تحذيرات في وادي السيليكون من خلق 'طبقة دنيا دائمة' بسبب الذكاء الاصطناعي

مدار الساعة ـ نشر في 2026/08/10 الساعة 15:08
مدار الساعة -في منطقة خليج سان فرانسيسكو، تتكرر كثيراً رواية واحدة بشأن الذكاء الاصطناعي: هذه التكنولوجيا، وفق كثير من العاملين في مختبراتها، ستخلق «طبقة دنيا دائمة» في المجتمع.

وأشار داريو أمودي، الرئيس التنفيذي لشركة «أنثروبيك»، إلى هذا الاحتمال في تصريحات أثارت نقاشاً واسعاً منذ عام 2025، ثم عاد إليه في مقال نشره أخيراً. وتوقع أن الذكاء الاصطناعي قد يزيح ما يصل إلى نصف وظائف الياقات البيضاء للمبتدئين خلال فترة تتراوح بين سنة وخمس سنوات، وأن يدفع البطالة إلى مستويات أعلى بكثير من المعتاد. غير أن هذا التقدير يظل توقعاً صادراً عن قائد شركة تطور النماذج نفسها، لا نتيجةً أثبتتها بيانات سوق العمل حتى الآن.

ولا يلغي موقع أمودي التجاري قيمة تحذيره، لكنه يستوجب قراءة مزدوجة؛ فهو مطلع على قدرات النماذج واتجاه تطويرها، وفي الوقت نفسه يقود شركة تستفيد من الاعتقاد بأن هذه التكنولوجيا ستغير الاقتصاد جذرياً.

وتقوم الفكرة على أنه مع اقتراب النماذج من تحقيق الذكاء الاصطناعي العام، ستصبح منصات الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات والطاقة التي تشغل جانباً كبيراً من الاقتصاد مملوكة لنخبة تكنولوجية صغيرة.

وسيحل الذكاء الاصطناعي القائم على الوكلاء والروبوتات المتقدمة محل العمل بصورته التي نعرفها، وستختفي غالبية الوظائف. ووفق هذه الرؤية السائدة في سان فرانسيسكو، ستجد أغلبية السكان نفسها من دون أصول تذكر، فيما ستواجه صعوبة في تحقيق دخل لائق من بيع قوة عملها.

خطر الحرمان

لكن تعبير «الطبقة الدنيا الدائمة» يحتاج إلى تحديد؛ فهو لا يعني بالضرورة كتلةً من العاطلين الذين لا يعملون مطلقاً، بل قد يصف فئةً أوسع تعمل في وظائف منخفضة الأجر وغير مستقرة، ولا تملك أصولاً منتجة، وتتراجع القيمة السوقية لمهاراتها، فتفقد قدرتها على بناء الثروة أو تمويل انتقال أبنائها إلى مراتب اجتماعية أعلى.

وبذلك لا يكمن الخطر في البطالة وحدها، بل في اجتماع أربعة أشكال من الحرمان: ضعف الأجر، وفقر الأصول، وهشاشة العمل، وانسداد الحراك الاجتماعي.

ولا تصبح هذه الطبقة «دائمة» لمجرد أن عاملاً فقد وظيفته، وإنما حين تتحول خسارة الدخل والمهارة إلى وضع يتوارثه الأبناء، بسبب تراجع قدرة الأسرة على الإنفاق على التعليم والصحة والسكن والوصول إلى الشبكات المهنية. ومن هنا فإن القضية لا تتعلق بمستقبل العمل فقط، بل بمستقبل انتقال المكانة الاقتصادية بين الأجيال.

ينبغي للاقتصاديين التعامل بحذر مع الروايات الكبرى التي تفتقر إلى الأدلة الصلبة. ومن المؤكد أن آراء العاملين في قطاع التكنولوجيا لا تزال في نطاق التوقعات. كما أن بيانات سوق العمل لا تقدم حتى الآن سوى أدلة محدودة وغير حاسمة على الاضطراب الذي أحدثه الذكاء الاصطناعي، فيما توقع بعض أبرز الاقتصاديين أن يكون تأثيره أكثر اعتدالاً.

