كيف يسعر البنزين في الأردن؟ ولماذا لا ينخفض تلقائياً مع انخفاض أسعار النفط في العالم؟
مدار الساعة ـ نشر في 2026/08/07 الساعة 10:24
مدار الساعة - محمد الطراونة -في نهاية كل شهر، يترقب الأردنيون إعلان لجنة تسعير المشتقات النفطية، وسط سؤال يتكرر منذ أكثر من عقد: لماذا لا تنخفض أسعار المحروقات محليا بالوتيرة نفسها التي تنخفض بها أسعار النفط في الأسواق العالمية؟ ولماذا يشعر المواطن بأي زيادة جديدة، بينما تبدو التخفيضات محدودة أو غير محسوسة؟
ورغم أن الحكومة تؤكد أن آلية التسعير معلنة وتستند إلى معادلة محددة، فإن ملف المحروقات ما يزال من أكثر الملفات الاقتصادية إثارة للنقاش في الأردن، لارتباطه المباشر بكلف المعيشة والنقل والإنتاج وأسعار السلع، فضلا عن الضرائب المفروضة عليه وما تمثله من إيرادات للخزينة.
وفي مطلع أغسطس/آب الجاري، قررت الحكومة تثبيت أسعار البنزين بنوعيه والديزل والكاز (الكيروسين) وأسطوانة الغاز المنزلي، رغم ارتفاع متوسط الأسعار العالمية للمشتقات النفطية خلال يوليو/تموز، ولا سيما الديزل والكاز.
وبموجب قرار لجنة تسعير المشتقات النفطية، استقر سعر لتر بنزين أوكتان 90 عند دينار واحد (1.41 دولار)، وبنزين أوكتان 95 عند 1.31 دينار (1.85 دولار)، والديزل عند 0.85 دينار (1.2 دولار)، والكاز عند 0.55 دينار (0.78 دولار)، في حين بقي سعر أسطوانة الغاز المنزلي زنة 12.5 كيلوغراما عند 7 دنانير (9.87 دولارات).
وقالت اللجنة إن الحكومة تحمّلت منذ بداية الأزمة وحتى نهاية يوليو/تموز دعما وفروقات سعرية تقدر بنحو 212 مليون دينار (299 مليون دولار)، نتيجة عدم تمرير الكلفة الفعلية كاملة إلى المستهلك، بما يشمل دعم أسطوانات الغاز المنزلي.
واحتسبت المقابلات الدولارية الواردة في التقرير وفق متوسط سعرَي شراء الدولار وبيعه، البالغ 709 فلوس، بحسب البنك المركزي الأردني في 4 أغسطس/آب 2026.
لكن قرار التثبيت أعاد طرح سؤال أوسع: كيف يحدد سعر لتر البنزين أساسا؟
ليس الخام.. إنما المشتقات
توضح وزارة الطاقة والثروة المعدنية الأردنية، في رد على أسئلة الجزيرة نت، أن الاعتقاد السائد بأن الأردن يسعر المحروقات مباشرة وفق سعر برميل النفط الخام غير دقيق.
وتبين الوزارة أن لجنة التسعير تعتمد متوسط الأسعار العالمية لكل مشتق نفطي مكرر على حدة، مثل البنزين والديزل والكاز، في الأسواق المرجعية المعتمدة، ومنها أسواق البحر الأبيض المتوسط وسنغافورة، وليس سعر خام برنت أو أي خام نفطي آخر بصورة مباشرة.
وتحتسب هذه الأسعار وفق متوسط يمتد 30 يوما تسبق إعلان التسعيرة الشهرية، وهي فترة تقلل أثر التقلبات اليومية الحادة، لكنها تعني أيضا أن أي هبوط مفاجئ في الأسواق العالمية لا ينتقل فورا إلى السعر المحلي.
وقد تتحرك أسعار المشتقات المكررة بصورة مختلفة عن سعر النفط الخام، تبعا لمستويات الطلب والمخزونات، وكلف التكرير، وتوافر المصافي، ومواسم الاستهلاك والأزمات الجيوسياسية.
