هل الحكومة مطالبة للدفاع عن القوانين؟
مدار الساعة ـ نشر في 2026/08/05 الساعة 12:36
مرةً أخرى، يتكرر المشهد ذاته في الأردن. مشروع قانون تقدمه الحكومة، نقاشات حادة تحت قبة البرلمان، انقسام نيابي، ثم انفجار في الرأي العام بعد إقرار القانون. وما حدث أخيراً حول مشروع قانون استملاك الأراضي لغايات مشروع السكك الحديدية ليس سوى نموذج جديد لمشكلة قديمة تتكرر مع معظم التشريعات ذات الأثر المجتمعي.
وبعيداً عن الجدل القانوني حول تفاصيل المشروع، فإن القضية الأهم ليست في نصوص القانون بقدر ما هي في إدارة الاتصال الحكومي مع المجتمع.
استوقفتني كلمة النائب المحترم وليد المصري، الذي دعا الحكومة إلى الدفاع عن مشروع القانون وعدم ترك النواب في مواجهة غضب الشارع وحدهم. ورغم تقديري لسعادة الصديق وليد المصري ،إلا أنني أعتقد أن الحكومة ليست مجبرة للدفاع عن القوانين انما هي مطالبه لترويج مشاريع القوانين قبل ارسالها لمجلس الامة.
الحكومة لا ينبغي أن تنتظر حتى يبدأ الجدل، ثم تخرج لتبرير مواقفها. فالدفاع يأتي دائماً بعد تشكل الانطباعات، وبعد أن يكون الرأي العام قد بنى قناعاته، وغالباً ما يكون الوقت قد تأخر لتغييرها.
ما تحتاجه الحكومة هو التسويق السياسي للتشريعات، وهو مفهوم أصبح جزءاً أساسياً من الإدارة العامة الحديثة، ويقوم على بناء التأييد المجتمعي لمشروعات القوانين قبل وصولها إلى السلطة التشريعية، وليس بعد أن تصبح محل خلاف.
في علوم الاتصال الاستراتيجي، لا يُقاس نجاح أي سياسة عامة بسلامة نصوصها القانونية فقط، وإنما بقدرة الحكومة على إدارة إدراك المجتمع لها وشرح دوافعها ومآلاتها وآثارها الاقتصادية والاجتماعية. فالمواطن لا يقرأ مواد القانون، بل يتعامل مع الصورة الذهنية التي تصل إليه، وهذه الصورة تتشكل غالباً من خلال الإشاعات، والاجتهادات، والمواقف السياسية المتعارضة، أكثر مما تتشكل من النص القانوني نفسه.
ولهذا السبب، فإن نشر بيان صحفي أو تصميم “إنفوغرافيك” لا يمكن اعتباره استراتيجية اتصال حكومي. هذه أدوات إعلامية محدودة، لكنها لا تبني فهماً عاماً ولا تنتج قناعة مجتمعية.
التشريع، خصوصاً إذا كان يمس حقوق المواطنين أو مصالحهم الاقتصادية، يحتاج إلى خطة اتصال استراتيجية تسبق إحالته إلى مجلس النواب، تتضمن شرح المشكلة التي جاء القانون لمعالجتها، والبدائل التي تمت دراستها، وأسباب اختيار هذا الحل تحديداً، والنتائج المتوقعة، والفوائد الوطنية والاقتصادية والاجتماعية التي سيحققها.
وقبل أن يصل المشروع إلى البرلمان، يفترض أن تكون الحكومة قد أجرت قياساً للأثر التشريعي بصورة معلنة، إلى جانب دراسات لقياس اتجاهات الرأي العام، وتحليلاً لأصحاب المصلحة لمعرفة طبيعة المخاوف والاعتراضات المتوقعة، ثم تصميم رسائل اتصال تستجيب لهذه المخاوف قبل أن تتحول إلى أزمة سياسية.
كما أن الحكومات الحديثة لم تعد تكتفي بإعداد مشاريع القوانين داخل المكاتب المغلقة، بل تلجأ إلى ما يعرف بـ المشاورات العامة ، حيث تُطرح الأفكار للنقاش مع الفئات المتأثرة قبل الصياغة النهائية، بما يعزز الثقة ويمنح المجتمع شعوراً بالمشاركة، لا بالمفاجأة.
المشكلة في الأردن أن الحكومة غالباً ما تبدأ بالتواصل بعد أن يبدأ الجدل، بينما يفترض أن يبدأ التواصل قبل أن تبدأ الأزمة أصلاً.
