الذكاء الاصطناعي يستحوذ على الاقتصاد الأمريكي محركاً للنمو والإنشاءات والأسواق
مدار الساعة ـ نشر في 2026/08/05 الساعة 15:15
مدار الساعة -يضع الاقتصاد الأمريكي جانباً متزايداً من رهاناته في سلة الذكاء الاصطناعي، بعدما تحولت الطفرة التقنية خلال فترة قصيرة إلى قوة مؤثرة في الاستثمار والإنشاءات والتوظيف وأسواق المال والإنفاق الاستهلاكي، وصولاً إلى أسعار السلع الإلكترونية التي يشتريها الأمريكيون.
وتنفق شركات التكنولوجيا مئات المليارات من الدولارات لتوفير القدرة الحاسوبية اللازمة لتطوير نماذج الذكاء الاصطناعي وتشغيلها، بالتزامن مع إصدار ديون بمليارات الدولارات لتمويل شراء الرقائق والخوادم وبناء مراكز البيانات وتوسعة البنية التحتية المرتبطة بها.
ولم تعد آثار هذا الإنفاق محصورة في قطاع التكنولوجيا؛ إذ يدفع التوسع السريع في مراكز البيانات نشاط الإنشاءات، ويوفر وظائف جديدة، ويزيد إيرادات السلطات المحلية والبلديات في المناطق التي تستضيف هذه المنشآت.
وفي سوق الأسهم، أدى ارتفاع أسهم شركات الرقائق وغيرها من الشركات المستفيدة من طفرة الذكاء الاصطناعي إلى زيادة هائلة في ثروات الأسر الأمريكية، الأمر الذي عزز قدرتها واستعدادها للإنفاق.
وفي تقرير لصحيفة وول ستريت جورنال، يقدّر مايكل بيرس، الخبير الاقتصادي لدى «أكسفورد إيكونوميكس»، أن هذه العوامل مجتمعة كانت مسؤولة عن نحو ثلث النمو الاقتصادي الأمريكي في الفترة الأخيرة.
لكن القوة التي يستمدها الاقتصاد من الذكاء الاصطناعي تمثل في الوقت نفسه إحدى نقاط ضعفه الرئيسية، إذ يثير الاعتماد المتزايد على الطفرة سؤالاً حول ما قد يحدث إذا تراجعت الاستثمارات أو انخفضت تقييمات الشركات المرتبطة بها.
وقال جوناثان ميلار، الخبير الاقتصادي لدى «باركليز»: «إنه اقتصاد يقوده الذكاء الاصطناعي إلى حد كبير في الوقت الراهن، ومن الصعب تصور أن يكون الاقتصاد قريباً من هذا المستوى من الصمود من دون هذا الزخم».
1.5 تريليون دولار من الاستثمارات
وفق وول ستريت جورنال، يصعب تحديد الحجم الدقيق لمساهمة الذكاء الاصطناعي في الاقتصاد، نظراً إلى تداخل الاستثمار فيه مع فئات أخرى من الإنفاق، إلا أن المؤشرات المتاحة تظهر أن التأثير أصبح كبيراً.
وأظهرت تفاصيل تقرير الناتج المحلي الإجمالي أن استثمارات الشركات في الفئات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي تواصل الارتفاع. ولو استمر الإنفاق على البرمجيات، وبناء مراكز البيانات، ومعدات الحاسوب والاتصالات بالوتيرة الحالية لمدة عام كامل، فسيبلغ نحو 1.5 تريليون دولار، مقارنة بمعدل سنوي يقارب تريليون دولار قبل عامين.
وأفادت وزارة التجارة الأمريكية بأن الإنفاق على إنشاء مراكز البيانات بلغ في يونيو 68.3 مليار دولار على أساس سنوي، بزيادة قدرها 21.5 مليار دولار عن مستواه قبل عام.
وفي المقابل، انخفض الإنفاق على جميع أنواع الإنشاءات الخاصة الأخرى بمقدار 101.6 مليار دولار خلال الفترة نفسها، بما يشمل بناء المنازل ومراكز التسوق والمستشفيات.
كما أشارت إفادات الشركات الواردة في تقرير التصنيع الصادر عن معهد إدارة التوريدات لشهر يوليو إلى استمرار الطلب القوي المرتبط بالذكاء الاصطناعي.