ومن ثم، فإن انخفاض سعر برميل النفط لا يعني بالضرورة انخفاض سعر البنزين أو الديزل بالنسبة نفسها، كما أن أثر التراجع لا يظهر محليا إلا بعد دخوله ضمن المتوسط الشهري المعتمد.
لكن السعر العالمي للمشتق ليس سوى الحلقة الأولى في رحلة اللتر إلى المستهلك.
كيف يتكون سعر اللتر؟
حسب وزارة الطاقة، تتكون معادلة تسعير المشتقات النفطية من 3 عناصر رئيسية:
- متوسط السعر العالمي للمشتق النفطي المكرر خلال فترة التسعير.
- كلف إيصال المشتق إلى المستهلك، وتشمل النقل البحري والتأمين ورسوم الموانئ والتخزين والمناولة والنقل البري، إلى جانب كلف التبخر والفواقد، والعمولات الممنوحة للشركات التسويقية ومحطات المحروقات، وكلفة الاحتفاظ بمخزون إستراتيجي يلبي احتياجات المملكة.
- الضرائب والرسوم والبدلات الحكومية المضافة إلى السعر قبل وصوله إلى مضخة الوقود.
ويعني ذلك أن السعر الذي يدفعه المستهلك لا يمثل ثمن الوقود المستورد وحده، بل يشمل سلسلة من الكلف الثابتة والمتغيرة، إضافة إلى الضريبة المقطوعة التي لا تنخفض تلقائيا عند تراجع أسعار المشتقات عالميا.
لماذا لا يشعر الأردنيون بانخفاض الأسعار عالميا؟
يقول الباحث الاقتصادي المتخصص في شؤون الطاقة عامر الشوبكي إن نقطة التحول الأساسية جاءت في يونيو/حزيران 2019، عندما اعتمدت الحكومة الضريبة المقطوعة بدلا من الضريبة النسبية على المشتقات النفطية.
وبحسب الإعلان الحكومي المنشور آنذاك، حددت الضريبة بمبلغ ثابت لكل لتر أو طن من المشتقات، بحيث لا تتغير قيمتها مع ارتفاع الأسعار العالمية أو انخفاضها.
ويشرح الشوبكي أن الحكومة تحصل على مبلغ محدد عن كل لتر، بغض النظر عن اتجاه السعر العالمي، وهو ما يجعل نسبة الانخفاض في السعر النهائي أقل من نسبة تراجع الكلفة الأساسية للمشتق.
ويضيف الشوبكي أن الضريبة المقطوعة تبلغ 57.5 قرشا على لتر بنزين أوكتان 95 (0.81 دولار)، و37 قرشا على لتر بنزين أوكتان 90 (0.52 دولار)، و16.5 قرشا على لتر الديزل (0.23 دولار)، وفق سعر الصرف الرسمي المنشور من البنك المركزي الأردني.
وبمقارنة هذه الضرائب بأسعار أغسطس/آب، تشكل الضريبة المقطوعة وحدها نحو 44% من سعر لتر بنزين 95، ونحو 37% من سعر بنزين 90، ونحو 19% من سعر الديزل، قبل النظر إلى بقية مكونات السعر.
ويؤكد الشوبكي أن المستهلك لا يدفع ثمن الوقود المستورد فقط، بل يدفع أيضا ضرائب وكلفا ثابتة تشكل جزءا كبيرا من السعر النهائي، الأمر الذي يحد من انعكاس الانخفاضات العالمية على ما يدفعه عند المضخة.
لماذا تتمسك الحكومة بالمعادلة الحالية؟
تدافع الحكومة عن آلية التسعير باعتبارها تحقق توازنا بين متابعة حركة الأسواق العالمية وحماية المالية العامة. وتؤكد وزارة الطاقة أن الأسعار لا تحدد بصورة عشوائية، بل وفق معادلة مطبقة منذ تحرير سوق المشتقات النفطية عام 2008.