بل إن الصورة الإجمالية لسوق العمل الأميركي لا تزال أكثر استقراراً مما توحي به تحذيرات وادي السيليكون. وحتى مطلع أغسطس 2026، لم تظهر قفزة عامة في البطالة أو التسريح يمكن نسبتها بوضوح إلى الذكاء الاصطناعي؛ إذ ظلت طلبات إعانة البطالة عند مستويات منخفضة، فيما تراجعت إعلانات التسريح في يوليو إلى أدنى مستوى لها خلال عامين. وفي المقابل، ارتفعت إنتاجية العامل، ما ينسجم حتى الآن مع سيناريو تعزيز العمل أكثر مما يثبت سيناريو استبداله الشامل.

بين التحول والاختفاء

لكن غياب الأثر الكلي لا يعني غياب التحول داخل القطاعات. فقد تتراجع فرص الخريجين في البرمجة أو الخدمات القانونية أو التسويق، من دون أن تظهر سريعاً في معدل البطالة العام، لأن الأثر قد يبدأ بتقليل التوظيف الجديد، وعدم تعويض المغادرين، وإلغاء وظائف لم تُعلن أصلاً، قبل أن يتحول إلى موجة تسريح ظاهرة.

وتدعم تقديرات منظمة العمل الدولية هذا التحفظ؛ فهي ترى أن الذكاء الاصطناعي التوليدي سيغير مهام عدد كبير من الوظائف، لكن تحول الوظائف أقرب في المدى القصير من اختفائها بالكامل، لأن معظم المهن تجمع بين مهام قابلة للأتمتة وأخرى تحتاج إلى الحكم البشري والتواصل والمسؤولية.

لكننا ما زلنا في المراحل الأولى من تبني الذكاء الاصطناعي. ونظرية «الطبقة الدنيا»، رغم احتمال مبالغتها، قد تشير إلى بعض الحقائق غير المريحة.

فإذا ذهبت مكاسب الذكاء الاصطناعي بصورة أساسية إلى مالكي رأس المال وبعض الموظفين ذوي الخبرة العالية، فقد تدفع ديناميكيات سوق العمل باتجاه خفض مهارات فئات أخرى من العمال وتقليل قيمة عملهم.

وإذا أدى ذلك إلى تراجع الاستثمار في رأس المال البشري لدى العمال منخفضي الأجور، فقد يتحرك المجتمع نحو سيناريو يشبه إلى حد ما الرؤية المتشائمة السائدة في سان فرانسيسكو.

وتشير أبحاث إلى أن الأتمتة قد تقود إلى انقسام حاد في نتائج سوق العمل.

وتقدم ورقة ديفيد أوتور ونيل تومبسون إطاراً أكثر تعقيداً من التقسيم التقليدي بين وظائف تحافظ عليها التكنولوجيا وأخرى تقضي عليها. فالأتمتة قد ترفع الأجر عندما تتولى المهام البسيطة داخل المهنة، لأن المهام المتبقية تصبح أكثر اعتماداً على الخبرة النادرة، وإن أدى ذلك في الوقت نفسه إلى انخفاض عدد العاملين القادرين على أدائها. وقد يحدث العكس عندما تستبدل الآلة جوهر الخبرة نفسها؛ إذ يصبح العمل متاحاً لعدد أكبر من الناس، فترتفع العمالة أحياناً بينما تنخفض علاوة الأجر التي كان يحصل عليها الخبير.

وبذلك لا تنتج الأتمتة فائزين وخاسرين في صورة واحدة ثابتة؛ فقد تقود إلى أجور أعلى ووظائف أقل، أو إلى وظائف أكثر بأجور أدنى، أو إلى زيادة الإنتاجية من دون انتقال قيمتها إلى العامل. والسؤال الحاسم ليس فقط: أي المهام تستطيع الآلة تنفيذها؟ بل: هل تزيل المهام البسيطة وتزيد قيمة الخبرة البشرية، أم تستحوذ على الخبرة نفسها وتحولها إلى خدمة متاحة بثمن منخفض؟

المستخدم الخبير

وأظهر بحث أجرته «أنثروبيك» حول استخدام «Claude Code» أن أصحاب الخبرة في المجال استطاعوا توجيه الأداة إلى تنفيذ عمليات أكثر تعقيداً وإنتاج مخرجات أكبر من المستخدمين الأقل خبرة. وتشير النتيجة إلى أن الخبرة البشرية تظل مهمة في تحديد المشكلة، وصياغة التعليمات، واكتشاف الأخطاء، وتصحيح مسار الوكيل البرمجي. لكنها لا تثبت بذاتها أن هؤلاء المستخدمين حصلوا على أجور أو عوائد مالية أعلى، ولا أن المكاسب ذهبت إليهم بدلاً من أصحاب العمل.

