خلاف يكشف سؤالاً أكبر
مدار الساعة ـ نشر في 2026/08/09 الساعة 19:43
قرأت باهتمام رد سعادة النائب صالح العرموطي على تصريحات دولة الدكتور بشر الخصاونة حول جماعة الإخوان المسلمين. وبداية، أقولها بوضوح: خلافي هنا مع التصريح، وليس مع أشخاص. فالنائب صالح العرموطي شخصية سياسية وبرلمانية معروفة، وله تاريخ طويل في العمل العام ومواقف عبر عنها بشجاعة ووضوح، ولا أكتب اليوم لأمس وطنيته أو انتماءه للأردن، فذلك ليس موضع نقاش بالنسبة لي أصلًا. لكن احترام الأشخاص لا يعني الاتفاق معهم، واحترام التاريخ السياسي لا يمنح أي موقف حصانة من النقد.
وقد استوقفني في رد سعادة النائب العرموطي حجم الحماسة في الدفاع عن الحركة الإسلامية، وسرعة الاعتراض على ما قاله دولة الدكتور بشر الخصاونة، والحرص على استدعاء التاريخ لإثبات أن الحركة لم تكن في مواجهة مع الدولة الأردنية. وهذا حق كامل له، كما أن من حق الدكتور بشر الخصاونة، الذي شغل مواقع حساسة في الدولة وكان شاهدًا على مرحلة بالغة الدقة، أن يقدم شهادته وتقييمه لما جرى.
لكن ما يعنيني هنا ليس الانتصار للخصاونة أو الدخول في خصومة مع العرموطي، بل سؤال أكثر أهمية: أين يجب أن تكون الأولوية عندما يصبح الأردن نفسه هو القضية؟
كنت أتمنى أن أسمع من النائب صالح العرموطي الحدة ذاتها، والغضب ذاته، والاستنفار السياسي ذاته، بل وأكثر، عندما استهدفت صواريخ إيرانية أراضي المملكة بصورة مباشرة، واضطر جيشنا العربي إلى اعتراضها دفاعًا عن سماء الأردن وأرضه وأمن مواطنيه. هنا لم نكن أمام رأي سياسي أو شهادة تاريخية أو خلاف بين شخصيتين أردنيتين، بل أمام حدث يتعلق مباشرة بأمن المملكة وسيادتها.
وهنا، في تقديري، يبدأ السؤال الحقيقي عن ترتيب الأولويات في الموقف السياسي.
فعندما يتعلق الأمر بالأردن، يجب أن تكون الأولويات واضحة. نحن أمام مسألتين مختلفتين تمامًا في الطبيعة والوزن: تصريح سياسي أدلى به رئيس وزراء أسبق حول تجربة عاشها وتقييمه لسلوك جماعة سياسية أردنية في مرحلة محددة، وفي المقابل صواريخ إيرانية استهدفت أراضي المملكة واضطر جيشنا العربي إلى التصدي لها دفاعًا عن الأردن وأمن مواطنيه.
ولهذا فإن ما أثار استغرابي ليس أن النائب صالح العرموطي رد على الدكتور بشر الخصاونة؛ فهذا حقه الكامل، والاختلاف مع الخصاونة جزء طبيعي من النقاش السياسي. ما أثار استغرابي هو حجم الحماسة للدفاع عن جماعة سياسية في مواجهة رأي سياسي، مقارنة بحجم الموقف الذي كنت أتمنى أن أراه عندما كان الأردن نفسه يتعرض لاستهداف خارجي مباشر.
وحتى لا يُساء فهم كلامي، فأنا لا أقارن هنا بين بشر الخصاونة وإيران، ولا يمكن أصلًا أن تكون هناك مقارنة. الخصاونة مواطن أردني ورئيس وزراء أسبق عبّر عن رأي وشهادة سياسية قابلة للنقد والرفض والرد. أما الحالة الأخرى فتتعلق بدولة أطلقت صواريخ استهدفت الأراضي الأردنية. ولهذا تحديدًا يصبح السؤال أكثر إلحاحًا: إذا كان تصريح سياسي عن جماعة يستدعي كل هذا الدفاع، فكم يجب أن يكون صوتنا أعلى عندما يصبح أمن الأردن وأرضه وسيادته هي القضية؟
كنت أتمنى، يا سعادة النائب الكبير، أن أرى الحماسة ذاتها وأكثر عندما كان جيشنا يتصدى للصواريخ الإيرانية. كنت أتمنى أن يكون الغضب من استهداف الأردن أعلى صوتًا من الغضب من توصيف سياسي لجماعة. وليس في ذلك تشكيك بوطنية أحد، وإنما هو اختلاف صريح حول ترتيب الأولويات وحجم المواقف عندما تتفاوت الأحداث بهذا الشكل الكبير.
