طقوس الكتابة.. حين يبوح الإبداع بأسراره
مدار الساعة ـ نشر في 2026/08/01 الساعة 10:46
لكلِّ مبدعٍ طريقته الخاصة في الولوج إلى عالم الكتابة، ولكلِّ قلمٍ طقوسه التي لا تشبه سواها، حتى ليخيَّل إلى القارئ أن الإبداع لا يولد من الكلمات وحدها، وإنما من عاداتٍ صغيرة، وأمزجةٍ متقلبة، وأماكن بعينها، وأوقاتٍ يختارها الكاتب لتكون مسرحًا لمخاض النص. ومن يتتبع سير الأدباء والشعراء عبر العصور، يدرك أن الكتابة لم تكن يومًا فعلًا آليًا يخضع لقواعد ثابتة، وإنما كانت تجربةً إنسانيةً بالغة الخصوصية، يحيط بها كثيرٌ من الغرابة، ويكتنفها شيءٌ من السحر الذي يصعب تفسيره.
فقد قيل إن الشاعر الروسي ألكسندر بوشكين كان يجد في الخريف الفصل الأمثل للكتابة، وكأن اصفرار الأوراق، وسكون الطبيعة، وانطفاء الصيف، توقظ في روحه ينابيع الإلهام. أما جان جاك روسو وتشارلز ديكنز، فكانا يؤثران ساعات الصباح الأولى، حيث صفاء الذهن، وهدوء العالم قبل أن تضج الحياة بصخبها. وعلى النقيض من ذلك، كان اللورد بايرون وفيودور دوستويفسكي يأنسان إلى المساء، حين يهبط الليل بأسراره، وتغدو النفس أكثر ميلًا إلى التأمل، وأكثر استعدادًا لاستدعاء ما يختبئ في أعماقها من رؤى وأفكار.
وكان أنطون تشيخوف يهوى الجلوس عند النافذة، وكأن انفتاحها على العالم يمنحه القدرة على التقاط تفاصيل الحياة العابرة وتحويلها إلى أدب خالد، بينما لم يكن ميخائيل ليرمنتوف يعبأ بنوع الورق الذي يكتب عليه، فكان يدون أبياته على أي شيء تقع عليه يده، لأن الفكرة عنده كانت أغلى من الوسيلة التي تحفظها.
أما ليف تولستوي، فكان على النقيض من ذلك تمامًا؛ إذ كان يحرص على أن تكون أمامه رزمة من الورق الجيد، وكأن جودة الأدوات جزء من احترامه للنص الذي يكتبه. بينما اختار الشاعر الفرنسي بيرانجيه المقاهي الشعبية والرخيصة مكانًا لكتابة أغانيه، فكان يستمد من ضجيج الناس وحركة الشارع نبض قصائده وروحها.
ومن غرائب الطقوس الأدبية أن آرثر بنسون، وكذلك مارك توين، لم يكونا يستطيعان الكتابة إلا وهما مستلقيان على السرير، في حين كان أمير الشعراء أحمد شوقي يملي قصائده وهو يذرع الغرفة ذهابًا وإيابًا، وكأن الحركة توقظ الفكرة، وتجعل الوزن الشعري يتدفق مع خطواته. ومن أشهر ما يُروى عنه أنه أملى قصيدته الخالدة "النيل"، التي مطلعها:
من أيِّ عهدٍ في القرى تتدفَّقُ وبأيِّ كفٍّ في المدائنِ تُغدِقُ
وهو على ظهر مركب يشق مياه النيل، بينما ظل هو يجوب سطح المركب جيئةً وذهابًا، في مشهدٍ تتعانق فيه حركة الشاعر مع حركة النهر، حتى بدا وكأن القصيدة نفسها تولد من انسياب الماء.
وكان إبراهيم ناجي، شاعر الرومانسية والطبيب الإنسان، يكتب خواطره وأبياته على علب الأدوية، أو على الأمشاط، أو على أي ورقة تقع في متناول يده، خشية أن تهرب الفكرة قبل أن يقبض عليها. أما أبو القاسم الحريري، فكان يعيش لحظة الإلهام بكل جوارحه؛ يلوح بيديه، ويكثر من الحركة، وربما نتف لحيته وهو غارق في التأمل، كأن الجسد كله يشارك العقل في ولادة النص.