وترى الحكومة أن الضريبة المقطوعة توفر استقرارا للإيرادات العامة، إذ تتيح للخزينة تقدير العوائد السنوية من قطاع المحروقات عند إعداد الموازنة، بدلا من تغير قيمة الضريبة نفسها مع كل ارتفاع أو انخفاض في الأسعار العالمية، كما كان يحدث في ظل الضريبة النسبية.
وعند اعتماد النظام عام 2019، قالت الحكومة إن الضريبة المقطوعة تهدف كذلك إلى حماية المستهلك من ارتفاع قيمة الضريبة كلما ارتفعت أسعار النفط، إلى جانب تثبيت الإيرادات وتعزيز القدرة على التنبؤ بالأسعار.
وفي المقابل، تؤكد الحكومة أنها لا تمرر دائما الارتفاعات العالمية كاملة إلى المستهلك، مستشهدة بتثبيت أسعار أغسطس/آب رغم ارتفاع متوسط كلفة المشتقات في يوليو/تموز، وتحملها دعما وفروقات سعرية بلغت نحو 212 مليون دينار (299 مليون دولار).
مطالب بمرونة أكبر
لكن هذه المبررات لا تقنع جميع الخبراء الاقتصاديين، إذ يرى الشوبكي أن معادلة التسعير أصبحت تحمل طابعا ماليا واضحا، إلى جانب وظيفتها في عكس حركة الأسواق العالمية.
ويقول إن الحكومة تستطيع تخفيف أثر ارتفاع الأسعار عبر خفض الضريبة المقطوعة مؤقتا، بدلا من تحميل المستهلك الكلفة كاملة، داعيا إلى نشر جدول تفصيلي مع كل تسعيرة شهرية يبين السعر العالمي للمشتق، وكلف الشحن والتخزين والتوزيع، وقيمة الضرائب والرسوم، وصولا إلى السعر النهائي.
ويؤكد أن ارتفاع أسعار الطاقة لا يقتصر أثره على أصحاب المركبات، بل يمتد إلى كلف النقل والإنتاج وأسعار الغذاء والخدمات، بما يضغط على القدرة الشرائية للأسر ويضعف النشاط الاقتصادي.
ويرى أن زيادة الشفافية في نشر مكونات السعر ستتيح للمواطن معرفة ثمن الوقود نفسه وحجم ما يدفعه للخزينة، وقد تسهم في الحد من الجدل الذي يتجدد مع كل تسعيرة شهرية.
موقف النواب
داخل مجلس النواب، تتقاطع هذه المطالب مع ما تطرحه عضوة لجنة الطاقة النيابية راكين أبو هنية، التي تقول إن استبدال الضريبة النسبية بضريبة مقطوعة ثابتة جعل أثر انخفاض الأسعار العالمية أقل وضوحا بالنسبة إلى المستهلك.
وتوضح راكين للجزيرة نت أن الحكومة اختارت هذا النظام لأنه يوفر موردا ثابتا يمكن الاعتماد عليه عند إعداد الموازنة، إلا أنها ترى أن الوقت حان لإعادة النظر في المعادلة ومنحها مزيدا من المرونة، بما يسمح بتخفيف العبء الضريبي عندما تتراجع الأسعار العالمية أو ترتفع كلف المعيشة.
وتضيف أن خفض الضرائب على المحروقات لن ينعكس على أصحاب المركبات فقط، بل يمكن أن يخفض كلف الإنتاج والنقل، ويعزز تنافسية القطاع الصناعي، ويدعم فرص العمل.
وتربط راكين ذلك بضرورة تطوير شبكة نقل عام حديثة وفعالة، تقلل اعتماد المواطنين على المركبات الخاصة وتحد من تأثرهم المباشر بتقلبات أسعار الوقود.
ماذا تكشف الأرقام؟
تكشف بيانات وزارة الطاقة أن إجمالي مبيعات المشتقات النفطية في الأردن ارتفع خلال النصف الأول من عام 2026 إلى 1.7867 مليار لتر، مقارنة بنحو 1.7617 مليار لتر في الفترة نفسها من عام 2025، أي بزيادة نسبتها 1.4%، وليس عند مستوى ثابت كما قد يوحي التقارب بين الرقمين.