أما قول النائب العرموطي إنه لم يسجل على رجال الحركة الإسلامية أي موقف ضد الدولة الأردنية، فهو في رأيي قول واسع يحتاج إلى نقاش بعيدًا عن الأحكام المطلقة. فالتاريخ السياسي لأي حزب أو جماعة لا يُختصر بجملة واحدة. قد تكون لها مواقف وطنية مشهودة في مراحل مختلفة، وقد تتخذ مواقف أخرى تستحق النقد والمراجعة. والاعتراف بذلك لا يمحو تاريخها، تمامًا كما أن تاريخها لا يجعل كل خياراتها السياسية بمنأى عن النقد.
والدكتور بشر الخصاونة لم يكن يتحدث عن تاريخ الحركة الإسلامية كله، بل عن مرحلة سياسية محددة، وعن تجربة قال إنه عايشها من داخل مؤسسات الدولة، وعن تغير رآه في سلوك الجماعة بعد وصول الإخوان المسلمين إلى الحكم في مصر. يمكن رفض شهادته، ويمكن مناقشتها وتفنيدها وتقديم رواية أخرى، لكن استدعاء التاريخ الكامل للحركة لا يجيب بالضرورة عن السؤال المتعلق بتلك المرحلة تحديدًا.
وأعتقد أن النقاش الأهم هنا يتجاوز الإخوان والخصاونة والعرموطي جميعًا. إنه يتعلق بكيفية ترتيبنا للأولويات الوطنية. فالأحزاب والجماعات والتيارات جزء من الحياة السياسية الأردنية، والاختلاف بينها أمر طبيعي، لكن الدولة هي الإطار الذي يجمع الجميع، والمصلحة الوطنية هي النقطة التي يجب أن تتقدم عندها كل الاعتبارات الأخرى.
ولهذا لا أكتب ضد الحركة الإسلامية، ولا دفاعًا مطلقًا عن بشر الخصاونة، وبالتأكيد لا أكتب للطعن في النائب صالح العرموطي الذي أحترم تجربته السياسية ووضوحه في التعبير عن مواقفه حتى عندما أختلف معه. ما أختلف معه فيه اليوم هو هذا التصريح تحديدًا، والطريقة التي جرى فيها ترتيب أهمية المسائل في الخطاب السياسي.
فمن حق أي أردني أن يكون إسلاميًا أو يساريًا أو قوميًّا أو ليبراليًا، ومن حقه أن يختلف مع الحكومات ورؤساء الحكومات، لكن تبقى هناك مساحة يجب أن نلتقي فيها جميعًا دون حسابات سياسية: الأردن.
لذلك أقول للنائب صالح العرموطي بكل احترام: كنت أتمنى أن أرى في مواجهة استهداف الأردن بالصواريخ الإيرانية حرارة سياسية تفوق تلك التي رأيتها في الدفاع عن الحركة الإسلامية أمام تصريح سياسي. لا لأنني أشك للحظة في انتمائك إلى الأردن، وإنما لأنني أعرف أن الأردن يستحق من جميعنا أن يكون الصوت الأعلى عندما يكون هو القضية.
نختلف في السياسة، ونختلف في قراءة التاريخ، ونختلف في تقييم الحكومات والجماعات، وهذا كله صحي ومشروع. لكن يبقى المعيار الذي أتمنى أن نتفق عليه جميعًا بسيطًا وواضحًا: عندما يكون الأردن هو القضية، يتراجع كل خلاف، وتتقدم الدولة.
وأخيرًا، وحتى لا يُساء فهم مقصدي، فإن هذا الاختلاف لا ينتقص من تقديري لشخصيتين أردنيتين لهما حضورهما وتجربتهما في الحياة العامة؛ الدكتور بشر الخصاونة بما حمله من مسؤوليات في مواقع الدولة المختلفة وصولًا إلى رئاسة الحكومة، والنائب صالح العرموطي بما يمتلكه من تجربة قانونية كبيرة وبرلمانية وسياسية طويلة ومواقف عُرف بالوضوح في التعبير عنها. قد نختلف مع هذا أو ذاك، وقد نقترب من رأي ونبتعد عن آخر، لكن الاختلاف السياسي لا ينبغي أن يتحول إلى خصومة شخصية ولا إلى تشكيك في وطنية أحد. ما كتبته هو اختلاف مع موقف وتصريح، لا مع شخص أو تاريخ، لأن الأردن يتسع لاختلافنا جميعًا، ويبقى احترام رجاله ومؤسساته وثقافة الحوار بينهم جزءًا من قوة الدولة التي نريدها.