كما ينبغي التعامل بحذر مع هذه النتيجة؛ فالمستخدم الخبير قد ينجز مشروعات أكثر تعقيداً بطبيعته، وقد تكون كثرة المخرجات مؤشراً إلى صعوبة المهمة لا إلى جودة النتيجة. لذلك يكشف البحث عن علاقة بين الخبرة وطريقة الاستخدام، لكنه لا يقدم بعد دليلاً سببياً على أثر الذكاء الاصطناعي في الأجور أو الترقي المهني.

ومع تعزيز الذكاء الاصطناعي للإنتاجية، قد تتركز مكاسب الابتكار في أيدي مالكي رأس المال وأصحاب الخبرات، وهي بدورها شكل من أشكال رأس المال البشري.

لكن دراسات أخرى توصلت إلى نتيجة معاكسة جزئياً، ورأت أن الذكاء الاصطناعي قد يقلص فجوة الخبرة بدلاً من توسيعها. ففي دراسة ميدانية شملت أكثر من خمسة آلاف موظف في خدمة العملاء، رفع المساعد الذكي الإنتاجية بنحو 15% في المتوسط، لكن المكاسب كانت أكبر بكثير لدى الموظفين المبتدئين والأقل مهارة، إذ قاربت 34%، بينما كان أثره محدوداً لدى الأكثر خبرة.

وبدا أن النظام نقل إلى المبتدئين بعض الأنماط التي طورها أفضل الموظفين، وساعدهم على التعامل مع الحالات المعقدة وتحسين لغتهم وسرعة استجابتهم. وبذلك عمل الذكاء الاصطناعي بوصفه وسيلةً لنشر الخبرة المختزنة داخل المؤسسة، لا أداةً لزيادة تفوق الخبراء وحدهم.

غير أن ارتفاع إنتاجية المبتدئ لا يضمن تحسن موقعه الاقتصادي. فقد تستخدم الشركة الزيادة لرفع الأجر، أو لتقليل عدد الموظفين، أو لزيادة حجم العمل من دون تحسين التعويض. كما قد يؤدي انتشار الخبرة الآلية إلى خفض القيمة السوقية للخبرة البشرية نفسها. ولذلك يجب الفصل بين أربعة آثار مختلفة: إنتاجية العامل، وأجره، وعدد العاملين المطلوبين، والجهة التي تحتفظ بالقيمة الإضافية.

سابقة مفيدة

وتقدم دراسة اعتمدت على بيانات براءات اختراع أميركية وسجلات الضرائب دليلاً تاريخياً على أن ارتفاع إنتاجية الشركة لا ينتقل تلقائياً وبالتساوي إلى العاملين فيها. فقد وجدت أنه مقابل كل دولار من الفائض التشغيلي المرتبط بالموافقة على براءة اختراع، حصل العاملون في صورة أجور إضافية على نحو 29 سنتاً، فيما بقي الجزء الأكبر لدى الشركة ومالكيها.

ولم تتوزع حصة العاملين بالتساوي؛ إذ تركزت المكاسب لدى المخترعين، والعاملين الأعلى أجراً، ومن كانوا موجودين في الشركة منذ تقديم طلب البراءة. ولذلك توحي الدراسة بأن الابتكار قد يرفع الأجور ويزيد اللامساواة داخل المؤسسة في الوقت نفسه. لكنها لا تقيس الذكاء الاصطناعي تحديداً، ولا يجوز اعتبار نسبتها قاعدة ثابتة لتوزيع مكاسبه؛ فهي تقدم سابقةً مفيدة عن تقاسم ريع الابتكار، لا تنبؤاً مباشراً بالمستقبل.

