا أكبر في المحطة المقبلة. ونقول لهم إن هذه ليست نهاية الطريق وإنما محطة في طريق طويل، وقد يكون النجاح ينتظرهم في مكان آخر، وفي تخصص آخر، وفي مسار لم يخطر لهم على بال.

في كل عام، ومع إعلان نتائج الثانوية العامة، تتكرر المشاهد نفسها في البيوت الأردنية؛ فرحة، ودموع وهواتف لا تتوقف، وشاشات صغيرة تحمل أرقامًا تبدو، في لحظة الإعلان، وكأنها قادرة على أن تقول كل شيء عن مستقبل إنسان.

لكنها، في الحقيقة، لا تقول إلا القليل!

معدل التوجيهي مهم، نعم، وهو نتيجة جهد يستحق التقدير، لكنه لا يمكن أن يكون شهادة نهائية في قدرات الطالب، ولا أن يتحول إلى حكم مبكر على المستقبل. فالإنسان ليس رقمًا، وما يظهر على شاشة في لحظة واحدة لا يستطيع أن يختصر سنوات من الحياة، ولا أن يقيس الفضول والشغف والقدرة على التعلم والمثابرة، ولا حتى أن يخبرنا أي طريق سيكون أكثر ملاءمة لصاحبه.

نحن أحيانًا، نحمّل نتيجة التوجيهي أكثر مما تحتمل، ونضع أمام طالب في السابعة عشرة أو الثامنة عشرة سؤالًا كبيرًا جدًا: ماذا ستفعل بمستقبلك؟ وكأنه مطالب بأن يعرف، في هذا العمر، الطريق كله، وأن يختار التخصص الذي سيبقى معه إلى آخر العمر.

وهنا تحديدًا نحتاج إلى أن نعيد النظر في مفهوم النجاح، وفي نظرتنا إلى التخصص الجامعي.

التخصصات التطبيقية والمهنية لم تعد خيارًا ثانيًا، ولا محطة يلجأ إليها من لم يحالفه الحظ في الحصول على معدل مرتفع. العالم يتغير، وسوق العمل يتغير معه، والاقتصادات الحديثة تحتاج إلى مهارات عملية وتقنية لا تقل أهمية عن المعرفة النظرية، بل إن بعضها أصبح في قلب الوظائف الأكثر طلبًا.

نحتاج إلى مهندس وفني وتقني ومختص في التكنولوجيا، كما نحتاج إلى الباحث والأكاديمي والطبيب والإعلامي. ونحتاج إلى إنسان يعرف كيف يحوّل المعرفة إلى عمل، والفكرة إلى مشروع، والمهارة إلى فرصة.

وفي هذا السياق، من حقنا أن نفتخر بجامعاتنا الوطنية الأردنية، وأن نثق بما قدمته وما تزال تقدمه من تعليم وكفاءات وخبرات. فجامعاتنا ليست مجرد بوابات للعبور إلى الشهادة، وإنما مؤسسات وطنية تحمل جزءًا أساسيًا من مسؤولية بناء الإنسان الأردني وتأهيله لعالم يتغير كل يوم.

ولعل نتائج التوجيهي تكون فرصة لنا جميعًا، وليس للطلبة وحدهم، كي نتوقف قليلًا عن سؤال: «كم جبت؟» ونسأل بدلًا منه: «ماذا تحب أن تصبح؟ ماذا تجيد؟ وأين يمكن أن تبدع؟»

فالنجاح أكبر من رقم، والمستقبل أوسع من تخصص واحد، والجامعة ليست نهاية الطريق وإنما بدايته.

أما الرقم الذي ظهر اليوم على الشاشة، فسوف يبقى مجرد رقم.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/08/10 الساعة 15:46