موازنة 2027.. ماذا نريد؟

سلامة الدرعاوي
مدار الساعة ـ نشر في 2026/08/09 الساعة 00:11
دخلت الحكومة مرحلة إعداد موازنة عام 2027 لتكون أمام اختبار لا يتعلق بضبط الإيرادات والنفقات فقط، لكن بقدرتها على خفض العجز وتحفيز النمو في الوقت نفسه، من دون اللجوء إلى ضرائب جديدة أو تقليص الإنفاق الرأسمالي والخدمات الأساسية.



ووفق التقديرات التأشيرية يُتوقع أن تبلغ الإيرادات العامة في عام 2027 نحو 11.352 مليار دينار، مقابل نفقات كلية تصل إلى 13.361 مليار دينار، ما ينتج عنه عجز بعد المنح يقدر بنحو 2.009 مليار دينار، أو ما نسبته 4.1 % من الناتج المحلي الإجمالي.

ويتمثل الهدف الأصعب في خفض العجز الأولي من نحو 600 مليون دينار مقدر لعام 2026 إلى 264 مليون دينار في 2027، وتحقيق هذا الانخفاض يتطلب رفع الإيرادات المحلية من 10.196 مليار دينار إلى 10.757 مليار، بالتزامن مع ضبط نمو النفقات، وهي معادلة تحتاج إلى إجراءات واقعية، لا إلى تقديرات متفائلة فقط.

فنتائج الأداء المالي حتى نهاية نيسان 2026 تقدم إشارة تستحق التوقف عندها؛ إذ استقرت الإيرادات المحلية عند نحو 3.308 مليار دينار، بينما ارتفعت النفقات الجارية بنسبة 8.4 %، مقابل نمو الإنفاق الرأسمالي بنسبة 1.9 % فقط، واتسع عجز الموازنة بعد المنح إلى 693 مليون دينار، مقارنة بنحو 469 مليونًا خلال الفترة نفسها من العام السابق.

وهذه المؤشرات تطرح سؤالًا مباشرًا: كيف ستتمكن الحكومة من خفض العجز الأولي بأكثر من النصف خلال عام واحد إذا استمر الإنفاق الجاري في النمو بوتيرة تفوق نمو الإيرادات؟

ولا تكمن المشكلة في حجم الإنفاق وحده، إنما في تركيبته، فالتقديرات التأشيرية لعام 2027 تضع النفقات الجارية عند 11.719 مليار دينار، مقابل 1.643 مليار دينار فقط للإنفاق الرأسمالي، كما يُتوقع أن تصل مدفوعات الفائدة إلى 2.340 مليار دينار، أي أنها ستتجاوز كامل الإنفاق الرأسمالي بنحو 697 مليون دينار.

وهذا يعني أن كل دينار تخصصه الموازنة للمشاريع الرأسمالية سيقابله نحو 1.42 دينار لسداد الفوائد، ما يكشف حجم المساحة المالية التي تستهلكها خدمة الدين، ويحد من قدرة الحكومة على تمويل مشاريع المياه والنقل والطاقة والبنية التحتية والتحول الرقمي.

أما زيادة رواتب الموظفين والمتقاعدين المدنيين والعسكريين الذين تقل رواتبهم عن 600 دينار بمقدار 30 دينارًا، فهي تحمل أثرًا اجتماعيًا مباشرًا، وقد تسهم في دعم الاستهلاك المحلي، لكن تقييم أثرها المالي سيكون محدودا بشكل واضح.

وفي جانب الإيرادات، لا ينبغي أن يكون تحسين الوضع المالي مرادفًا لزيادة الضرائب، فالبديل الأكثر استدامة يتمثل في توسيع القاعدة الضريبية، ودمج الأنشطة غير المنظمة، ومكافحة التهرب والتجنب الضريبي، وربط قواعد البيانات الحكومية، بما يرفع كفاءة التحصيل من دون تحميل الملتزمين أعباء إضافية.

إن نجاح موازنة 2027 لن يقاس بمجرد انخفاض العجز، لكن بكيفية تحقيقه، فإذا جاء الخفض على حساب الإنفاق الرأسمالي، فلن تكون الموازنة قد عالجت المشكلة، إنما رحّلت كلفتها إلى النمو وفرص العمل، أما إذا تحقق من خلال ضبط النفقات الجارية، ورفع كفاءة التحصيل، وتسريع تنفيذ المشاريع، فستكون الموازنة قد جمعت فعليًا بين الانضباط المالي والتنمية الاقتصادية.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/08/09 الساعة 00:11