لذلك، لن يكون مفاجئاً إذا ذهبت المكاسب الاقتصادية الناتجة عن الذكاء الاصطناعي في المقام الأول إلى الجهات التي تبني مراكز البيانات والنماذج الأكثر تقدماً.

وتنبع قابلية هذا القطاع للتركز من ارتفاع كلفة بناء النماذج المتقدمة، وندرة الرقائق، والحاجة إلى عقود ضخمة وطويلة الأجل للطاقة، فضلاً عن تكامل شركات قليلة بين الحوسبة السحابية والنموذج والتطبيق وقاعدة العملاء. وكلما ارتفعت كلفة الدخول إلى السوق، أصبح من الأسهل على الشركات القائمة تحويل تفوقها التقني إلى ريع احتكاري مستمر.

ومع ذلك، ليست المركزية نتيجةً محتومة؛ إذ تستطيع النماذج المفتوحة والأصغر حجماً، وانخفاض كلفة الاستدلال، وتطوير رقائق منافسة، وسياسات منع الاحتكار، أن تحول بعض قدرات الذكاء الاصطناعي إلى سلعة واسعة الانتشار. وعندئذ قد تتراجع أرباح مطوري النماذج الأساسية، وتنتقل نسبة أكبر من القيمة إلى الشركات الصغيرة والعاملين والمستهلكين.

ومن ثم، فإن توزيع مكاسب الذكاء الاصطناعي سيتوقف على صراع بين قوتين: قوة التركيز التي تدفعها الكلفة ووفورات الحجم، وقوة الانتشار التي تدفعها المنافسة والنماذج المفتوحة وتراجع الأسعار.

ورغم أن الاقتصاديين يفترضون عادة بقاء حصتي العمل ورأس المال من الإنتاج مستقرتين على المدى الطويل، فإن أوساط التكنولوجيا في سان فرانسيسكو ترى أن الذكاء الاصطناعي القائم على الوكلاء سيستبدل رأس المال بالعمل، ويغير هذه المعادلة.

وقد تؤدي التأثيرات غير المباشرة للذكاء الاصطناعي في سوق العمل إلى توسيع الفجوة بين أصحاب الأجور المرتفعة والمنخفضة.

خبراء المستقبل

وقد يظهر الخطر أولاً في الوظائف المبتدئة، لا لأنها الأعلى أجراً، بل لأنها تشكل الممر الذي يكتسب عبره العامل خبرته. فالمحامي الشاب يتعلم من البحث وإعداد المسودات، والمبرمج من كتابة الشفرة واكتشاف أخطائها، والمحاسب من مراجعة السجلات، والصحافي من جمع المعلومات والتحقق منها. وإذا تولت النماذج هذه المهام، فقد تحتفظ المؤسسات مؤقتاً بخبرائها، لكنها تقلص القاعدة التي تصنع خبراء المستقبل.

وينشأ عندئذ تناقض بعيد المدى: تحتاج الشركة إلى موظفين قادرين على الإشراف على الآلة وتصحيحها، لكنها تلغي الوظائف التي كان الموظف يتعلم من خلالها الوصول إلى هذه المرتبة. وقد يتحول المسار المهني من سلم متدرج إلى قفزة لا يستطيع اجتيازها إلا من دخل سوق العمل وهو يمتلك تعليماً مرتفع الكلفة أو شبكة علاقات وخبرة سابقة.

ولا تقيس معدلات البطالة التقليدية هذه الخسارة بسهولة؛ إذ قد تظهر في صورة انخفاض تدريجي في توظيف الخريجين، أو تقليص برامج التدريب، أو مطالبة المتقدم إلى وظيفة مبتدئة بخبرة لم تعد الشركات مستعدة لتمويل اكتسابها.

فمع فقدان العمال الذين تراجعت قيمة مهاراتهم لوظائفهم، قد يؤدي فائض العمالة منخفضة المهارة الجديدة إلى خفض أجور جميع العمال ذوي المهارات المنخفضة.

