النَّحَارِير!

جهاد المساعدة
مدار الساعة ـ نشر في 2026/07/29 الساعة 15:44
النِّحرير، في اللغة، رجل حاذق بصير، لا تخدعه القشور، ولا يضل طريقه إلى جوهر الأمور.

ابتكر بعضُ النَّحَارِير للكلمة معنى جديدًا؛ فأصبح النحرير رجلًا يدير الدولة من فراشه، لا يحرّك سوى إبهام رجله اليسرى، ويعيد رسم الاقتصاد والسياسة والإدارة بين هزّتين للقدم، ثم ينهض ساخطًا لأن الحكومة لم تعتمد الخطة التي وضعها تحت الغطاء، ولم تستشر العبقرية التي لم تغادر الوسادة.

ونحاريرنا كثيرون.

تجدهم في المقاهي، وعلى الشاشات، وفي مجموعات الهاتف، وخلف الحسابات المجهولة، وفي الصفوف الأولى من مناسبات لا يعرفون سبب انعقادها. لكل واحد منهم خطة لإنقاذ الاقتصاد، وحل نهائي للبطالة، ومشروع لتطوير التعليم، ونظرية لإدارة الدولة؛ لكنه يعجز عن إدارة موعده، أو ترتيب أوراقه، أو الاعتراف بأنه لا يعرف.

النحرير لا يحتاج إلى معلومات؛ فالمعلومات تربك يقينه. يكفيه عنوان عاجل، أو صورة مبتورة، أو وثيقة منتزعة من سياقها، ليعلن أنه كشف مؤامرة عجزت أجهزة العالم عن كشفها منذ الحرب الباردة.

النحرير لا يقرأ الخبر؛ بل يقفز فوقه إلى الحكم. لا يبحث عما وقع، وإنما عما يؤكد ما استقر في رأسه مسبقًا. فإن وافقته الوقائع، قال: ألم أقل لكم؟ وإن خالفته، اتهمها بأنها جزء من التضليل.

عنده، كل الطرق تؤدي إلى الإدانة: صمت المسؤول اعتراف، وحديثه تبرير، وفتح التحقيق إثبات، ونتيجته إن خالفت الاتهام تستر جديد. إنه قاضٍ بلا محكمة، وخبير بلا اختصاص.

يوزع الاتهامات كما يوزع بائع اليانصيب الأرقام؛ يرمي مئة تهمة، فإذا أصابت واحدة، نسي الناس التسع والتسعين، وعلّق هو الإصابة الوحيدة على صدره كوسام.

بعض النحارير يدّعون حب الوطن حبَّ الجزار لخروف العيد؛ يربتون على ظهره طويلًا قبل أن يمرروا السكين.

يقول أحدهم إنه يخاف على الدولة، ثم يقضي نهاره في إقناع الناس بأنها عاجزة، وأن مؤسساتها فاسدة، وإعلامها سحيج.

وحين تسأله: ماذا أبقيت من الدولة التي تزعم الدفاع عنها؟

يلوّح بشعارات وطنية، كأن ارتفاع صوته بها يمحو ما سكبه من إساءات في جسد الدولة.

النحرير لا يريد دولة قوية؛ بل دولة على مقاسه. يريد المسؤول أن يتصل به قبل اتخاذ القرار، والوزير أن يشرح له خطته، والمؤسسة أن تجيب عن منشوره خلال عشر دقائق، والقضاء أن يصدر حكمه قبل أن ينتهي هو من كتابة الاتهام.

فإن لم يحدث ذلك، أعلن أن الدولة ترتجف منه، والحقيقة أن كثيرًا من المؤسسات لا تعرف أصلًا أنه موجود.

وللنحارير مواسم، كما للطيور مواسم هجرة. يظهرون عند كل أزمة، يتكاثرون حولها، يصرخون فوقها، ثم يغادرون قبل ظهور الحقيقة. فالحقيقة باردة، ثقيلة، مليئة بالتفاصيل، أما الاتهام فساخن وخفيف، يطير من هاتف إلى آخر بلا جواز سفر.

لذلك لا يحب النحرير الملفات المغلقة؛ فهو يعيش من الأبواب المواربة. يَعِد الناس كل مساء بصيد كبير، ويتركهم في انتظار القادم.

وحين يصل القادم، يكون شبيهًا بسابقه: عنوان ضخم، ومضمون هزيل، وعبارات تتعثر إحداها بالأخرى، كأنها تسير على عكازات مكسورة.

وقد تطور بعض النحارير، فلم يعودوا يكتفون بالتعليق على الدولة؛ بل أصبحوا يستجوبونها عبر المنشورات.

يستيقظ أحدهم صباحًا، يحتسي قهوته، ثم يستدعي دولة الرئيس إلى جلسة مساءلة رقمية، ويمنحه مهلة للإجابة، ويوجه سؤالًا إلى وزير، ويختمه بعبارة: "ننتظر التوضيح فورًا".

وكأن الأدوار قد انعكست، وأصبحت الحكومة مطالبة بتقديم بيانها الوزاري في خانة التعليقات، وتحولت الصفحة المجهولة إلى مجلس نواب، والمنشور إلى استجواب، وعدد الإعجابات إلى تصويت على الثقة.

فإن أجاب الوزير، أعلن النحرير أنه أجبر الحكومة على الرد. وإن تجاهله، عدّ الصمت هزيمة رسمية أمام سطوته. وأخطر النحارير أولئك الذين يصنعون حول أنفسهم قطيعًا إلكترونيًا. يلقنون أتباعهم العبارة، ويحددون لهم الهدف، ثم يطلقونهم في التعليقات. يتحدث الجميع بالكلمات ذاتها، ويغضبون في اللحظة ذاتها، ويهجمون على الشخص ذاته، حتى يبدو تكرار الادعاء كأنه إجماع وطني.

مَنْ يَسأَل يُتهم. ومن يتريث يُخوَّن. ومن يطلب الدليل يصبح جزءًا من الملف المقبل.

وهكذا يصبح التفكير خيانة، والتحقق جبنًا، وإعادة النشر أعلى درجات البطولة.

ولأن نحريرنا شجاعٌ إلى حدّ الاختباء، فإنه يخوض معاركه باسمٍ مستعار، ويطالب الدولة بأن تكشف له أدراجها، فيما يعجز هو عن كشف اسمه.

يسأل الجميع: مَن أنتم؟ ومن أين لكم هذا؟ ثم يفرّ إلى قناعه، ويختار ضحاياه بمزاجٍ لا يفسّره إلا حقده؛ فالشفافية عنده سوطٌ للآخرين، أمّا هو فمجهولٌ يرتجف من توقيع اسمه أسفل كلماته.

الحكومة ليست ضد النقد؛ لكن النقد شيء، وتحويل مؤسساتها إلى لوحةٍ لرمي السهام يتدرّب عليها النَّحَارِير شيءٌ آخر.

ما أكثر النحارير في وطننا، وما أقل من يضعون حجرًا واحدًا في بنائه.

يقفون على الرصيف، يشرحون للعمال كيف تُبنى الدولة، وحين يُطلب من أحدهم أن يرفع حجرًا، يتذكر فجأة أن لديه استجوابًا عاجلًا لوزير، وخطة سرية لإنقاذ الوطن من شاشة الهاتف.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/07/29 الساعة 15:44