ولا يذهب كل الإنفاق المسجل ضمن الفئات التكنولوجية إلى الذكاء الاصطناعي مباشرة؛ إذ يشمل جزء منه، على سبيل المثال، شراء أجهزة الحاسوب المستخدمة على مكاتب الموظفين. وفي الاتجاه المقابل، يمتد إنفاق الذكاء الاصطناعي إلى فئات رأسمالية أخرى لا تُصنف دائماً باعتبارها تكنولوجية، مثل أنظمة التبريد والمولدات الكهربائية الاحتياطية اللازمة لتشغيل مراكز البيانات.
لا يتحول كامل الإنفاق على الذكاء الاصطناعي إلى إنتاج داخل الولايات المتحدة، لأن جزءاً كبيراً من المعدات والمكونات، وفي مقدمتها رقائق الذاكرة وأشباه الموصلات، يأتي من الخارج.
وخلال الأشهر الخمسة الأولى من العام، استوردت الولايات المتحدة معدات حاسوب وأشباه موصلات ومكونات إلكترونية أخرى من تايوان بقيمة تقارب 90 مليار دولار، مقارنة بنحو 20 مليار دولار فقط في الفترة نفسها من عام 2024.
ويعني ذلك أن جانباً من الأموال المخصصة لبناء البنية التحتية للذكاء الاصطناعي يدعم إنتاجاً خارج الولايات المتحدة، ولا يضاف مباشرة إلى الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي.
كما يقلص التضخم القيمة الحقيقية للاستثمارات، إذ تعني القفزة في أسعار الرقائق أن الشركات تحصل حالياً على كمية أقل من المعدات والقدرات الحاسوبية مقابل المبالغ نفسها التي كانت تنفقها في السابق.
ومع أخذ هذه العوامل في الاعتبار، يقدّر بيرس، وفق الصحيفة، أن الاستثمار في الذكاء الاصطناعي وحده كان مسؤولاً عن نحو ربع النمو الأخير في الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي.
سوق الأسهم تدعم المستهلكين
لا تقتصر مساهمة الذكاء الاصطناعي في الاقتصاد على الإنفاق الرأسمالي، إذ تمثل سوق الأسهم المصدر الكبير الآخر للدعم.
وبلغ صافي ثروات الأسر الأمريكية في الربع الأول 174 تريليون دولار، وفقاً لمجلس الاحتياطي الفيدرالي، بزيادة قدرها 13 تريليون دولار عن العام السابق، جاءت في معظمها نتيجة ارتفاع قيمة الأسهم.
ومنذ نهاية الربع الأول، ارتفع مؤشر «ستاندرد آند بورز 1500» الواسع بنحو 15%، ما يرجح أن تكون ثروات الأسر قد ارتفعت تريليونات الدولارات الإضافية. وجاء قسم كبير من هذه المكاسب مدفوعاً بحماسة المستثمرين تجاه الذكاء الاصطناعي والشركات المستفيدة منه.
وعادة ما يدفع ارتفاع صافي الثروة المستهلكين إلى زيادة إنفاقهم. ورغم اختلاف تقديرات ما يعرف بـ«أثر الثروة»، يرى الاقتصاديون عموماً أن كل دولار إضافي من مكاسب الأسهم يؤدي إلى إنفاق بضعة سنتات إضافية.
ويظهر هذا الأثر بصورة أكبر لدى المستهلكين ذوي الدخل المرتفع، لأنهم يمتلكون الحصة الأكبر من الأسهم، ولذلك أصبحت قدرتهم على مواصلة الإنفاق أحد العوامل التي تدعم الاقتصاد الأمريكي. وقال بيرس: «من دون طفرة الاستثمار هذه، من الواضح إلى حد كبير أن الاقتصاد كان سيعمل بوتيرة أضعف».
هل يزاحم الذكاء الاصطناعي بقية الاقتصاد؟
على الرغم من الدعم الذي يوفره الذكاء الاصطناعي للنمو، قد يكون استحواذه على كميات ضخمة من الموارد سبباً في إضعاف نشاط قطاعات أخرى.