وربما تظهر وظائف جديدة منخفضة المهارة نتيجة الطلب الهائل لنماذج الذكاء الاصطناعي على البيانات، مثل وظائف جمع البيانات وتجميعها، لكن من الصعب اليوم معرفة طبيعة هذه الوظائف ومستويات أجورها.

وظائف جديدة

وقد لا تقتصر الوظائف الجديدة على جمع البيانات وتصنيفها؛ إذ قد يظهر طلب على مراقبة الوكلاء، وتدقيق المخرجات، والتحقق من المعلومات، واختبار السلامة، وصيانة مراكز البيانات، وتأمين الأنظمة، وتدريب الروبوتات عن بعد، وتحديد المسؤولية القانونية عن القرارات الآلية. كما قد ترتفع قيمة الخدمات التي يصعب اختزالها في بيانات، مثل الرعاية المباشرة والتفاوض والقيادة وبناء الثقة.

لكن ظهور وظائف جديدة لا يحسم المسألة. فالسؤال هو ما إذا كانت هذه الوظائف ستوفر أجوراً مستقرة ومساراً للترقي واكتساب الخبرة، أم ستتحول إلى أعمال مؤقتة ومجزأة يؤديها عمال موزعون عبر منصات رقمية مقابل أجور منخفضة. لقد عوضت التقنيات السابقة بعض الوظائف التي أزالتها، لكنها لم تضمن دائماً أن تكون الوظائف البديلة في المكان نفسه أو بمستوى الأجر والحماية ذاتهما.

وقد يترك التباين في الإنتاجية آثاراً طويلة الأمد.

فرفع مهارات العمال وإعادة تأهيلهم أمر صعب. وتشير أبحاث أيضاً إلى أن الصدمات التي تصيب أجور الآباء قد تؤثر في تطوير مهارات الأبناء، ما يسمح بانتقال آثار الأجور إلى الجيل التالي.

كما تشير الأدلة إلى أن العمال ذوي الدخول المنخفضة يستثمرون في رأس المال البشري بمعدلات أقل، ما يحد من فرص الحراك الاجتماعي.

غير أن الأجور ليست سوى جانب واحد من الانقسام المحتمل. فقد يحافظ بعض العاملين على دخول مقبولة، بينما تتسع الفجوة بينهم وبين مالكي الأسهم والبنية التحتية التقنية؛ لأن قيمة الشركات ومراكز البيانات وشبكات الطاقة والأراضي المرتبطة بها قد ترتفع أسرع بكثير من دخل العمل.

ومن ثم، قد تظهر الطبقة الدنيا الجديدة لا نتيجة انهيار الأجور وحده، بل نتيجة اتساع فجوة الأصول. فمن يحصل على راتب ثابت من دون امتلاك أسهم أو مسكن أو حصة في رأس المال المنتج قد يجد نفسه يتراجع نسبياً، حتى لو لم ينخفض دخله الاسمي. وفي المقابل، يستطيع مالك الأصل أن يراكم الثروة من ارتفاع قيمته من دون زيادة مماثلة في العمل.

ويعني ذلك أن قياس أثر الذكاء الاصطناعي يجب ألا يقتصر على البطالة ومتوسط الأجور، بل ينبغي أن يشمل توزيع ملكية أسهم الشركات، وصناديق التقاعد، والعقارات، وحقوق الملكية الفكرية، ومقدار ما يصل إلى الأسر العادية من عوائد رأس المال.

ومع اتساع فجوة الإنتاجية بين العمال، قد يتراجع الحافز للاستثمار في تعليم وتدريب ذوي الدخول المنخفضة، ما يزيد الانقسام في سوق العمل.

ولا يقتنع الجميع برؤية «الطبقة الدنيا الدائمة».

ففي المقابل، يرى آخرون أن مكاسب الإنتاجية الناتجة عن الذكاء الاصطناعي ستزيد الإنتاج، وتخفض الأسعار، وتعود بالفائدة على المستهلكين.

لكن ذلك يعتمد على الطريقة التي ستعزز بها التكنولوجيا الإنتاج. فالذكاء الاصطناعي سيولد كميات هائلة من البرمجيات منخفضة الكلفة، لكنه سيكون أقل قدرة على زيادة المعروض من السلع الأساسية التي يصعب توسيع إنتاجها سريعاً، مثل الإسكان.