ولذلك، نجد أن بعض النواب يدخلون قاعة المجلس وهم أنفسهم لا يمتلكون الصورة الكاملة عن فلسفة المشروع وأهدافه، فيصبح النقاش أسيراً للتفسيرات المتباينة، بينما يتابع المواطن هذه الخلافات فيستنتج أن القانون لا بد أن يحمل ضرراً عليه، طالما أن هناك من يعارضه بشدة.
وهنا تتحول المعارضة النيابية، وهي حق دستوري وممارسة سياسية طبيعية، إلى عامل يصنع قلقاً مجتمعياً، لا لأن القانون سيئ بالضرورة، بل لأن الحكومة لم تنجح في بناء الرواية الرسمية المقنعة قبل بدء النقاش.
هذه الإشكالية ليست جديدة. وقد شاهدناها سابقاً في عدد من التشريعات المهمة، ومنها تعديلات قانون الضمان الاجتماعي، حيث بدأت الحكومة بشرح القانون والدفاع عنه بعد أن أصبح محل جدل واسع، بينما كان من الأجدى أن تسبق ذلك بحملة اتصال مؤسسية تشرح فلسفة التعديلات وأسبابها وآثارها المتوقعة.
إن بناء التشريعات لا ينتهي بصياغة النصوص القانونية، وإنما يبدأ معها بناء القبول المجتمعي.
فالقانون الذي لا يفهمه الناس، حتى وإن كان جيداً، سيولد أزمة ثقة. أما القانون الذي تصل فكرته بوضوح إلى المواطن، فسوف يناقش على أساس مضمونه، لا على أساس الإشاعات أو التأويلات.
اليوم، لم تعد الحكومات تُقاس فقط بكفاءة التشريع، بل أيضاً بكفاءة الاتصال السياسي وإدارة الرأي العام. ولهذا، فإن المطلوب ليس أن تتحول الحكومة إلى محامٍ يدافع عن قوانينها بعد صدورها، وإنما أن تصبح مؤسسة تمتلك استراتيجية متكاملة لتسويق السياسات العامة والتشريعات، عبر الشرح، والحوار، والشفافية، وقياس الأثر، وبناء التأييد المجتمعي قبل وصولها إلى البرلمان.
فالتشريع الذي يسبقه فهمٌ مجتمعي، يختصر نصف الطريق نحو نجاحه. أما التشريع الذي يسبق الفهم، فإنه غالباً ما يبدأ رحلته بأزمة، حتى لو كانت غاياته وطنية وتنموية.
وبعيداً عن الجدل القانوني حول تفاصيل المشروع، فإن القضية الأهم ليست في نصوص القانون بقدر ما هي في إدارة الاتصال الحكومي مع المجتمع.
استوقفتني كلمة النائب المحترم وليد المصري، الذي دعا الحكومة إلى الدفاع عن مشروع القانون وعدم ترك النواب في مواجهة غضب الشارع وحدهم. ورغم تقديري لسعادة الصديق وليد المصري ،إلا أنني أعتقد أن الحكومة ليست مجبرة للدفاع عن القوانين انما هي مطالبه لترويج مشاريع القوانين قبل ارسالها لمجلس الامة.
الحكومة لا ينبغي أن تنتظر حتى يبدأ الجدل، ثم تخرج لتبرير مواقفها. فالدفاع يأتي دائماً بعد تشكل الانطباعات، وبعد أن يكون الرأي العام قد بنى قناعاته، وغالباً ما يكون الوقت قد تأخر لتغييرها.
ما تحتاجه الحكومة هو التسويق السياسي للتشريعات، وهو مفهوم أصبح جزءاً أساسياً من الإدارة العامة الحديثة، ويقوم على بناء التأييد المجتمعي لمشروعات القوانين قبل وصولها إلى السلطة التشريعية، وليس بعد أن تصبح محل خلاف.
في علوم الاتصال الاستراتيجي، لا يُقاس نجاح أي سياسة عامة بسلامة نصوصها القانونية فقط، وإنما بقدرة الحكومة على إدارة إدراك المجتمع لها وشرح دوافعها ومآلاتها وآثارها الاقتصادية والاجتماعية. فالمواطن لا يقرأ مواد القانون، بل يتعامل مع الصورة الذهنية التي تصل إليه، وهذه الصورة تتشكل غالباً من خلال الإشاعات، والاجتهادات، والمواقف السياسية المتعارضة، أكثر مما تتشكل من النص القانوني نفسه.
