سقطت الخلافة… فهل قامت الدولة؟

عبد المنعم الوريكات
مدار الساعة ـ نشر في 2026/08/04 الساعة 15:06
عندما سقطت آخر الخلافات الإسلامية "الخلافة العثمانية" في مطلع القرن العشرين، لم يكن سقوطها مجرد نهاية نظام سياسي حكم المنطقة لقرون، بل كان لحظة فاصلة فتحت باباً واسعاً للأحلام والآمال.

خرج العرب من مرحلة طويلة أثقلت كاهلهم في أواخر العهد العثماني بسبب الضعف السياسي، وسياسات التهميش، والتراجع الإداري، وظن الكثيرون أن القادم سيكون أفضل، وأن نهاية الحكم العثماني ستكون بداية عهد جديد عنوانه الحرية، والعدل، والمساواة، والكرامة، وبناء دولة حديثة يكون المواطن فيها شريكاً لا تابعاً

كان الحلم كبيراً…

لكن بعد أكثر من مائة عام، يقف العربي أمام سؤال تاريخي مؤلم:

هل تحقق ما حلمت به الشعوب؟ وهل جاءت الدولة الحديثة بما وعدت به؟ أم أن الذي تغير كان أسماء الحكام، وشكل الأنظمة، والرايات، بينما بقي جوهر الأزمة كما هو؟!

لم يكد العرب يخرجون من ظل الدولة العثمانية حتى وجدوا أنفسهم أمام مرحلة جديدة من السيطرة الخارجية، فبدلاً من الاستقلال الكامل وبناء مشروع عربي موحد، دخلت المنطقة في عصر الانتداب البريطاني والفرنسي، ورُسمت حدود جديدة وفق مصالح القوى الكبرى، وأصبحت اتفاقيات مثل سايكس بيكو رمزاً لمرحلة أعادت تشكيل المنطقة بطريقة لم تكن دائماً منسجمة مع تاريخها وهويتها

انتقل العرب من إمبراطورية ضعيفة إلى دول حديثة، لكن هذه الدول وُلدت وسط ظروف معقدة، تحمل معها آثار التقسيم، وضعف المؤسسات، والتدخلات الخارجية، وكان المواطن ينتظر دولة تصنع مستقبله، فإذا به يجد نفسه في دول تحاول أولاً تثبيت وجودها وسط صراعات الداخل والخارج

جاءت مرحلة الاستقلال، وارتفعت الشعارات الكبرى، وتعلقت الجماهير بهذه الوعود، وانتظرت أن تتحول الدولة إلى مؤسسة تخدم المواطن وتحمي حقوقه، لكن التجربة في كثير من الدول سارت باتجاه مختلف، فبدلاً من بناء مؤسسات قوية تقوم على القانون والمحاسبة، تحولت الدولة أحياناً إلى نظام يتمحور حول الشخص أو الحزب أو الفئة الحاكمة

اختفى الوالي القديم، لكن ظهر في بعض التجارب نموذج “دولة الأشخاص” وتغيرت الشعارات، لكن بقيت مشكلة تركّز السلطة وضعف المشاركة الشعبية، ووجد العرب أنظمة تستمر لعقود طويلة، كان ينتظر العدالة، فواجه الفساد والمحسوبية وغياب المحاسبة

لا يمكن إنكار أن العالم العربي شهد خلال القرن الماضي تحولات مهمة، توسعت المدن، وانتشر التعليم، وتطورت البنية التحتية، وحققت بعض الدول قفزات اقتصادية كبيرة، خصوصاً تلك التي امتلكت موارد طبيعية أو نجحت في بناء مؤسسات أكثر استقراراً

لكن في المقابل، بقيت دول أخرى عالقة في دائرة الفقر والبطالة وضعف الخدمات والاعتماد على الخارج، فالثروة وحدها لا تصنع نهضة، وإنما تصنعها الإدارة الرشيدة، والمؤسسات القوية، والإنسان الذي يشعر أن وطنه يمنحه فرصة عادلة، ولهذا نجد دولاً قليلة الموارد استطاعت أن تتقدم، بينما بقيت دول غنية تعاني أزمات عميقة

كان حلم الوحدة العربية أحد أكبر المشاريع التي رافقت سقوط الخلافة، حيث اعتقد كثيرون أن نهاية الحكم العثماني ستكون بداية قيام كيان عربي قوي قادر على حماية مصالحه، لكن الواقع ذهب في اتجاه آخر

ظهرت حدود جديدة، ونشأت خلافات بين الدول العربية، وتحولت بعض الاختلافات السياسية إلى صراعات وحروب أضعفت الجميع ناهيك عن صراع العروش، وبقيت القضية الفلسطينية شاهداً على أن معاناة المنطقة لم تنتهِ بتغير الأنظمة، بل استمرت بأشكال جديدة من الاحتلال والصراع والتهجير وكانت تجارب الإدارة نماذج مستوردة عبثية غير مدروسة لتطابق الواقع العربي

واذا سألنا هل تغيّر شيء فعلاً؟ الإجابة العادلة لا تقول أنّ مائة عام مرت دون أي تغيير، فقد ظهرت دول حديثة، وتوسعت فرص التعليم، وتطورت مجتمعات كثيرة، وظهرت تجارب عربية ناجحة أثبتت أن التقدم ممكن عندما تكون المؤسسات قوية، والقانون فوق الجميع، والإدارة تقوم على الكفاءة

لكن السؤال الحقيقي ليس: هل تغيرت الأشكال؟ بل هل تغيرت العلاقة بين الدولة والمواطن؟

لأن جوهر المشكلة لم يكن يوماً في اسم النظام أو شكل الحكم فقط، وإنما في وجود دولة يشعر المواطن أنها ملك له، تحمي حقوقه، وتصون كرامته، وتعامله كشريك في بناء المستقبل

بعد قرن كامل من سقوط الخلافة العثمانية، تبدو الحقيقة واضحة، لم تكن المشكلة فقط فيمن حكم، بل في طريقة الحكم، ولم تكن الأزمة في تغيير الرايات، بل في بناء المؤسسات، ولم يكن المطلوب مجرد التخلص من مرحلة تاريخية، بل إنشاء مرحلة أفضل منها

الشعوب لا تبحث عن أسماء كبيرة ولا شعارات عظيمة بقدر بحثها عن حياة كريمة، وعدالة حقيقية، وقانون قوي وعادل يطبّق على الجميع

ويظهر هنا السؤال الذي يطارد التاريخ العربي، هل آن الأوان أن ننتقل إلى مرحلة تغيير قواعد البناء؟

فالأمم لا تنهض عندما تبدل وجوهها فقط، بل عندما تبني مؤسساتها، وتصنع إنسانها، وتضع كرامة المواطن في مقدمة أولوياتها
مدار الساعة ـ نشر في 2026/08/04 الساعة 15:06