ويكشف ذلك حدود الحجة القائلة إن الجميع سيستفيد بصفته مستهلكاً، حتى إن لم يستفد بصفته عاملاً. فقد يخفض الذكاء الاصطناعي كلفة كتابة البرامج والترجمة والتصميم والاستشارات الأولية، لكنه لا يستطيع بمفرده مضاعفة عدد المنازل في مدينة تمنع البناء، أو توفير الأراضي، أو إنشاء المستشفيات وشبكات الكهرباء والنقل بالسرعة نفسها.

وقد ينتج عن ذلك عالم غريب تصبح فيه المعرفة الرقمية والترفيه والبرمجيات أرخص كثيراً، بينما يظل السكن والعلاج والتعليم الجيد ورعاية الأطفال باهظة. وإذا تراجعت أجور بعض العمال، فلن يعوضهم حصولهم على خدمات رقمية شبه مجانية عن عجزهم عن شراء السلع التي تحدد أمنهم المادي ومكانتهم الاجتماعية.

بل قد تؤدي مكاسب القطاع التقني إلى رفع أسعار الأصول المحدودة؛ إذ يستخدم أصحاب الدخول والثروات الجديدة أرباحهم لشراء العقارات والأراضي والخدمات النادرة، فتتسع الفجوة بين الوفرة الرقمية والندرة المادية.

وقد تجعل مكاسب الإنتاجية غير المتكافئة هذه السلع أقل قدرة على الوصول إليها بالنسبة إلى العمال الذين فقدت مهاراتهم قيمتها.

اقتصادات متقدمة

ولا يتوزع الخطر بالتساوي بين الدول. فالاقتصادات الغنية تضم نسبة أكبر من الوظائف المكتبية والرقمية المعرضة لتغير سريع، بينما تقل نسبة الوظائف القابلة للأتمتة المباشرة في الدول النامية. وتشير تقديرات حديثة للبنك الدولي إلى أن نسبة الوظائف المعرضة لخطر الاستبدال أعلى في الاقتصادات المتقدمة منها في الاقتصادات الناشئة، حيث يمكن أن يعمل الذكاء الاصطناعي أداةً لتحسين الطب والتعليم والزراعة والوصول إلى الخدمات.

لكن انخفاض خطر الاستبدال لا يعني أن الدول الأفقر ستكون رابحةً. فقد يحرمها ضعف الكهرباء والإنترنت والمهارات الحاسوبية من مكاسب التكنولوجيا، بينما تدفع مقابل النماذج والسحابة والرقائق إلى شركات أجنبية. كما تواجه الاقتصادات المعتمدة على التعهيد وخدمات العملاء والبرمجة الأولية احتمال فقدان مصدر مهم من الوظائف والعملات الأجنبية.

وعندئذ قد تنشأ فجوة جديدة بين دول تملك القدرة الحاسوبية والنماذج والطاقة والمهارات، ودول تستهلك خدمات الذكاء الاصطناعي من دون أن تحصل على نصيب مماثل من ملكيتها وعوائدها. وبذلك لا يهدد الذكاء الاصطناعي بتكوين طبقة دنيا داخل المجتمعات فقط، بل بتثبيت موقع بعض الاقتصادات في أسفل سلسلة القيمة العالمية.

ولا تبدو «طبقة دنيا دائمة» واقعاً وشيكاً، لكن الذكاء الاصطناعي قد يجعل، على المدى القريب، بعض الناس أكثر ثراءً، فيما يجعل آخرين أسوأ حالاً.

ما المطلوب؟

ويمكن لصناع السياسات التحرك قبل أن تتضح الصورة النهائية؛ لأن السياسة المطلوبة لا تعتمد على تحقق سيناريو البطالة الشاملة. فتحسين التأمين ضد البطالة، وفصل التأمين الصحي عن الوظيفة، ودعم الانتقال بين المهن، وتوسيع التدريب، إجراءات مفيدة حتى إذا اقتصر الأثر على تسارع التحولات المهنية.

