الثقافة.. قوّتنا الناعمة

د. هبة عباسي
مدار الساعة ـ نشر في 2026/07/28 الساعة 21:40
كلما اشتدّت التحديات السياسيّة أو الاقتصاديّة أو الاجتماعيّة، يخرج من يتساءل: هل نحتاج إلى الثقافة؟ وهل أصبحت الثقافة والفنون ترفًا يمكن الاستغناء عنه؟

لكن ربما يجدر بنا أن نطرح سؤالًا مختلفًا: هل عرف التاريخ حضارة عظيمة بلا ثقافة؟ وهل يمكن أن نبني وطنًا قويًا إذا تراجع حضور الثقافة في حياتنا؟ وهل عرفت الإنسانيّة يومًا حضارة ازدهرت بالاقتصاد وحده، أو بالسياسة وحدها، دون فكر وفن وإبداع؟

من منّا لا يعرف فيثاغورس، أو أرسطو، أو ليوناردو دافنشي؟

لم يكونوا مجرد علماء أو فلاسفة. فقد درس فيثاغورس العلاقة بين الأرقام والأنغام، ورأى أرسطو في الموسيقى وسيلة لبناء الأخلاق وتهذيب النفس، بينما جمع ليوناردو دافنشي بين الفن والعلم والهندسة، مؤكدًا أن الإبداع لا يعرف حدودًا بين المعرفة والجمال.

وفي الحضارة الإسلامية، برز الكندي، فيلسوف العرب، الذي أسهم في تأسيس الفكر الموسيقي العلمي، ثم جاء الفارابي صاحب كتاب "الموسيقى الكبير"، الذي جمع بين الفلسفة والموسيقى في واحد من أهم المؤلفات في تاريخ الفكر الإنساني، وابن سينا الذي ربط بين الموسيقى والرياضيات وعلم النفس والطب، فاعتبرها علماً رياضياً يبحث في التنافر والتآلف بين النغمات، واستخدمها كوسيلة علاجية لتهدئة النفس وتسكين الآلام.

لم يكن الفن يومًا منفصلًا عن العلم، ولم تكن الموسيقى نقيضًا للفلسفة، بل كانا معًا وجهين لحضارة واحدة.

ولذلك، لم تترك لنا الحضارات العظيمة قصورًا ومعابد فقط، بل تركت أيضًا مسارح، ومدرجات، وموسيقى، وشعرًا، وفنونًا، لأنها كانت تدرك أن الحضارة ليست ما نبنيه من حجرٍ فحسب، بل ما نبنيه في عقل الإنسان وروحه ووجدانه.

ولعل خير شاهد على ذلك ما خلّفته الحضارات من آثار؛ فلم تكتفِ ببناء المعابد والقصور والطرق، بل شيدت أيضًا المسارح، بما يعكس المكانة التي احتلتها الفنون والموسيقى والشعر في الحياة العامة، ويشهد على أن الثقافة كانت جزءًا أصيلًا من مشروع الحضارة، لا ترفًا أُضيف إليها.

والأردنّ ليس استثناءً من ذلك؛ فعندما تستضيف مدننا الأثرية أمسية موسيقيّة، أو عرضًا مسرحيًا، أو مهرجانًا ثقافيًا، فإنها لا تستخدم تلك المواقع استخدامًا طارئًا، بل تعيد إليها جزءًا من رسالتها التاريخيّة. فمدرجات جرش الرومانيّة لم تُشَيَّد لتكون حجارةً صامتة، بل بُنيت لتكون فضاءات يلتقي فيها الناس حول المسرح والموسيقى وفنون الأداء، ولتشهد بأن الفن جزء من الحياة العامة، وأن الحضارة لا تُقاس بما تبنيه من طرقٍ وأسوار فحسب، بل بما تتيحه للإنسان من فضاءات للفكر والجمال والإبداع.

وبعد نحو ألفي عام، ما زالت تؤدي رسالتها الحضارية، وإن تبدلت اللغات وتغيرت الألحان. ومن هنا، لا يبدو السؤال الحقيقي متعلقًا بوجود الثقافة، بل بدورها ومستقبلها. فالسؤال ليس: كيف نقلّل حضور الثقافة؟ بل: كيف نجعلها أكثر وصولًا، وأكثر تأثيرًا، وأكثر حضورًا في حياة الأردنيين؟

إنّ النقاش حول تطوير العمل الثقافي، أو رفع جودة البرامج، أو ترشيد الإنفاق، هو نقاش مشروع ومطلوب. لكن تطوير الثقافة لا يكون بتقليص حضورها، بل بتوسيع أثرها، ودعم مؤسّساتها، وتمكين المبدعين، وإيصال الفنون إلى كل مدينة وقرية. فبناء الإنسان لا يكتمل بالمعرفة وحدها، بل يحتاج أيضًا إلى الجمال والإبداع والقدرة على التعبير.

ولذلك، فإن الأمسيات الموسيقيّة، والعروض المسرحيّة، والفعاليّات الثقافيّة التي تستضيفها مدننا الأردنيّة ليست مجرد مناسبات ترفيهيّة، بل امتداد لدور الثقافة في ترسيخ الانتماء، وتعزيز الوعي، وإبراز صورة الأردن الحضارية أمام العالم.

واليوم، ونحن نتحدث عن السرديّة الوطنيّة الأردنيّة، وعن الاهتمام الكبير الذي توليه قيادتنا الهاشميّة الحكيمة لهذا الملف، فإن الثقافة ليست نشاطًا جانبيًا، بل هي إحدى أهم الأدوات التي تُروى بها قصّة الأردنّ، وتُصان بها هُويّته، وتُحفظ بها ذاكرته الوطنيّة. فالسرديّة لا تُكتب في الكتب وحدها، بل تُروى على خشبة المسرح، وتُعزف بالموسيقى، وتُرسم بالفنون، وتُجسد في كل عمل إبداعي يعبر عن هذا الوطن، ومن خلال ذلك، نكتب روايتنا الوطنيّة الجامعة، بأصوات أبنائها وإبداعهم، لا بالكلمات وحدها.

فلنختلف في الآليّات، ولنناقش الأولويّات، ولنطالب بمزيد من التطوير، لكن دعونا لا نضع الثقافة في موضع الاتهام.

فالثقافة ليست ترفًا ولا كماليّة، بل ذاكرة الوطن، وهُويّة المجتمع، وروح الحضارة، وعقل الأمة.

والأمم التي تُهمّش ثقافتها... تُضعف ذاكرتها، وتُربك هُويّتها، وتتنازل عن جزء من قوّتها الناعمة.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/07/28 الساعة 21:40