مجلس النواب ودستورية القوانين

د. عمر عكاشة المقابلة
مدار الساعة ـ نشر في 2026/08/09 الساعة 14:42
في كل مرة يتم فيها مناقشة مشروع قانون تحت قبة مجلس الامة بشقية (النواب والأعيان) تثور الكثير من التساؤلات حول مدى اتفاق هذا المشروع او تلك المادة مع احكام الدستور. ولا يستطيع اي من المجلسين التحقق من دستوريتها بشكل رسمي وقانوني وفقا لاحكام الدستور وقانون المحكمة الدستورية لان نصوص الدستور وقانون المحكمة الدستورية يشترط ان يكون القانون والنظام نافذآ حتى يتم التحقق من دستوريتها بالطريقة التي حددت قانونا للمجلسين، وهذا يقودنا إلى التساؤل: لماذا ننتظر حتى يدخل القانون حيز النفاذ، ثم نلجأ إلى المحكمة الدستورية لإثبات عدم دستوريته؟ أليس من الأفضل التأكد من موافقتة للدستور قبل صدورة وان لا ننتظر حتى يصبح نافذآ ويرتب خقوق والتزامات؟

ان الرقابة الدستورية في الدستور الاردني هي لاحقة لاصدار القانون ونفاذة، ولها أهميته كبيره في حماية مبدأ سمو الدستور. لذلك المحكمة الدستورية تمارس دوراً محورياً في صون الشرعية الدستورية، غير أن اختصاصها لا يبدأ إلا بعد نفاذ القانون. وهنا تكمن الإشكالية؛ فالقانون يكون قد أنتج آثاراً قانونية، وربما مست حقوق الأفراد أو رتب مراكز قانونية يصعب تصحيحها بالكامل حتى لو صدر لاحقاً حكم بعدم دستوريته.

الرقابة اللاحقة تشبه العلاج بعد وقوع المرض، أما الرقابة القبلية فهي الوقاية التي تمنع المرض من الأساس. والدول التي أخذت بهذا النهج لم تفعل ذلك تشكيكاً ببرلماناتها، وإنما إيماناً بأن احترام الدستور يبدأ قبل التصويت على القانون، لا بعد تطبيقه.

ولا يمكن تحميل مجلس النواب وحده مسؤولية اكتشاف جميع المخالفات الدستورية. فالعمل النيابي بطبيعته يجمع بين البعد السياسي والتشريعي والرقابي، في حين أن الرقابة الدستورية تتطلب خبرة فنية متخصصة، خصوصاً مع ازدياد تعقيد التشريعات وتشابكها مع الحقوق والحريات والالتزامات الدستورية.

وعلية، فإن التفكير في استحداث رقابة قبلية على دستورية مشاريع القوانين لا ينبغي أن يُفهم على أنه انتقاص من مكانة السلطة التشريعية أو تقليص لاختصاصاتها، بل على العكس تماماً؛ فهو يوفر لها ضمانة إضافية بأن ما يصدر عنها سيكون متوافقاً مع الدستور، ويجنبها الحرج إذا أبطلت المحكمة الدستورية لاحقاً نصوصاً سبق أن وافقت عليها الأغلبية.

ولا بد من الاشارة الى ان هناك مشروع لتعديل قانون المحكمة الدستورية كانت الحكومة قد أقرته، إلا أنه لم يستكمل مساره التشريعي خلال الدورة الحالية. ولعل هذه المناسبة تفتح الباب أمام نقاش أوسع لا يقتصر على تعديل بعض الإجراءات، وإنما يمتد إلى مدى الحاجة إلى إدخال شكل من أشكال الرقابة السابقة على التشريع، سواء كان إلزامياً بالنسبة لفئة معينة من القوانين، أو جوازياً بناءً على طلب جهات دستورية محددة.

إن الرقابة القبلية وتعزيزها لا يعني إلغاء الرقابة اللاحقة، وإنما إقامة منظومة متكاملة لحماية الدستور. فالأولى تمنع صدور النص غير الدستوري، والثانية تعالج ما قد يفلت من الرقابة أو يظهر عيبه أثناء التطبيق. وهما معاً تحققان الغاية ذاتها، وهي ترسيخ مبدأ سمو الدستور وسيادة القانون.

أن التطور في الحياة التشريعية يلزم تطوير أدوات حماية التشريعات . لان التشريع اليوم أصبح أكثر تعقيداً، ولة تأثير كبير في الاقتصاد والاستثمار والحقوق والحريات وأصبح أوسع من أي وقت مضى، الأمر الذي يجعل الوقاية الدستورية ضرورة وليست ترفاً قانونياً.لان الدستور هو المرجعية العليا التي ينبغي مراعاة احكامة ومبادئة في جميع مراحل صناعة التشريع.

وعطفآ على ما سبق فإننا نرى بأن الرقابة القبلية على دستورية القوانين والانظمة قبل نفاذها أصبحت ضرورة ويجب اخذها بعين الاعتبار عن مناقشة القوانين والانظمة قبل نفاذها وعدم اقتصار النظر في عدم دستوريتها عند التطبيق فقط.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/08/09 الساعة 14:42