وتحتاج مراكز البيانات إلى مساحات واسعة من الأراضي، وكميات كبيرة من مواد البناء، وعمالة ماهرة، إضافة إلى الطاقة والمعدات. وكان من الممكن استخدام هذه الموارد في تشييد المنازل أو المصانع أو المستشفيات أو تنفيذ مشروعات أخرى.
وقال مايكل فيرولي، الخبير الاقتصادي لدى «جيه بي مورغان تشيس»: «لا يمكنك ببساطة حذف الذكاء الاصطناعي والإبقاء على كل شيء آخر من دون تغيير، فالنشاط والحماسة المالية المرتبطان به ربما يزاحمان أنشطة أخرى».
وبذلك، فإن الأرقام المتعلقة بمساهمة الذكاء الاصطناعي في النمو لا تعني بالضرورة أن الاقتصاد كان سيخسر القيمة نفسها بالكامل في حال غياب الطفرة، لأن بعض الأموال والعمالة والمواد كان يمكن أن تنتقل إلى مجالات أخرى.
تأثير يمتد إلى سعر «آيفون»
يسهم الطلب المتزايد على الرقائق والمكونات الإلكترونية أيضاً في تغذية التضخم، ما يقلص القدرة الشرائية للمستهلكين.
فالشركات العاملة في الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات تنافس شركات الإلكترونيات الاستهلاكية على رقائق الذاكرة وغيرها من المكونات، الأمر الذي يدفع الأسعار إلى الارتفاع.
وقد يكون سعر هاتف «آيفون 18 برو»، المتوقع طرحه في سبتمبر، أقل لولا القفزة في أسعار رقائق الذاكرة الناتجة جزئياً عن الطلب المرتبط بالذكاء الاصطناعي.
وهكذا تؤثر الطفرة في المستهلك الأمريكي من اتجاهين: فهي ترفع قيمة محافظ الأسهم وتدعم الإنفاق من جهة، لكنها ترفع أسعار بعض السلع وتقلص القوة الشرائية من جهة أخرى.
4 تريليونات دولار
على الرغم من موجات البيع الأخيرة في عدد من الأسهم المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، لا تزال طفرة الإنفاق مرشحة للاستمرار.
ويتوقع المحللون أن يبلغ إجمالي الإنفاق الرأسمالي لدى خمس من شركات الحوسبة فائقة النطاق، وهي «ألفابت» و«أمازون دوت كوم» و«ميتا بلاتفورمز» و«مايكروسوفت» و«أوراكل»، قرابة 4 تريليونات دولار خلال الأعوام الأربعة المنتهية في 2029، وفقاً لبيانات «فاكت سيت».
وتزيد هذه التقديرات بأكثر من 300 مليار دولار على توقعات المحللين قبل نحو شهر واحد فقط، ما يعكس التسارع المستمر في خطط بناء مراكز البيانات وشراء الرقائق والخوادم ومعدات الاتصالات والطاقة.
لكن استمرار هذا المسار يعتمد جزئياً على بقاء أسواق الأسهم والديون قادرة على تمويله. وقد يؤدي هبوط حاد في أسعار أسهم الشركات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي إلى إضعاف قدرتها أو رغبتها في تنفيذ استثماراتها الضخمة.
كما يمكن أن تؤدي أي اضطرابات في أسواق السندات إلى عرقلة الطفرة، خصوصاً مع اعتماد الشركات بصورة متزايدة على الاقتراض.
وتقدّر «باركليز» أن إصدارات السندات لدى شركات الحوسبة فائقة النطاق الخمس، إضافة إلى «سبيس إكس» بوصفها وافداً جديداً إلى قطاع الذكاء الاصطناعي، ستبلغ 285 مليار دولار هذا العام، مقارنة بنحو 109 مليارات دولار في العام الماضي.
وقال ميلار: «الذكاء الاصطناعي يؤثر في أشياء كثيرة للغاية، وجزء كبير من الاقتصاد يراهن، بطريقة أو بأخرى، على استمرار قوة هذا التوسع».