وتظهر البيانات التي نشرتها وكالة الأنباء الأردنية تراجع مبيعات بنزين أوكتان 90 بنسبة 2.8% إلى 727.7 مليون لتر، في حين ارتفعت مبيعات بنزين أوكتان 95 بنسبة 8.5% إلى 82 مليون لتر.
كما زادت مبيعات الديزل بنسبة 2.8% إلى 913.2 مليون لتر، وقفزت مبيعات الكاز بنسبة 28.6% إلى 63.8 مليون لتر.
وتشير هذه الأرقام إلى استمرار اعتماد السوق الأردنية بدرجة كبيرة على المشتقات النفطية، مع تحول محدود في أنماط الاستهلاك بين المنتجات، وهو ما يفسر حساسية أي تغيير في آلية التسعير بالنسبة إلى الحكومة والمستهلكين والقطاعات الإنتاجية.
تثبيت أسعار المحروقات
يرى الخبير الاقتصادي حسام عايش أن قرار الحكومة تثبيت أسعار المشتقات النفطية لشهر أغسطس/آب، رغم ارتفاع كلف الطاقة، يعكس توجها لتخفيف الأعباء عن المواطنين والقطاعات الاقتصادية خلال فترة ترتفع فيها معدلات الاستهلاك، بالتزامن مع عودة المغتربين، وانتعاش الحركة السياحية، واقتراب موسم العودة إلى المدارس.
ويقول عايش للجزيرة نت إن الحكومات الأردنية تلجأ، عند حدوث ارتفاعات كبيرة ومفاجئة، إلى توزيع أثرها على عدة أشهر بدلا من تمريرها دفعة واحدة إلى المستهلك.
ويعتبر أن تثبيت الأسعار في هذه المرحلة يمثل شكلا من أشكال التدخل الحكومي للحد من الضغوط التضخمية والحفاظ على قدر من الاستقرار المعيشي والاقتصادي.
لكنه يتوقع أن تظل التسعيرات اللاحقة مرتبطة بمسار الأسعار العالمية وحجم الفروقات التي تتحملها الخزينة، محذرا من أن استمرار الكلف المرتفعة قد يضيق قدرة الحكومة على مواصلة تثبيت الأسعار من دون تعديل المعادلة أو إعادة توزيع جزء من هذه الكلف مستقبلا.
المصدر: الجزيرة
ورغم أن الحكومة تؤكد أن آلية التسعير معلنة وتستند إلى معادلة محددة، فإن ملف المحروقات ما يزال من أكثر الملفات الاقتصادية إثارة للنقاش في الأردن، لارتباطه المباشر بكلف المعيشة والنقل والإنتاج وأسعار السلع، فضلا عن الضرائب المفروضة عليه وما تمثله من إيرادات للخزينة.
وفي مطلع أغسطس/آب الجاري، قررت الحكومة تثبيت أسعار البنزين بنوعيه والديزل والكاز (الكيروسين) وأسطوانة الغاز المنزلي، رغم ارتفاع متوسط الأسعار العالمية للمشتقات النفطية خلال يوليو/تموز، ولا سيما الديزل والكاز.
وبموجب قرار لجنة تسعير المشتقات النفطية، استقر سعر لتر بنزين أوكتان 90 عند دينار واحد (1.41 دولار)، وبنزين أوكتان 95 عند 1.31 دينار (1.85 دولار)، والديزل عند 0.85 دينار (1.2 دولار)، والكاز عند 0.55 دينار (0.78 دولار)، في حين بقي سعر أسطوانة الغاز المنزلي زنة 12.5 كيلوغراما عند 7 دنانير (9.87 دولارات).
وقالت اللجنة إن الحكومة تحمّلت منذ بداية الأزمة وحتى نهاية يوليو/تموز دعما وفروقات سعرية تقدر بنحو 212 مليون دينار (299 مليون دولار)، نتيجة عدم تمرير الكلفة الفعلية كاملة إلى المستهلك، بما يشمل دعم أسطوانات الغاز المنزلي.