وكان البحتري يبدأ نظم قصائده مع أول خيط للفجر، فلا يستقر في مجلسه، بل ينهض ويجلس، ويمشي ثم يعود، حتى يفرغ من قصيدته، وكأن القلق رفيق الإبداع، والسكون عدو القصيدة. أما جرير، فإذا أراد أن يهجو خصومه، اتخذ لذلك طقسًا خاصًا؛ فيأمر غلامه بإشعال السراج، ويرتدي ثيابًا مخصوصة، ثم ينهمك في النظم حتى ينجز معظم القصيدة، فيطفئ المصباح، ويؤجل ما بقي منها إلى صباح اليوم التالي، حيث يعود إليها مراجعةً وتنقيحًا وإتمامًا.
وهذه الأمثلة، على اختلاف أصحابها، تكشف أن الكتابة ليست مجرد فعلٍ ذهني، بل حالة وجودية يدخل فيها المبدع عالمًا خاصًا لا يشبه العالم الذي يحيط به. إنها أشبه بطقسٍ روحي، أو عزلةٍ مقدسة، أو رحلةٍ داخل الذات، تختلف مفاتيحها من كاتب إلى آخر. فما يصلح لأحدهم قد يكون عائقًا لغيره، وما يراه بعضهم شرطًا للإبداع قد لا يعني شيئًا عند سواه.
ومن هنا يبرز سؤال طالما شغل القارئ والباحث معًا: هل لهذه الطقوس أثرٌ حقيقي في ولادة النص، أم أنها مجرد عاداتٍ نفسية ألفها المبدع حتى أصبحت جزءًا من شخصيته الإبداعية؟ وهل ينبع الإبداع من المكان والزمان والأدوات، أم من تلك الشرارة الخفية التي تشتعل في أعماق النفس، فتجعل الكاتب قادرًا على تحويل التجربة الإنسانية إلى كلمات خالدة؟
إن القارئ لا يرى من الكاتب إلا النص بعد اكتماله، لكنه لا يشهد ساعات المخاض الطويلة التي سبقته، ولا يعرف شيئًا عن ذلك العالم الخفي الذي يتشكل فيه العمل الأدبي. ولو أتيح له أن يفتح أبواب غرف الكتّاب، أو أن يجلس في صوامعهم وهم يصارعون البياض الأول للورقة، لاكتشف أن وراء كل كتاب حكاية، ووراء كل قصيدة طقسًا، ووراء كل رواية عالمًا من التفاصيل الصغيرة التي تبدو في ظاهرها عادية، لكنها في نظر صاحبها مفاتيح الإبداع. وربما لهذا تبقى العلاقة بين الكاتب والكتابة علاقةً عصيةً على التفسير، لا تخضع لقانون، ولا تستجيب لقاعدة، وإنما يحكمها ذلك السر الغامض الذي يجعل من لحظة الكتابة حدثًا استثنائيًا، ومن النص الأدبي ثمرةً لمزيجٍ فريد من الموهبة، والتجربة، والخيال، والطقوس التي لا يعرف حقيقتها إلا أصحابها.
فقد قيل إن الشاعر الروسي ألكسندر بوشكين كان يجد في الخريف الفصل الأمثل للكتابة، وكأن اصفرار الأوراق، وسكون الطبيعة، وانطفاء الصيف، توقظ في روحه ينابيع الإلهام. أما جان جاك روسو وتشارلز ديكنز، فكانا يؤثران ساعات الصباح الأولى، حيث صفاء الذهن، وهدوء العالم قبل أن تضج الحياة بصخبها. وعلى النقيض من ذلك، كان اللورد بايرون وفيودور دوستويفسكي يأنسان إلى المساء، حين يهبط الليل بأسراره، وتغدو النفس أكثر ميلًا إلى التأمل، وأكثر استعدادًا لاستدعاء ما يختبئ في أعماقها من رؤى وأفكار.
وكان أنطون تشيخوف يهوى الجلوس عند النافذة، وكأن انفتاحها على العالم يمنحه القدرة على التقاط تفاصيل الحياة العابرة وتحويلها إلى أدب خالد، بينما لم يكن ميخائيل ليرمنتوف يعبأ بنوع الورق الذي يكتب عليه، فكان يدون أبياته على أي شيء تقع عليه يده، لأن الفكرة عنده كانت أغلى من الوسيلة التي تحفظها.
أما ليف تولستوي، فكان على النقيض من ذلك تمامًا؛ إذ كان يحرص على أن تكون أمامه رزمة من الورق الجيد، وكأن جودة الأدوات جزء من احترامه للنص الذي يكتبه. بينما اختار الشاعر الفرنسي بيرانجيه المقاهي الشعبية والرخيصة مكانًا لكتابة أغانيه، فكان يستمد من ضجيج الناس وحركة الشارع نبض قصائده وروحها.