وقد استوقفني في رد سعادة النائب العرموطي حجم الحماسة في الدفاع عن الحركة الإسلامية، وسرعة الاعتراض على ما قاله دولة الدكتور بشر الخصاونة، والحرص على استدعاء التاريخ لإثبات أن الحركة لم تكن في مواجهة مع الدولة الأردنية. وهذا حق كامل له، كما أن من حق الدكتور بشر الخصاونة، الذي شغل مواقع حساسة في الدولة وكان شاهدًا على مرحلة بالغة الدقة، أن يقدم شهادته وتقييمه لما جرى.
لكن ما يعنيني هنا ليس الانتصار للخصاونة أو الدخول في خصومة مع العرموطي، بل سؤال أكثر أهمية: أين يجب أن تكون الأولوية عندما يصبح الأردن نفسه هو القضية؟
كنت أتمنى أن أسمع من النائب صالح العرموطي الحدة ذاتها، والغضب ذاته، والاستنفار السياسي ذاته، بل وأكثر، عندما استهدفت صواريخ إيرانية أراضي المملكة بصورة مباشرة، واضطر جيشنا العربي إلى اعتراضها دفاعًا عن سماء الأردن وأرضه وأمن مواطنيه. هنا لم نكن أمام رأي سياسي أو شهادة تاريخية أو خلاف بين شخصيتين أردنيتين، بل أمام حدث يتعلق مباشرة بأمن المملكة وسيادتها.
وهنا، في تقديري، يبدأ السؤال الحقيقي عن ترتيب الأولويات في الموقف السياسي.
فعندما يتعلق الأمر بالأردن، يجب أن تكون الأولويات واضحة. نحن أمام مسألتين مختلفتين تمامًا في الطبيعة والوزن: تصريح سياسي أدلى به رئيس وزراء أسبق حول تجربة عاشها وتقييمه لسلوك جماعة سياسية أردنية في مرحلة محددة، وفي المقابل صواريخ إيرانية استهدفت أراضي المملكة واضطر جيشنا العربي إلى التصدي لها دفاعًا عن الأردن وأمن مواطنيه.
ولهذا فإن ما أثار استغرابي ليس أن النائب صالح العرموطي رد على الدكتور بشر الخصاونة؛ فهذا حقه الكامل، والاختلاف مع الخصاونة جزء طبيعي من النقاش السياسي. ما أثار استغرابي هو حجم الحماسة للدفاع عن جماعة سياسية في مواجهة رأي سياسي، مقارنة بحجم الموقف الذي كنت أتمنى أن أراه عندما كان الأردن نفسه يتعرض لاستهداف خارجي مباشر.
وحتى لا يُساء فهم كلامي، فأنا لا أقارن هنا بين بشر الخصاونة وإيران، ولا يمكن أصلًا أن تكون هناك مقارنة. الخصاونة مواطن أردني ورئيس وزراء أسبق عبّر عن رأي وشهادة سياسية قابلة للنقد والرفض والرد. أما الحالة الأخرى فتتعلق بدولة أطلقت صواريخ استهدفت الأراضي الأردنية. ولهذا تحديدًا يصبح السؤال أكثر إلحاحًا: إذا كان تصريح سياسي عن جماعة يستدعي كل هذا الدفاع، فكم يجب أن يكون صوتنا أعلى عندما يصبح أمن الأردن وأرضه وسيادته هي القضية؟
كنت أتمنى، يا سعادة النائب الكبير، أن أرى الحماسة ذاتها وأكثر عندما كان جيشنا يتصدى للصواريخ الإيرانية. كنت أتمنى أن يكون الغضب من استهداف الأردن أعلى صوتًا من الغضب من توصيف سياسي لجماعة. وليس في ذلك تشكيك بوطنية أحد، وإنما هو اختلاف صريح حول ترتيب الأولويات وحجم المواقف عندما تتفاوت الأحداث بهذا الشكل الكبير.