واحتسبت المقابلات الدولارية الواردة في التقرير وفق متوسط سعرَي شراء الدولار وبيعه، البالغ 709 فلوس، بحسب البنك المركزي الأردني في 4 أغسطس/آب 2026.
لكن قرار التثبيت أعاد طرح سؤال أوسع: كيف يحدد سعر لتر البنزين أساسا؟
ليس الخام.. إنما المشتقات
توضح وزارة الطاقة والثروة المعدنية الأردنية، في رد على أسئلة الجزيرة نت، أن الاعتقاد السائد بأن الأردن يسعر المحروقات مباشرة وفق سعر برميل النفط الخام غير دقيق.
وتبين الوزارة أن لجنة التسعير تعتمد متوسط الأسعار العالمية لكل مشتق نفطي مكرر على حدة، مثل البنزين والديزل والكاز، في الأسواق المرجعية المعتمدة، ومنها أسواق البحر الأبيض المتوسط وسنغافورة، وليس سعر خام برنت أو أي خام نفطي آخر بصورة مباشرة.
وتحتسب هذه الأسعار وفق متوسط يمتد 30 يوما تسبق إعلان التسعيرة الشهرية، وهي فترة تقلل أثر التقلبات اليومية الحادة، لكنها تعني أيضا أن أي هبوط مفاجئ في الأسواق العالمية لا ينتقل فورا إلى السعر المحلي.
وقد تتحرك أسعار المشتقات المكررة بصورة مختلفة عن سعر النفط الخام، تبعا لمستويات الطلب والمخزونات، وكلف التكرير، وتوافر المصافي، ومواسم الاستهلاك والأزمات الجيوسياسية.
ومن ثم، فإن انخفاض سعر برميل النفط لا يعني بالضرورة انخفاض سعر البنزين أو الديزل بالنسبة نفسها، كما أن أثر التراجع لا يظهر محليا إلا بعد دخوله ضمن المتوسط الشهري المعتمد.
لكن السعر العالمي للمشتق ليس سوى الحلقة الأولى في رحلة اللتر إلى المستهلك.
كيف يتكون سعر اللتر؟
حسب وزارة الطاقة، تتكون معادلة تسعير المشتقات النفطية من 3 عناصر رئيسية:
- متوسط السعر العالمي للمشتق النفطي المكرر خلال فترة التسعير.
- كلف إيصال المشتق إلى المستهلك، وتشمل النقل البحري والتأمين ورسوم الموانئ والتخزين والمناولة والنقل البري، إلى جانب كلف التبخر والفواقد، والعمولات الممنوحة للشركات التسويقية ومحطات المحروقات، وكلفة الاحتفاظ بمخزون إستراتيجي يلبي احتياجات المملكة.
- الضرائب والرسوم والبدلات الحكومية المضافة إلى السعر قبل وصوله إلى مضخة الوقود.
ويعني ذلك أن السعر الذي يدفعه المستهلك لا يمثل ثمن الوقود المستورد وحده، بل يشمل سلسلة من الكلف الثابتة والمتغيرة، إضافة إلى الضريبة المقطوعة التي لا تنخفض تلقائيا عند تراجع أسعار المشتقات عالميا.
لماذا لا يشعر الأردنيون بانخفاض الأسعار عالميا؟
يقول الباحث الاقتصادي المتخصص في شؤون الطاقة عامر الشوبكي إن نقطة التحول الأساسية جاءت في يونيو/حزيران 2019، عندما اعتمدت الحكومة الضريبة المقطوعة بدلا من الضريبة النسبية على المشتقات النفطية.
وبحسب الإعلان الحكومي المنشور آنذاك، حددت الضريبة بمبلغ ثابت لكل لتر أو طن من المشتقات، بحيث لا تتغير قيمتها مع ارتفاع الأسعار العالمية أو انخفاضها.
ويشرح الشوبكي أن الحكومة تحصل على مبلغ محدد عن كل لتر، بغض النظر عن اتجاه السعر العالمي، وهو ما يجعل نسبة الانخفاض في السعر النهائي أقل من نسبة تراجع الكلفة الأساسية للمشتق.