لكن التدريب وحده لن يكون كافياً إذا كانت المشكلة في غياب الطلب على العمل أو تركز ملكية رأس المال. لذلك ينبغي تصميم الاستجابة بحسب طبيعة الخلل:

إذا كان الخطر فقدان الوظائف، تصبحn الأولوية لحماية الدخل وتمويل الانتقال المهني.

وإذا كان الخطر انخفاض الأجور، تبرزn الحاجة إلى تقوية التفاوض الجماعي، ورفع الحد الأدنى للأجور، وتوسيع دعم دخل العاملين.

وإذا كان الخطر تركز الثروة، يصبحn توسيع ملكية الأسهم وصناديق التقاعد ومشاركة الأرباح، إلى جانب مكافحةn الاحتكار، أكثر أهمية.

وإذا كان الخطر اختفاء الوظائفn المبتدئة، فعلى الحكومات والشركات حماية برامج التدرج المهني، وإعادة تصميمn التعليم بحيث يستخدم الذكاء الاصطناعي لتكوين الخبرة لا لمنع اكتسابها.

وإذا كانت مكاسب الإنتاجية لا تصلn إلى الإسكان والصحة والتعليم، فلا بد من زيادة عرض هذه الخدمات، حتى لا يعيش الناس في وفرة رقمية وفقر مادي.

وقد تشمل الاستجابة الأبعد مدى إنشاء صناديق اجتماعية أو عامة تملك حصصاً في البنية الرقمية، أو فرض مشاركة العاملين في مكاسب الإنتاجية، أو تقليل ساعات العمل بدلاً من الاستغناء عن الموظفين. فليس ثمة سبب اقتصادي يحتم أن تتحول كل زيادة في الإنتاجية إلى أرباح أو بطالة؛ يمكن أن تتحول أيضاً إلى أجور أعلى، أو وقت عمل أقل، أو خدمات عامة أفضل.

احتكار التكنولوجيا

لا تبدو «طبقة دنيا دائمة» واقعاً حتمياً أو وشيكاً. فبعض الأدلة يشير إلى أن الذكاء الاصطناعي قد يساعد المبتدئين أكثر من الخبراء، وينشر المعرفة، ويخفض كلفة الخدمات، ويولد أعمالاً لم تكن موجودة. لكن الأدلة نفسها لا تضمن أن يحتفظ العامل بقيمة الإنتاجية التي يضيفها، ولا أن تعوض الوظائف الجديدة ما يختفي من فرص، أو أن تصبح السلع الأساسية أكثر قدرة على الوصول إليها.

والفارق بين مستقبل يوسع الرخاء وآخر يرسخ الانقسام لن تحدده قدرة النماذج وحدها، بل الطريقة التي تُملك بها وتُنظم وتُستخدم. فإذا احتكرت قلةٌ النماذج والحوسبة والطاقة، وألغت الشركات بوابات الدخول إلى المهن، وبقيت عوائد رأس المال أسرع نمواً من الأجور، فقد تنشأ طبقة تعمل ولكنها لا تتقدم، وتستهلك التكنولوجيا من دون أن تمتلك نصيباً من أرباحها.

أما إذا خفضت المنافسة كلفة الأدوات، واستخدمتها المؤسسات لرفع قدرات العاملين، وحصل الموظفون والمجتمع على نصيب من المكاسب، فقد يصبح الذكاء الاصطناعي قوةً لتعميم الخبرة بدلاً من احتكارها. فالتكنولوجيا تستطيع أن تجعل اللامساواة ممكنة، لكنها لا تجعلها دائمة من تلقاء نفسها؛ الذي يحول الفارق في الإنتاجية إلى طبقة اجتماعية موروثة هو نظام الملكية والعمل والتعليم والضرائب.

ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيستبدل الإنسان، بل: من سيملك الآلة، ومن سيتعلم بمساعدتها، ومن سيتخذ القرار في مكان العمل، وكيف ستوزع القيمة التي تنتجها؟ ففي الإجابة عن هذه الأسئلة يتحدد ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيمنح المجتمع وقتاً ورفاهيةً أوسع، أم يبني اقتصاداً فائق الإنتاجية لا يجد معظم الناس فيه طريقاً إلى التقدم.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/08/10 الساعة 15:08