في حضرة الراية.. للوفاء يومُه وللإنجاز أهلُه

جهاد المساعدة
مدار الساعة ـ نشر في 2026/08/02 الساعة 21:23
دخلتُ دارَ الراية يوم أتمّت من عمرها عقدًا، وأقامت للوفاء وعدًا، فإذا المكان قد ارتدى من البهجة حُلّة، ومن الذكرى حِلْية، واجتمع فيه أهل الخبر والخُبرة، وصُنّاع الصوت والصورة، وحَمَلة الفكرة والعبارة؛ ممن يتقدّمون المشهد، وممن يصنعون له ألقه في قلب المسار.

وما كادت العيون تستقر على زينة المكان، حتى أقبلت سمو الأميرة زينة الفيصل، فغدا حضورُها زينةَ المجلس، وأضحت المناسبةُ سرورًا، وأصبح اسمُ الراية معنىً يفيض مودةً وتقديرًا.

دخلت سموها دخولَ مَن يمنح المجلس صدرًا بحضوره؛ هادئة الخطو، باسمة المحيّا، قريبة من الجميع، تسأل فتجعل السؤال عناية، وتصغي فتجعل الإصغاء رعاية، وتصافح فتمنح المصافحة معنى يتجاوز التحية إلى التقدير.

رأيتها تنتقل بين العاملين، فتمنح الكبير قدره، وتحيط أصحاب الجهد بودّها، وتقرأ في الوجوه ما كتبته الأعوام من عمل وعطاء. كان قربها يزيد المقام رفعة، وتواضعها يمنح الهيبة تمامها؛ تواضعٌ يرفع، وقربٌ يُهاب، ولطفٌ تلتقي فيه المهابة بالمحبة، ويجتمع فيه سمو المكان بصفاء الإنسان.

وهذا الخُلُق امتداد لبيت هاشمي عُرف بالقرب مع الرفعة، وباللين مع القوة، وبالكرم مع المكانة، وبالوفاء عند العهد. بيتٌ جعل الإنسان محور المسؤولية، وربط رفعة المقام بحسن المقال وجمال الفعال.

وفي سمو الأميرة زينة من هذا الإرث سَمْتُه، ومن هذه المدرسة حكمتُها؛ فهي قرينة صاحب السمو الملكي الأمير فيصل بن الحسين، ابن الحسين الباني، وشقيق جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين؛ الأمير الذي جعل من الرياضة تربية ورسالة، ومن المنافسة أخلاقًا وشهامة، ومن السلام طريقًا يجمع الشباب على التعاون والاحترام.

يحمل سمو الأمير فيصل من إرث الحسين عزيمة البناء، ومن نهج الملك أمانة الولاء، ومن ميادين الشباب إيمانًا بأن قوة الجسد تكتمل برجاحة العقل وسماحة الروح. وتشاركه سمو الأميرة زينة هذا المعنى الكريم؛ هو يفتح للرياضة باب السلام، وهي تفتح للمحبة باب القلوب، فيلتقي في المسيرة عزمٌ حكيم، ولطفٌ كريم، وعطاءٌ ينهض بالإنسان ويحفظ مكانته.

وفي قربها من الحضور تجلّى نهج جلالة الملك عبدالله الثاني وصاحب السمو الملكي الأمير فيصل بن الحسين؛ النهج الذي يجعل التواضع تمام الهيبة، والاقتراب من الناس رفعةً في مقامهم، والإصغاء إليهم بابًا من أبواب القيادة. فالملك في وجدان الأردنيين قريبٌ وهو القائد، متواضعٌ وهو صاحب المقام، يصغي إلى الجندي والعامل والشاب، ويعرف أن الدولة تسمو بإخلاص أبنائها، وأن الإنجاز يكتمل حين يجد أصحابه التقدير الذي يليق بعطائهم.