ويضيف الشوبكي أن الضريبة المقطوعة تبلغ 57.5 قرشا على لتر بنزين أوكتان 95 (0.81 دولار)، و37 قرشا على لتر بنزين أوكتان 90 (0.52 دولار)، و16.5 قرشا على لتر الديزل (0.23 دولار)، وفق سعر الصرف الرسمي المنشور من البنك المركزي الأردني.
وبمقارنة هذه الضرائب بأسعار أغسطس/آب، تشكل الضريبة المقطوعة وحدها نحو 44% من سعر لتر بنزين 95، ونحو 37% من سعر بنزين 90، ونحو 19% من سعر الديزل، قبل النظر إلى بقية مكونات السعر.
ويؤكد الشوبكي أن المستهلك لا يدفع ثمن الوقود المستورد فقط، بل يدفع أيضا ضرائب وكلفا ثابتة تشكل جزءا كبيرا من السعر النهائي، الأمر الذي يحد من انعكاس الانخفاضات العالمية على ما يدفعه عند المضخة.
لماذا تتمسك الحكومة بالمعادلة الحالية؟
تدافع الحكومة عن آلية التسعير باعتبارها تحقق توازنا بين متابعة حركة الأسواق العالمية وحماية المالية العامة. وتؤكد وزارة الطاقة أن الأسعار لا تحدد بصورة عشوائية، بل وفق معادلة مطبقة منذ تحرير سوق المشتقات النفطية عام 2008.
وترى الحكومة أن الضريبة المقطوعة توفر استقرارا للإيرادات العامة، إذ تتيح للخزينة تقدير العوائد السنوية من قطاع المحروقات عند إعداد الموازنة، بدلا من تغير قيمة الضريبة نفسها مع كل ارتفاع أو انخفاض في الأسعار العالمية، كما كان يحدث في ظل الضريبة النسبية.
وعند اعتماد النظام عام 2019، قالت الحكومة إن الضريبة المقطوعة تهدف كذلك إلى حماية المستهلك من ارتفاع قيمة الضريبة كلما ارتفعت أسعار النفط، إلى جانب تثبيت الإيرادات وتعزيز القدرة على التنبؤ بالأسعار.
وفي المقابل، تؤكد الحكومة أنها لا تمرر دائما الارتفاعات العالمية كاملة إلى المستهلك، مستشهدة بتثبيت أسعار أغسطس/آب رغم ارتفاع متوسط كلفة المشتقات في يوليو/تموز، وتحملها دعما وفروقات سعرية بلغت نحو 212 مليون دينار (299 مليون دولار).
مطالب بمرونة أكبر
لكن هذه المبررات لا تقنع جميع الخبراء الاقتصاديين، إذ يرى الشوبكي أن معادلة التسعير أصبحت تحمل طابعا ماليا واضحا، إلى جانب وظيفتها في عكس حركة الأسواق العالمية.
ويقول إن الحكومة تستطيع تخفيف أثر ارتفاع الأسعار عبر خفض الضريبة المقطوعة مؤقتا، بدلا من تحميل المستهلك الكلفة كاملة، داعيا إلى نشر جدول تفصيلي مع كل تسعيرة شهرية يبين السعر العالمي للمشتق، وكلف الشحن والتخزين والتوزيع، وقيمة الضرائب والرسوم، وصولا إلى السعر النهائي.
ويؤكد أن ارتفاع أسعار الطاقة لا يقتصر أثره على أصحاب المركبات، بل يمتد إلى كلف النقل والإنتاج وأسعار الغذاء والخدمات، بما يضغط على القدرة الشرائية للأسر ويضعف النشاط الاقتصادي.
ويرى أن زيادة الشفافية في نشر مكونات السعر ستتيح للمواطن معرفة ثمن الوقود نفسه وحجم ما يدفعه للخزينة، وقد تسهم في الحد من الجدل الذي يتجدد مع كل تسعيرة شهرية.
