الزراعة العضوية في الأردن: استثمار في صحة الإنسان وبيئة الوطن

المهندسة الزراعية فداء الروابدة
مدار الساعة ـ نشر في 2026/08/10 الساعة 10:16
في ظل توجيهات جلالة الملك عبدالله الثاني بن الحسين حفظه الله في دعم الأمن الغذائي ورفع إنتاجية القطاع الزراعي وتوجيه جلالته البوصلة نحو إيجاد حلول فعالة وواقعية وقابلة للتنفيذ في الأردن والتركيز بضرورة دعم وتفعيل التشاركية بين القطاع العام والخاص كقيمة مضافة لزيادة فرص الإستثمار والتسويق في القطاع الزراعي،تعتبر الزراعة العضوية شريان رئيسي للأمن الغذائي وسلامة الغذاء فيها ركيزة أساسية يتم تحقيقها بهذة الزراعة.

خلال السنوات الأخيرة بدأت الزراعة العضوية تأخذ حيزاً من الإهتمام في الأردن والعالم العربي لتحقيق العديد من الأهداف والفوائد للإنسان والبيئة من خلال إستخدام المواد المتوفرة بالمزرعة وإستغلال أمثل للموارد الطبيعية والمحافظة عليها لإنتاج غذاء عالي الجودة وبأقل كمية ممكنة من الكيماويات والتقليل من تلوث موارد المياه الطبيعية بالإضافة إلى مكافحة الآفات والأمراض بطرق طبيعية ، مدعمةً بزيادة الوعي البيئي والغذائي وبعض المبادرات المحلية والدولية وتُعد الزراعة العضوية من القطاعات الزراعية الحديثة نسبياً، لكنها تشهد تطوراً متزايداً نتيجةً لتزايد الوعي بأهمية الغذاء الصحي.

وتعرف الزراعة العضوية بأنها نظام زراعي يعتمد على إستخدام المدخلات الطبيعية فقط في جميع مراحل الإنتاج دون اللجوء إلى المواد الكيميائية المصنعة مثل المبيدات والأسمدة الكيماوية ضمن شروط ومواصفات عالمية سعياً لتحقيق التوازن البيئي والمحافظة على خصوبة التربة وإنتاج غذاء صحي وآمن وبيئة نظيفة.

في الأردن خاصة ،لا تزال المساحات محدودة مقارنة بالزراعة التقليدية إلا أنها في إزدياد تدريجي. وحسب وزارة الزراعة الأردنية، بلغ عدد المزارع العضوية المعتمدة في المملكة حتى عام 2023 نحو ( 19 )مزرعة عضوية، بمساحة إجمالية تقدر بحوالي( 14,631 ) دونماً، كما سجلت الوزارة ثلاث منشآت معتمدة للإنتاج الحيواني العضوي، إلى جانب( 13) منشأة عاملة في مجال تصنيع وتجهيز ومدخلات الإنتاج العضوي.

أما أكثر المناطق التي توجد فيها مزارع عضوية فهي الأغوار الشمالية، محافظة عجلون، لواء الشوبك ، محافظة الكرك ،وجرش وغيرها من المناطق وتشمل المحاصيل المزروعة عضوياً الخضروات مثل الخيار، البندورة، الفلفل، الكوسا، الخس، والسبانخ ، بالإضافة إلى بعض الأعشاب الطبية والعطرية مثل النعناع، الميرمية، الزعتر، والبابونج ويشكل زيت الزيتون العضوي أحد أهم المنتجات العضوية المعدة للتصديرخصوصاً من مزارع محافظة الكرك ولواء الشوبك.

يتم منح شهادات الإعتماد للمنتجات العضوية في الأردن من خلال هيئات تفتيش وإعتماد معترف بها دولياً، مثل إيكوسيرت آي إم أو سويس Ecocert IMO Swiss AG (المعروفة سابقًا باسم: معهد بيئة السوق Institute for Market ecology (IMO)، سويسرا)، وسيريس للتفتيش والإعتماد CERES Certification of Environmental Standards GmbH (CERES)، ألمانيا. كما يمكن إصدار شهادات عضوية محلية من جهات تفتيش وإعتماد مرخصة وتعمل تحت إشراف وزارة الزراعة الأردنية حسب التشريعات الوطنية الناظمة للزراعة العضوية مثل نظام الزراعة العضوية لسنة 2016 وتعليمات الزراعة العضوية رقم (ز/4)لسنة 2025.

ولا يزال عدد المزارع الأردنية الحاصلة على شهادات الإعتماد العضوي، سواء المحلية أو الدولية محدود نسبياً، ومن أبرز الشهادات الدولية ،الشهادة العضوية للإتحاد الأوروبي European Union Organic (EU Organic) والبرنامج الوطني العضوي للولايات المتحدة United States Department of Agriculture National Organic Program (USDA Organic/NOP). ويعود ذلك إلى إرتفاع تكاليف التفتيش والإعتماد، وكثرة الإجراءات الفنية والإدارية، إضافة إلى متطلبات المحافظة على الإمتثال المستمر للمعايير العضوية.