وباتت الطفرة بذلك مصدراً رئيسياً للنمو والثروة والإنفاق في الولايات المتحدة، لكنها جعلت الاقتصاد أيضاً أكثر ارتباطاً باستمرار تدفق الاستثمارات، وارتفاع أسهم التكنولوجيا، وسلامة أسواق الدين. وأي تراجع حاد في أحد هذه المسارات لن يبقى محصوراً داخل قطاع التكنولوجيا، بل قد يمتد سريعاً إلى الإنشاءات والوظائف وثروات الأسر والاستهلاك والنمو الاقتصادي بأكمله.
وتنفق شركات التكنولوجيا مئات المليارات من الدولارات لتوفير القدرة الحاسوبية اللازمة لتطوير نماذج الذكاء الاصطناعي وتشغيلها، بالتزامن مع إصدار ديون بمليارات الدولارات لتمويل شراء الرقائق والخوادم وبناء مراكز البيانات وتوسعة البنية التحتية المرتبطة بها.
ولم تعد آثار هذا الإنفاق محصورة في قطاع التكنولوجيا؛ إذ يدفع التوسع السريع في مراكز البيانات نشاط الإنشاءات، ويوفر وظائف جديدة، ويزيد إيرادات السلطات المحلية والبلديات في المناطق التي تستضيف هذه المنشآت.
وفي سوق الأسهم، أدى ارتفاع أسهم شركات الرقائق وغيرها من الشركات المستفيدة من طفرة الذكاء الاصطناعي إلى زيادة هائلة في ثروات الأسر الأمريكية، الأمر الذي عزز قدرتها واستعدادها للإنفاق.
وفي تقرير لصحيفة وول ستريت جورنال، يقدّر مايكل بيرس، الخبير الاقتصادي لدى «أكسفورد إيكونوميكس»، أن هذه العوامل مجتمعة كانت مسؤولة عن نحو ثلث النمو الاقتصادي الأمريكي في الفترة الأخيرة.
لكن القوة التي يستمدها الاقتصاد من الذكاء الاصطناعي تمثل في الوقت نفسه إحدى نقاط ضعفه الرئيسية، إذ يثير الاعتماد المتزايد على الطفرة سؤالاً حول ما قد يحدث إذا تراجعت الاستثمارات أو انخفضت تقييمات الشركات المرتبطة بها.
وقال جوناثان ميلار، الخبير الاقتصادي لدى «باركليز»: «إنه اقتصاد يقوده الذكاء الاصطناعي إلى حد كبير في الوقت الراهن، ومن الصعب تصور أن يكون الاقتصاد قريباً من هذا المستوى من الصمود من دون هذا الزخم».
1.5 تريليون دولار من الاستثمارات
وفق وول ستريت جورنال، يصعب تحديد الحجم الدقيق لمساهمة الذكاء الاصطناعي في الاقتصاد، نظراً إلى تداخل الاستثمار فيه مع فئات أخرى من الإنفاق، إلا أن المؤشرات المتاحة تظهر أن التأثير أصبح كبيراً.
وأظهرت تفاصيل تقرير الناتج المحلي الإجمالي أن استثمارات الشركات في الفئات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي تواصل الارتفاع. ولو استمر الإنفاق على البرمجيات، وبناء مراكز البيانات، ومعدات الحاسوب والاتصالات بالوتيرة الحالية لمدة عام كامل، فسيبلغ نحو 1.5 تريليون دولار، مقارنة بمعدل سنوي يقارب تريليون دولار قبل عامين.
وأفادت وزارة التجارة الأمريكية بأن الإنفاق على إنشاء مراكز البيانات بلغ في يونيو 68.3 مليار دولار على أساس سنوي، بزيادة قدرها 21.5 مليار دولار عن مستواه قبل عام.
وفي المقابل، انخفض الإنفاق على جميع أنواع الإنشاءات الخاصة الأخرى بمقدار 101.6 مليار دولار خلال الفترة نفسها، بما يشمل بناء المنازل ومراكز التسوق والمستشفيات.
كما أشارت إفادات الشركات الواردة في تقرير التصنيع الصادر عن معهد إدارة التوريدات لشهر يوليو إلى استمرار الطلب القوي المرتبط بالذكاء الاصطناعي.
