السردية الأردنية.. كُتبت في الناس قبل أن تُكتب في الكتب

محمد إقبال المجالي
مدار الساعة ـ نشر في 2026/08/03 الساعة 16:05
كثيراً ما ينطرح سؤال: ما هي السردية الأردنية؟ ... ويذهب البعض إلى البحث عنها في كتب التاريخ أو في الوثائق الرسمية أو في المناهج الدراسية رغم أنه ولا شك أن هذه المصادر تشكل جزءاً مهماً من فهم الدولة وتاريخها... لكنها في رأيي لا تمثل السردية الأردنية كاملة.

‏فالسردية الأردنية ليست مجرد رواية مكتوبة، بل هي قصة يعيشها الأردنيون كل يوم ... إنها حاضرة في سلوك الناس قبل الكلمات وفي القيم قبل النصوص وفي العلاقات الاجتماعية قبل الوثائق... إنها تبنى من تفاصيل الحياة اليومية التي تشكل شخصية المجتمع الأردني ومن الطريقة التي ينظر بها الأردني إلى نفسه وإلى الآخر ومن منظومة أخلاقية واجتماعية توارثتها الأجيال.

‏السردية الأردنية أجدها في احترام الأردني لل الأردني الأخر وفي المكانة التي تحظى بها كل عشيرة لدى العشائر الأخرى وفي ثقافة النخوة والفزعة وإكرام الضيف وصون الجار واحترام الكبير والتكافل الاجتماعي الذي يظهر في الأفراح قبل الأتراح .... هذه القيم لم تكتب في قانون لكنها أصبحت جزءاً من هوية المجتمع وهي التي صنعت صورة الأردني أينما كان.

‏كما أن السردية الأردنية لا تقتصر على العلاقات الاجتماعية بل تمتد إلى التراث الشعبي الذي ما زال حاضراً في وجدان الناس ففي الهجيني والهيهات والأشعار والسامر وفي الأغاني الشعبية التي ترافق مناسباتنا الاجتماعية، نجد تاريخاً شفهياً يحمل ذاكرة المجتمع وقيمه وأسلوب حياته. ف هذه الفنون ليست مجرد موروث للترفيه وإنما لغة ثقافية تنقل الهوية من جيل إلى اخر وتربط الماضي بالحاضر.

‏ولا تتوقف السردية الأردنية عند حدود الوطن بل تظهر أيضاً في طريقة تعامل الأردنيين مع الشعوب الأخرى.... فقد عرف الأردني في كثير من البيئات التي عمل أو عاش فيها بالاعتدال والاحترام وحسن التعامل والانفتاح على غيرها من الشعوب وهي صفات أسهمت في تكوين صورة إيجابية عن الأردن وأبنائه... لذلك فإن المواطن الأردني أينما وجد لا يمثل نفسه فقط بل يحمل جزءاً من سردية وطنه في سلوكه وأخلاقه.

‏ومن هنا فإن الحفاظ على السردية الأردنية لا يكون بالحديث عنها في الندوات والمؤتمرات فقط ولا بحفظها في الكتب والأرشيف بل بجعلها جزءاً من مشروع وطني للتنمية الثقافية والاجتماعية والاقتصادية.... فالثقافة ليست ترفاً وإنما ركيزة من ركائز الأمن الوطني لأنها تحافظ على الهوية وتمنح المجتمع ثقته بنفسه.

‏ويمتلك الأردن ثروة حضارية وتراثية استثنائية تضم عدداً كبيراً من المواقع الأثرية والتاريخية والطبيعية والثقافية التي تمتد من الشمال إلى الجنوب وهذه المواقع ليست مجرد وجهات سياحية بل هي شواهد على تعاقب الحضارات وعلى العمق التاريخي للأردن.... ولذلك فإن حمايتها وصيانتها وربط المجتمعات المحلية بها ليس واجباً ثقافياً فقط ... بل استثمار في الهوية الوطنية وفي مستقبل الإقتصاد الأردني أيضاً.

‏لكن الحفاظ على هذا الإرث وحده لا يكفي... ف العالم اليوم يتعرف إلى الدول من خلال ما تنتجه من محتوى ثقافي وإعلامي أكثر مما يتعرف إليها عبر الكتب ولهذا فإن الأردن بحاجة إلى استراتيجية حقيقية لتقديم سرديته إلى العالم من خلال أعمال درامية تحكي قصصه التاريخية والإنسانية وأفلام وثائقية تعرف بتراثه ومواقعه وأغانٍ شعبية تعكس أصالة المجتمع ومحتوى رقمي احترافي على وسائل التواصل الاجتماعي يخاطب الأجيال الجديدة بلغتها ويقدم الأردن كما هو: (بلدًا يمتلك تاريخاً عريقاً وثقافة غنية ومجتمعاً يقوم على الاحترام والاعتدال والتكافل).

‏إن السردية الوطنية لا تفرض بقرار ولا تصنع بخطاب رسمي فقط بل تبنى عندما تتكامل الثقافة مع التعليم والإعلام مع الفنون والسياحة مع التنمية والمجتمع مع الدولة وعندما يشعر المواطن أن تراثه ليس مجرد ماضٍ يحتفى به ... (بل مورد للمستقبل) فإن الحفاظ عليه يصبح مسؤولية جماعية.

‏وفي تقديري فإن التحدي الحقيقي أمام الأردن اليوم ليس في امتلاك سردية وطنية بل في القدرة على نقلها إلى الأجيال الجديدة وإلى العالم ... ف لدينا قصة تستحق أن تروى لكن علينا أن نرويها بلغة العصر وبأدواته وبصورة صادقة تعكس واقعنا وتاريخنا وطموحاتنا.

‏السردية الأردنية ليست شعاراً سياسياً ولا فصلاً في كتاب تاريخ ولا مادة تدرس في المدارس فحسب .... إنها طبع الأردني في قيمه ولهجته وتراثه وعلاقاته ومواقفه وطريقته في الحياة ... وما دامت هذه القيم حاضرة في المجتمع وما دام الأردني يعتز بهويته وينقلها إلى أبنائه بالفعل قبل القول فإن السردية الأردنية ستبقى حية، لا لأنها كُتبت في الكتب بل لأنها تعيش في قلوب الناس.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/08/03 الساعة 16:05