من قال إن حماية المعرفة تحتاج إلى حكومة كي تبقى؟

د. نضال المجالي
مدار الساعة ـ نشر في 2026/08/09 الساعة 00:10
هناك مؤسسات تُبنى، وهناك مؤسسات تُصنع، الأولى تنمو بالأموال، والثانية تعيش بالأفكار، وما بينهما تقف مؤسسة عبد الحميد شومان شاهدا على أن الثقافة لا تحتاج إلى سلطة كي تستمر، بل إلى إرادة تؤمن بأن المعرفة ليست ترفا، وإنما واجب.

قليلون يدركون أن التحدي الحقيقي ليس في إطلاق مؤسسة ثقافية، بل في حمايتها من الزمن، فالانطلاق يحتاج إلى رؤية، أما الاستمرار فيحتاج إلى إيمان، وهنا تكمن الحكاية.

لم يكن الإنجاز أن تولد المؤسسة تحت مظلة البنك العربي، بل أن يأتي من بعد المؤسس من يقود البنك، فيحافظ على الاسم نفسه، ويصون الفكرة نفسها، ويقاوم الإغراء الذي يقع فيه كثيرون؛ إغراء إعادة تسمية الإنجازات بأسمائهم، أو صناعة أمجاد شخصية على حساب الإرث المؤسسي.

هذا هو الامتحان الأصعب في القيادة: أن تستطيع أن تضيف إلى ما ورثته دون أن تمحو اسم من سبقك، وأن تجعل المؤسسة أكبر من الأشخاص، وأن تؤمن بأن التاريخ لا يخلّد من يغيّر اللوحات، بل من يحافظ على المعنى.

لذلك بقي اسم عبد الحميد شومان حاضرا، لا لأن الرجل يحتاج إلى تعريف، بل لأن من جاء بعده امتلك شجاعة احترام الإرث، وفهم أن المؤسسات العظيمة لا تُدار بالأنا، وإنما بالفكرة، وأن الاسم الذي يستحق البقاء هو الاسم الذي أصبح قيمة، لا مجرد شخص.

ولعل هذا ما يجعل مؤسسة عبد الحميد شومان مختلفة، فهي ليست ذراعا للعلاقات العامة، ولا نافذة لتحسين الصورة، ولا مشروعا موسميا للمسؤولية الاجتماعية، إنها مؤسسة تقول، بالفعل قبل القول، إن المسؤولية ليست تبرعا، بل واجبا، وليست حملة إعلامية، بل فلسفة عمل، وليست بندا في تقرير سنوي، بل جزءا من هوية مؤسسة اقتصادية أدركت أن نجاحها لا يكتمل إلا بنجاح مجتمعها.

ولهذا لم تتوقف عند منح الجوائز، أو دعم الباحثين، أو رعاية الفنون، أو احتضان الموسيقى، أو تشجيع الإبداع، أو بناء المكتبات، بل صنعت بيئة كاملة ترى في الثقافة قوة ناعمة تبني الإنسان قبل أن تبني المشاريع، مكتباتها التي وصلت إلى المحافظات لم تكن مباني، بل رسائل تقول إن المعرفة لا ينبغي أن تبقى حبيسة العاصمة، وإن الجميع في أقصى الأطراف يستحق الفرصة ذاتها التي يحظى بها غيره.

وتحت عشرات العناوين؛ أيام، وأسابيع، ومنتديات، وجوائز، ومحاضرات، ظل الهدف واحدا: بناء إنسان يعرف، ويفكر، ويسأل، ويبدع.

في زمن أصبحت فيه المسؤولية الاجتماعية عند كثير من المؤسسات شعارا يُسوَّق، أثبتت مؤسسة عبد الحميد شومان أن المسؤولية لا تُعلن.. بل تُمارس، وأن الثقافة ليست نشاطا جانبيا، بل استثمار طويل الأمد في مستقبل الوطن.

وربما لهذا السبب بقيت المؤسسة حية، بينما غابت أسماء كثيرة، لأن الأثر وحده هو الذي يبقى، ولأن الإنسان الذي يضع اسمه قبل رسالته يرحل برحيله، أما الذي يضع رسالته قبل اسمه، فإن اسمه يصبح جزءا من ذاكرة الناس.

وهنا يستحق من تعاقبوا على إدارة المؤسسة وقيادة البنك العربي التحية؛ ليس لأنهم غيّروا الإرث، بل لأنهم حافظوا عليه، وأضافوا إليه، وتركوا اسم العمل والإنجاز يتقدم المشهد، مؤمنين بأن أعظم القادة هم أولئك الذين لا يبحثون عن تخليد أسمائهم، بل عن تخليد الفكرة التي يحملونها. ولهذا يستوجب أن نقول شكرا… صبيح.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/08/09 الساعة 00:10