أما قول النائب العرموطي إنه لم يسجل على رجال الحركة الإسلامية أي موقف ضد الدولة الأردنية، فهو في رأيي قول واسع يحتاج إلى نقاش بعيدًا عن الأحكام المطلقة. فالتاريخ السياسي لأي حزب أو جماعة لا يُختصر بجملة واحدة. قد تكون لها مواقف وطنية مشهودة في مراحل مختلفة، وقد تتخذ مواقف أخرى تستحق النقد والمراجعة. والاعتراف بذلك لا يمحو تاريخها، تمامًا كما أن تاريخها لا يجعل كل خياراتها السياسية بمنأى عن النقد.
والدكتور بشر الخصاونة لم يكن يتحدث عن تاريخ الحركة الإسلامية كله، بل عن مرحلة سياسية محددة، وعن تجربة قال إنه عايشها من داخل مؤسسات الدولة، وعن تغير رآه في سلوك الجماعة بعد وصول الإخوان المسلمين إلى الحكم في مصر. يمكن رفض شهادته، ويمكن مناقشتها وتفنيدها وتقديم رواية أخرى، لكن استدعاء التاريخ الكامل للحركة لا يجيب بالضرورة عن السؤال المتعلق بتلك المرحلة تحديدًا.
وأعتقد أن النقاش الأهم هنا يتجاوز الإخوان والخصاونة والعرموطي جميعًا. إنه يتعلق بكيفية ترتيبنا للأولويات الوطنية. فالأحزاب والجماعات والتيارات جزء من الحياة السياسية الأردنية، والاختلاف بينها أمر طبيعي، لكن الدولة هي الإطار الذي يجمع الجميع، والمصلحة الوطنية هي النقطة التي يجب أن تتقدم عندها كل الاعتبارات الأخرى.
ولهذا لا أكتب ضد الحركة الإسلامية، ولا دفاعًا مطلقًا عن بشر الخصاونة، وبالتأكيد لا أكتب للطعن في النائب صالح العرموطي الذي أحترم تجربته السياسية ووضوحه في التعبير عن مواقفه حتى عندما أختلف معه. ما أختلف معه فيه اليوم هو هذا التصريح تحديدًا، والطريقة التي جرى فيها ترتيب أهمية المسائل في الخطاب السياسي.
فمن حق أي أردني أن يكون إسلاميًا أو يساريًا أو قوميًّا أو ليبراليًا، ومن حقه أن يختلف مع الحكومات ورؤساء الحكومات، لكن تبقى هناك مساحة يجب أن نلتقي فيها جميعًا دون حسابات سياسية: الأردن.
لذلك أقول للنائب صالح العرموطي بكل احترام: كنت أتمنى أن أرى في مواجهة استهداف الأردن بالصواريخ الإيرانية حرارة سياسية تفوق تلك التي رأيتها في الدفاع عن الحركة الإسلامية أمام تصريح سياسي. لا لأنني أشك للحظة في انتمائك إلى الأردن، وإنما لأنني أعرف أن الأردن يستحق من جميعنا أن يكون الصوت الأعلى عندما يكون هو القضية.
نختلف في السياسة، ونختلف في قراءة التاريخ، ونختلف في تقييم الحكومات والجماعات، وهذا كله صحي ومشروع. لكن يبقى المعيار الذي أتمنى أن نتفق عليه جميعًا بسيطًا وواضحًا: عندما يكون الأردن هو القضية، يتراجع كل خلاف، وتتقدم الدولة.
وأخيرًا، وحتى لا يُساء فهم مقصدي، فإن هذا الاختلاف لا ينتقص من تقديري لشخصيتين أردنيتين لهما حضورهما وتجربتهما في الحياة العامة؛ الدكتور بشر الخصاونة بما حمله من مسؤوليات في مواقع الدولة المختلفة وصولًا إلى رئاسة الحكومة، والنائب صالح العرموطي بما يمتلكه من تجربة قانونية كبيرة وبرلمانية وسياسية طويلة ومواقف عُرف بالوضوح في التعبير عنها. قد نختلف مع هذا أو ذاك، وقد نقترب من رأي ونبتعد عن آخر، لكن الاختلاف السياسي لا ينبغي أن يتحول إلى خصومة شخصية ولا إلى تشكيك في وطنية أحد. ما كتبته هو اختلاف مع موقف وتصريح، لا مع شخص أو تاريخ، لأن الأردن يتسع لاختلافنا جميعًا، ويبقى احترام رجاله ومؤسساته وثقافة الحوار بينهم جزءًا من قوة الدولة التي نريدها.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/08/09 الساعة 19:43