ولا يذهب كل الإنفاق المسجل ضمن الفئات التكنولوجية إلى الذكاء الاصطناعي مباشرة؛ إذ يشمل جزء منه، على سبيل المثال، شراء أجهزة الحاسوب المستخدمة على مكاتب الموظفين. وفي الاتجاه المقابل، يمتد إنفاق الذكاء الاصطناعي إلى فئات رأسمالية أخرى لا تُصنف دائماً باعتبارها تكنولوجية، مثل أنظمة التبريد والمولدات الكهربائية الاحتياطية اللازمة لتشغيل مراكز البيانات.
لا يتحول كامل الإنفاق على الذكاء الاصطناعي إلى إنتاج داخل الولايات المتحدة، لأن جزءاً كبيراً من المعدات والمكونات، وفي مقدمتها رقائق الذاكرة وأشباه الموصلات، يأتي من الخارج.
وخلال الأشهر الخمسة الأولى من العام، استوردت الولايات المتحدة معدات حاسوب وأشباه موصلات ومكونات إلكترونية أخرى من تايوان بقيمة تقارب 90 مليار دولار، مقارنة بنحو 20 مليار دولار فقط في الفترة نفسها من عام 2024.
ويعني ذلك أن جانباً من الأموال المخصصة لبناء البنية التحتية للذكاء الاصطناعي يدعم إنتاجاً خارج الولايات المتحدة، ولا يضاف مباشرة إلى الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي.
كما يقلص التضخم القيمة الحقيقية للاستثمارات، إذ تعني القفزة في أسعار الرقائق أن الشركات تحصل حالياً على كمية أقل من المعدات والقدرات الحاسوبية مقابل المبالغ نفسها التي كانت تنفقها في السابق.
ومع أخذ هذه العوامل في الاعتبار، يقدّر بيرس، وفق الصحيفة، أن الاستثمار في الذكاء الاصطناعي وحده كان مسؤولاً عن نحو ربع النمو الأخير في الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي.
سوق الأسهم تدعم المستهلكين
لا تقتصر مساهمة الذكاء الاصطناعي في الاقتصاد على الإنفاق الرأسمالي، إذ تمثل سوق الأسهم المصدر الكبير الآخر للدعم.
وبلغ صافي ثروات الأسر الأمريكية في الربع الأول 174 تريليون دولار، وفقاً لمجلس الاحتياطي الفيدرالي، بزيادة قدرها 13 تريليون دولار عن العام السابق، جاءت في معظمها نتيجة ارتفاع قيمة الأسهم.
ومنذ نهاية الربع الأول، ارتفع مؤشر «ستاندرد آند بورز 1500» الواسع بنحو 15%، ما يرجح أن تكون ثروات الأسر قد ارتفعت تريليونات الدولارات الإضافية. وجاء قسم كبير من هذه المكاسب مدفوعاً بحماسة المستثمرين تجاه الذكاء الاصطناعي والشركات المستفيدة منه.
وعادة ما يدفع ارتفاع صافي الثروة المستهلكين إلى زيادة إنفاقهم. ورغم اختلاف تقديرات ما يعرف بـ«أثر الثروة»، يرى الاقتصاديون عموماً أن كل دولار إضافي من مكاسب الأسهم يؤدي إلى إنفاق بضعة سنتات إضافية.
ويظهر هذا الأثر بصورة أكبر لدى المستهلكين ذوي الدخل المرتفع، لأنهم يمتلكون الحصة الأكبر من الأسهم، ولذلك أصبحت قدرتهم على مواصلة الإنفاق أحد العوامل التي تدعم الاقتصاد الأمريكي. وقال بيرس: «من دون طفرة الاستثمار هذه، من الواضح إلى حد كبير أن الاقتصاد كان سيعمل بوتيرة أضعف».
هل يزاحم الذكاء الاصطناعي بقية الاقتصاد؟
على الرغم من الدعم الذي يوفره الذكاء الاصطناعي للنمو، قد يكون استحواذه على كميات ضخمة من الموارد سبباً في إضعاف نشاط قطاعات أخرى.
وتحتاج مراكز البيانات إلى مساحات واسعة من الأراضي، وكميات كبيرة من مواد البناء، وعمالة ماهرة، إضافة إلى الطاقة والمعدات. وكان من الممكن استخدام هذه الموارد في تشييد المنازل أو المصانع أو المستشفيات أو تنفيذ مشروعات أخرى.