فكان حضور سموها هاشميَّ الأصل، ملكيَّ الخُلُق، وفيصليَّ النهج والوفاء؛ اجتمع فيه شرف النسب وشرف السبب، وأصالة البيت وأصالة الفعل، فزاد حسنُ الوصل حسنَ الأصل، وزيّن لطفُ الكلام رفعةَ المقام.

وكان اسمها يومئذ مشتقًا من معناها، ومعناها ناطقًا باسمها؛ زينةٌ زانت المجلس، وزينةٌ زيّنت المسيرة، وزينةٌ جعلت للحضور حضورين: حضورًا في المكان، وحضورًا في الوجدان.

ثم التفتُّ إلى أسرة مجموعة الراية الإعلامية، فرأيتُ مذيعًا يصقل للصوت نبرته، ومحررًا يزن للكلمة عبارتها، ومعدًّا يجمع للفكرة أطرافها، ومخرجًا يقيم للصورة إطارها، وفنيًّا يوقد للأثير أنواره، وإداريًّا يرتّب للعمل مساره. الجميع حروفٌ في كلمة واحدة، وأوتارٌ في نغمة متآلفة، تتضافر جهودهم فيكتمل البيان ويستقيم البنيان.

وكانت الذكرى في ظاهرها عشرة أعوام، وفي حقيقتها سيرةُ عطاء وعِقدُ أثر؛ فمن راديو هلا الذي يفتح للصباح نافذته، إلى هلا أخبار التي تضع المعلومة في سياقها، إلى جيش إف إم الذي يحمل في صوته انضباط الجندية ووفاءها، إلى بليس 104.3 التي تصل نبض العصر بأصالة المكان.

تنوّعت المنابر فتآلفت، واختلفت النبرات فتكاملت؛ لكل منصة لونها، وللجميع وجهةٌ واحدة، ولكل أثير صداه، وللأردن في كل صدى اسمه ومعناه.

وللراية من اسمها نصيب؛ فهي عهدٌ يعلو لواء، وقيمةٌ تستقر في السريرة، تستمد من الهاشميين شرفها، ومن الجيش العربي انضباطها، ومن الأردن وجهتها ومبتغاها. فالراية تجمع الأبصار حول رمز، والإعلام يجمع البصائر حول معنى، فتلتقي الراية والرواية، ويتآلف العَلَم والعِلم، ويغدو الأثير ميدانًا للكلمة الأمينة.

وقد صنعت مجموعة الراية خلال عقدها الأول أكثر من خبر وبرنامج؛ صنعت كفاءات، وصقلت مواهب، وفتحت أمام أصوات أردنية آفاقًا عربية وعالمية. فالمؤسسة التي تبني الإنسان تمنح رسالتها عمرًا أطول، وتجعل من الخبر معرفة، ومن المعرفة وعيًا، ومن الوعي انتماءً.

وحين اكتمل اللقاء، ظلَّ أثرُه وارفًا في الذاكرة؛ صورةُ أميرةٍ رفيعةِ السجايا اقتربت من الجميع بصفاء السريرة، فزاد القربُ مقامَها مهابةً، وزادت المهابةُ في القلوب محبةً؛ وصورةُ أسرةٍ إعلاميةٍ وجدت في حضورها وفاءً لعقدٍ من العمل، واحتفاءً بعقدٍ من العطاء.

وهكذا ارتقى احتفالُ مجموعة الراية الإعلامية من ذكرى تُؤرَّخ إلى سيرةٍ تُخلَّد؛ فغدا عَقْدًا مصوغًا من الإنجاز، وعهدًا موصولًا بالوفاء، ومشهدًا تجلّت فيه رفعةُ نهج الملك، ومضاءُ عزم الفيصل، وبهاءُ زينة الحضور؛ فحلّقت الراية فوق السارية شموخًا، وسكنت في القلب محبةً، وفي الذاكرة مجدًا، وفي الضمير عهدًا مصونًا لا يزول.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/08/02 الساعة 21:23