موقف النواب
داخل مجلس النواب، تتقاطع هذه المطالب مع ما تطرحه عضوة لجنة الطاقة النيابية راكين أبو هنية، التي تقول إن استبدال الضريبة النسبية بضريبة مقطوعة ثابتة جعل أثر انخفاض الأسعار العالمية أقل وضوحا بالنسبة إلى المستهلك.
وتوضح راكين للجزيرة نت أن الحكومة اختارت هذا النظام لأنه يوفر موردا ثابتا يمكن الاعتماد عليه عند إعداد الموازنة، إلا أنها ترى أن الوقت حان لإعادة النظر في المعادلة ومنحها مزيدا من المرونة، بما يسمح بتخفيف العبء الضريبي عندما تتراجع الأسعار العالمية أو ترتفع كلف المعيشة.
وتضيف أن خفض الضرائب على المحروقات لن ينعكس على أصحاب المركبات فقط، بل يمكن أن يخفض كلف الإنتاج والنقل، ويعزز تنافسية القطاع الصناعي، ويدعم فرص العمل.
وتربط راكين ذلك بضرورة تطوير شبكة نقل عام حديثة وفعالة، تقلل اعتماد المواطنين على المركبات الخاصة وتحد من تأثرهم المباشر بتقلبات أسعار الوقود.
ماذا تكشف الأرقام؟
تكشف بيانات وزارة الطاقة أن إجمالي مبيعات المشتقات النفطية في الأردن ارتفع خلال النصف الأول من عام 2026 إلى 1.7867 مليار لتر، مقارنة بنحو 1.7617 مليار لتر في الفترة نفسها من عام 2025، أي بزيادة نسبتها 1.4%، وليس عند مستوى ثابت كما قد يوحي التقارب بين الرقمين.
وتظهر البيانات التي نشرتها وكالة الأنباء الأردنية تراجع مبيعات بنزين أوكتان 90 بنسبة 2.8% إلى 727.7 مليون لتر، في حين ارتفعت مبيعات بنزين أوكتان 95 بنسبة 8.5% إلى 82 مليون لتر.
كما زادت مبيعات الديزل بنسبة 2.8% إلى 913.2 مليون لتر، وقفزت مبيعات الكاز بنسبة 28.6% إلى 63.8 مليون لتر.
وتشير هذه الأرقام إلى استمرار اعتماد السوق الأردنية بدرجة كبيرة على المشتقات النفطية، مع تحول محدود في أنماط الاستهلاك بين المنتجات، وهو ما يفسر حساسية أي تغيير في آلية التسعير بالنسبة إلى الحكومة والمستهلكين والقطاعات الإنتاجية.
تثبيت أسعار المحروقات
يرى الخبير الاقتصادي حسام عايش أن قرار الحكومة تثبيت أسعار المشتقات النفطية لشهر أغسطس/آب، رغم ارتفاع كلف الطاقة، يعكس توجها لتخفيف الأعباء عن المواطنين والقطاعات الاقتصادية خلال فترة ترتفع فيها معدلات الاستهلاك، بالتزامن مع عودة المغتربين، وانتعاش الحركة السياحية، واقتراب موسم العودة إلى المدارس.
ويقول عايش للجزيرة نت إن الحكومات الأردنية تلجأ، عند حدوث ارتفاعات كبيرة ومفاجئة، إلى توزيع أثرها على عدة أشهر بدلا من تمريرها دفعة واحدة إلى المستهلك.
ويعتبر أن تثبيت الأسعار في هذه المرحلة يمثل شكلا من أشكال التدخل الحكومي للحد من الضغوط التضخمية والحفاظ على قدر من الاستقرار المعيشي والاقتصادي.
لكنه يتوقع أن تظل التسعيرات اللاحقة مرتبطة بمسار الأسعار العالمية وحجم الفروقات التي تتحملها الخزينة، محذرا من أن استمرار الكلف المرتفعة قد يضيق قدرة الحكومة على مواصلة تثبيت الأسعار من دون تعديل المعادلة أو إعادة توزيع جزء من هذه الكلف مستقبلا.
المصدر: الجزيرة
مدار الساعة ـ نشر في 2026/08/07 الساعة 10:24