وقال مايكل فيرولي، الخبير الاقتصادي لدى «جيه بي مورغان تشيس»: «لا يمكنك ببساطة حذف الذكاء الاصطناعي والإبقاء على كل شيء آخر من دون تغيير، فالنشاط والحماسة المالية المرتبطان به ربما يزاحمان أنشطة أخرى».
وبذلك، فإن الأرقام المتعلقة بمساهمة الذكاء الاصطناعي في النمو لا تعني بالضرورة أن الاقتصاد كان سيخسر القيمة نفسها بالكامل في حال غياب الطفرة، لأن بعض الأموال والعمالة والمواد كان يمكن أن تنتقل إلى مجالات أخرى.
تأثير يمتد إلى سعر «آيفون»
يسهم الطلب المتزايد على الرقائق والمكونات الإلكترونية أيضاً في تغذية التضخم، ما يقلص القدرة الشرائية للمستهلكين.
فالشركات العاملة في الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات تنافس شركات الإلكترونيات الاستهلاكية على رقائق الذاكرة وغيرها من المكونات، الأمر الذي يدفع الأسعار إلى الارتفاع.
وقد يكون سعر هاتف «آيفون 18 برو»، المتوقع طرحه في سبتمبر، أقل لولا القفزة في أسعار رقائق الذاكرة الناتجة جزئياً عن الطلب المرتبط بالذكاء الاصطناعي.
وهكذا تؤثر الطفرة في المستهلك الأمريكي من اتجاهين: فهي ترفع قيمة محافظ الأسهم وتدعم الإنفاق من جهة، لكنها ترفع أسعار بعض السلع وتقلص القوة الشرائية من جهة أخرى.
4 تريليونات دولار
على الرغم من موجات البيع الأخيرة في عدد من الأسهم المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، لا تزال طفرة الإنفاق مرشحة للاستمرار.
ويتوقع المحللون أن يبلغ إجمالي الإنفاق الرأسمالي لدى خمس من شركات الحوسبة فائقة النطاق، وهي «ألفابت» و«أمازون دوت كوم» و«ميتا بلاتفورمز» و«مايكروسوفت» و«أوراكل»، قرابة 4 تريليونات دولار خلال الأعوام الأربعة المنتهية في 2029، وفقاً لبيانات «فاكت سيت».
وتزيد هذه التقديرات بأكثر من 300 مليار دولار على توقعات المحللين قبل نحو شهر واحد فقط، ما يعكس التسارع المستمر في خطط بناء مراكز البيانات وشراء الرقائق والخوادم ومعدات الاتصالات والطاقة.
لكن استمرار هذا المسار يعتمد جزئياً على بقاء أسواق الأسهم والديون قادرة على تمويله. وقد يؤدي هبوط حاد في أسعار أسهم الشركات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي إلى إضعاف قدرتها أو رغبتها في تنفيذ استثماراتها الضخمة.
كما يمكن أن تؤدي أي اضطرابات في أسواق السندات إلى عرقلة الطفرة، خصوصاً مع اعتماد الشركات بصورة متزايدة على الاقتراض.
وتقدّر «باركليز» أن إصدارات السندات لدى شركات الحوسبة فائقة النطاق الخمس، إضافة إلى «سبيس إكس» بوصفها وافداً جديداً إلى قطاع الذكاء الاصطناعي، ستبلغ 285 مليار دولار هذا العام، مقارنة بنحو 109 مليارات دولار في العام الماضي.
وقال ميلار: «الذكاء الاصطناعي يؤثر في أشياء كثيرة للغاية، وجزء كبير من الاقتصاد يراهن، بطريقة أو بأخرى، على استمرار قوة هذا التوسع».
وباتت الطفرة بذلك مصدراً رئيسياً للنمو والثروة والإنفاق في الولايات المتحدة، لكنها جعلت الاقتصاد أيضاً أكثر ارتباطاً باستمرار تدفق الاستثمارات، وارتفاع أسهم التكنولوجيا، وسلامة أسواق الدين. وأي تراجع حاد في أحد هذه المسارات لن يبقى محصوراً داخل قطاع التكنولوجيا، بل قد يمتد سريعاً إلى الإنشاءات والوظائف وثروات الأسر والاستهلاك والنمو الاقتصادي بأكمله.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/08/05 الساعة 15:15