ويتركز تسويق المنتجات العضوية الأردنية بصورة رئيسية في الأسواق المحلية ذات القوة الشرائية المرتفعة إلى جانب الأسواق التصديرية خاصة دول مجلس التعاون الخليجي ودول الإتحاد الأوروبي.في المقابل، لا يزال انتشار ثقافة إستهلاك المنتجات العضوية في السوق الأردني محدود نسبياً مما يتطلب تكثيف برامج التوعية والإرشاد لتعزيز معرفة المستهلكين بالفوائد الصحية والبيئية والإقتصادية للزراعة العضوية ودعم نمو هذا القطاع.

أما الدعم بأنواعه المختلفة فيتم تقديمه لهذة الزراعة من خلال المؤسسات الحكومية وغير الحكومية وما زال بحاجة إلى تعزيز في مجالات التدريب، التمويل والتسويق خاصة من خلال المنظمات الدولية مثل ( GIZ) الالماني والتي تدعم مزارعين عضويين بالتدريب والشهادات ،وأيضاً الجمعية الأردنية للزراعة العضوية (JOAA) والتي تعمل على التوعية والتدريب والمساعدة في التسويق.

ولا تخلو أي زراعة أو تطور زراعي من تحديات مثل التي تواجهها الزراعة العضوية منها إرتفاع التكاليف لمتطلبات العمالة وتكاليف السماد العضوي والمكافحة الحيوية ،وضعف التسويق بعدم وجود أسواق عضوية متخصصة وموحدة، ومحدودية الوعي لدى المستهلك الأردني بتفضيل الجودة على السعر لدعم الإقبال على هذة المنتجات،عدا عن صعوبة الحصول على شهادات عضوية لإرتفاع تكاليفها محلياً وعالمياً وأخيراً نقص البحث العلمي التطبيقي من دراسات وأبحاث كافية تدعم المزارعين بالمعلومات والإبتكارات المناسبة للبيئة المحلية.

ولا تتوقف الأمنيات والطموح المستقبلي خلال آفاق التطوير من التوسع في المساحات بخطط حكومية (غير رسمية) لرفع المساحات العضوية ،ودعم المزارعين للتحول للزراعة العضوية تدريجياً، والعمل على تسهيل منح الشهادات بتأسيس هيئة محلية لإعتماد المزارع العضوية من خلال المؤسسات الحكومية المعنية بالإضافة إلى دعم إنشاء أسواق عضوية محلية بعيداً عن الأسواق التقليدية لبيع منتجات عضوية مباشرة من المزارع للمستهلكين، وفتح الأسواق التصديرية بإستغلال الميزة النسبية التصديرية الأردنية لزيت الزيتون العضوي والمنتجات الطبية والعطرية خاصة لدول الخليج (الإمارات، قطر، السعودية،...)ودول أوروبا (ألمانيا، هولندا،..)، ،مع ضرورة توفير تمويل لمشاريع صغيرة ومتوسطة للتوسع في هذة الزراعة لخلق فرص عمل ودعم التنمية الريفية.

مع كل التحديات والطموح المستقبلي أيضاً لا يخلو الأردن من قصص نجاح أردنية مثل مزرعة عبدالله عرعر/التمور الوطنية، مزرعة سبكترا للتمور،مزرعة مزارع سما لانتاج التمور، مزرعة علي ديتس، مزرعة الموجب العضوية، مزارع الطوال ،مزارع الطبية العضوية ومزرعة السماعين وكلها تنتج حولي 16 منتجاً عضويا من التمور والخضار والحمضيات والزيتون والعسل والبيض والفواكه.

في الخلاصة

رغم أن الزراعة العضوية في الأردن لا تزال في مرحلة حديثة نسبياً، إلا أن الإمكانات متوفرة لتحقيق قفزة نوعية في هذا المجال. فالطلب الإقليمي والعالمي على الغذاء الصحي في تزايد والمناخ الأردني مناسب للعديد من المحاصيل العضوية مع تعزيز البنية التحتية، وتقديم الحوافز مع توسيع نطاق التوعية خطوة رائدة ،فسلامة الغذاء ركيزة أساسية في الأمن الغذائي الوطني والتنمية المستدامة وخياراً يتطلب شراكة حقيقية بين الحكومة، المزارعين والمجتمع المدني لدعم هذا التحول النوعي في القطاع الزراعي من خلال حملات توعية تقودها وزارات ومؤسسات غير ربحية حول فوائد الغذاء العضوي لا سيما للأطفال والنساء الحوامل.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/08/10 الساعة 10:16