ولهذا السبب، فإن نشر بيان صحفي أو تصميم “إنفوغرافيك” لا يمكن اعتباره استراتيجية اتصال حكومي. هذه أدوات إعلامية محدودة، لكنها لا تبني فهماً عاماً ولا تنتج قناعة مجتمعية.
التشريع، خصوصاً إذا كان يمس حقوق المواطنين أو مصالحهم الاقتصادية، يحتاج إلى خطة اتصال استراتيجية تسبق إحالته إلى مجلس النواب، تتضمن شرح المشكلة التي جاء القانون لمعالجتها، والبدائل التي تمت دراستها، وأسباب اختيار هذا الحل تحديداً، والنتائج المتوقعة، والفوائد الوطنية والاقتصادية والاجتماعية التي سيحققها.
وقبل أن يصل المشروع إلى البرلمان، يفترض أن تكون الحكومة قد أجرت قياساً للأثر التشريعي بصورة معلنة، إلى جانب دراسات لقياس اتجاهات الرأي العام، وتحليلاً لأصحاب المصلحة لمعرفة طبيعة المخاوف والاعتراضات المتوقعة، ثم تصميم رسائل اتصال تستجيب لهذه المخاوف قبل أن تتحول إلى أزمة سياسية.
كما أن الحكومات الحديثة لم تعد تكتفي بإعداد مشاريع القوانين داخل المكاتب المغلقة، بل تلجأ إلى ما يعرف بـ المشاورات العامة ، حيث تُطرح الأفكار للنقاش مع الفئات المتأثرة قبل الصياغة النهائية، بما يعزز الثقة ويمنح المجتمع شعوراً بالمشاركة، لا بالمفاجأة.
المشكلة في الأردن أن الحكومة غالباً ما تبدأ بالتواصل بعد أن يبدأ الجدل، بينما يفترض أن يبدأ التواصل قبل أن تبدأ الأزمة أصلاً.
ولذلك، نجد أن بعض النواب يدخلون قاعة المجلس وهم أنفسهم لا يمتلكون الصورة الكاملة عن فلسفة المشروع وأهدافه، فيصبح النقاش أسيراً للتفسيرات المتباينة، بينما يتابع المواطن هذه الخلافات فيستنتج أن القانون لا بد أن يحمل ضرراً عليه، طالما أن هناك من يعارضه بشدة.
وهنا تتحول المعارضة النيابية، وهي حق دستوري وممارسة سياسية طبيعية، إلى عامل يصنع قلقاً مجتمعياً، لا لأن القانون سيئ بالضرورة، بل لأن الحكومة لم تنجح في بناء الرواية الرسمية المقنعة قبل بدء النقاش.
هذه الإشكالية ليست جديدة. وقد شاهدناها سابقاً في عدد من التشريعات المهمة، ومنها تعديلات قانون الضمان الاجتماعي، حيث بدأت الحكومة بشرح القانون والدفاع عنه بعد أن أصبح محل جدل واسع، بينما كان من الأجدى أن تسبق ذلك بحملة اتصال مؤسسية تشرح فلسفة التعديلات وأسبابها وآثارها المتوقعة.
إن بناء التشريعات لا ينتهي بصياغة النصوص القانونية، وإنما يبدأ معها بناء القبول المجتمعي.
فالقانون الذي لا يفهمه الناس، حتى وإن كان جيداً، سيولد أزمة ثقة. أما القانون الذي تصل فكرته بوضوح إلى المواطن، فسوف يناقش على أساس مضمونه، لا على أساس الإشاعات أو التأويلات.
اليوم، لم تعد الحكومات تُقاس فقط بكفاءة التشريع، بل أيضاً بكفاءة الاتصال السياسي وإدارة الرأي العام. ولهذا، فإن المطلوب ليس أن تتحول الحكومة إلى محامٍ يدافع عن قوانينها بعد صدورها، وإنما أن تصبح مؤسسة تمتلك استراتيجية متكاملة لتسويق السياسات العامة والتشريعات، عبر الشرح، والحوار، والشفافية، وقياس الأثر، وبناء التأييد المجتمعي قبل وصولها إلى البرلمان.
فالتشريع الذي يسبقه فهمٌ مجتمعي، يختصر نصف الطريق نحو نجاحه. أما التشريع الذي يسبق الفهم، فإنه غالباً ما يبدأ رحلته بأزمة، حتى لو كانت غاياته وطنية وتنموية.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/08/05 الساعة 12:36