ومن غرائب الطقوس الأدبية أن آرثر بنسون، وكذلك مارك توين، لم يكونا يستطيعان الكتابة إلا وهما مستلقيان على السرير، في حين كان أمير الشعراء أحمد شوقي يملي قصائده وهو يذرع الغرفة ذهابًا وإيابًا، وكأن الحركة توقظ الفكرة، وتجعل الوزن الشعري يتدفق مع خطواته. ومن أشهر ما يُروى عنه أنه أملى قصيدته الخالدة "النيل"، التي مطلعها:
من أيِّ عهدٍ في القرى تتدفَّقُ وبأيِّ كفٍّ في المدائنِ تُغدِقُ
وهو على ظهر مركب يشق مياه النيل، بينما ظل هو يجوب سطح المركب جيئةً وذهابًا، في مشهدٍ تتعانق فيه حركة الشاعر مع حركة النهر، حتى بدا وكأن القصيدة نفسها تولد من انسياب الماء.
وكان إبراهيم ناجي، شاعر الرومانسية والطبيب الإنسان، يكتب خواطره وأبياته على علب الأدوية، أو على الأمشاط، أو على أي ورقة تقع في متناول يده، خشية أن تهرب الفكرة قبل أن يقبض عليها. أما أبو القاسم الحريري، فكان يعيش لحظة الإلهام بكل جوارحه؛ يلوح بيديه، ويكثر من الحركة، وربما نتف لحيته وهو غارق في التأمل، كأن الجسد كله يشارك العقل في ولادة النص.
وكان البحتري يبدأ نظم قصائده مع أول خيط للفجر، فلا يستقر في مجلسه، بل ينهض ويجلس، ويمشي ثم يعود، حتى يفرغ من قصيدته، وكأن القلق رفيق الإبداع، والسكون عدو القصيدة. أما جرير، فإذا أراد أن يهجو خصومه، اتخذ لذلك طقسًا خاصًا؛ فيأمر غلامه بإشعال السراج، ويرتدي ثيابًا مخصوصة، ثم ينهمك في النظم حتى ينجز معظم القصيدة، فيطفئ المصباح، ويؤجل ما بقي منها إلى صباح اليوم التالي، حيث يعود إليها مراجعةً وتنقيحًا وإتمامًا.
وهذه الأمثلة، على اختلاف أصحابها، تكشف أن الكتابة ليست مجرد فعلٍ ذهني، بل حالة وجودية يدخل فيها المبدع عالمًا خاصًا لا يشبه العالم الذي يحيط به. إنها أشبه بطقسٍ روحي، أو عزلةٍ مقدسة، أو رحلةٍ داخل الذات، تختلف مفاتيحها من كاتب إلى آخر. فما يصلح لأحدهم قد يكون عائقًا لغيره، وما يراه بعضهم شرطًا للإبداع قد لا يعني شيئًا عند سواه.
ومن هنا يبرز سؤال طالما شغل القارئ والباحث معًا: هل لهذه الطقوس أثرٌ حقيقي في ولادة النص، أم أنها مجرد عاداتٍ نفسية ألفها المبدع حتى أصبحت جزءًا من شخصيته الإبداعية؟ وهل ينبع الإبداع من المكان والزمان والأدوات، أم من تلك الشرارة الخفية التي تشتعل في أعماق النفس، فتجعل الكاتب قادرًا على تحويل التجربة الإنسانية إلى كلمات خالدة؟
إن القارئ لا يرى من الكاتب إلا النص بعد اكتماله، لكنه لا يشهد ساعات المخاض الطويلة التي سبقته، ولا يعرف شيئًا عن ذلك العالم الخفي الذي يتشكل فيه العمل الأدبي. ولو أتيح له أن يفتح أبواب غرف الكتّاب، أو أن يجلس في صوامعهم وهم يصارعون البياض الأول للورقة، لاكتشف أن وراء كل كتاب حكاية، ووراء كل قصيدة طقسًا، ووراء كل رواية عالمًا من التفاصيل الصغيرة التي تبدو في ظاهرها عادية، لكنها في نظر صاحبها مفاتيح الإبداع. وربما لهذا تبقى العلاقة بين الكاتب والكتابة علاقةً عصيةً على التفسير، لا تخضع لقانون، ولا تستجيب لقاعدة، وإنما يحكمها ذلك السر الغامض الذي يجعل من لحظة الكتابة حدثًا استثنائيًا، ومن النص الأدبي ثمرةً لمزيجٍ فريد من الموهبة، والتجربة، والخيال، والطقوس التي لا يعرف حقيقتها إلا أصحابها.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/08/01 الساعة 10:46