عصر ما بعد المتابعين.. لماذا تتجه الشركات الأمريكية نحو المؤثرين الصغار؟

مدار الساعة ـ نشر في 2026/07/28 الساعة 20:47
مدار الساعة -بعد سنوات من سباق العلامات التجارية نحو المؤثرين أصحاب الجماهير الضخمة، بدأت كبرى الشركات الأمريكية تتجه إلى أصحاب الحسابات الصغيرة، حتى لو لم يتجاوز عدد متابعي بعضهم 500 شخص. ويعكس هذا التحول تغيراً في قواعد التسويق عبر وسائل التواصل الاجتماعي، بعدما أصبحت المصداقية وجودة المحتوى والتفاعل الحقيقي أكثر أهمية من حجم الجمهور.

ستتجاوز إيرادات صناع المحتوى في الولايات المتحدة من أنشطة التسويق عبر وسائل التواصل الاجتماعي 21 مليار دولار خلال 2026، بعدما تضاعفت تقريباً مقارنة بمستويات 2022.

توسع هذا النموذج يثير تساؤلات حول شفافية المحتوى، إذ يخشى البعض من انتشار منشورات تبدو كتجارب شخصية بينما تكون في الحقيقة مدفوعة من العلامات التجارية.

وجاء هذا التغيير مع تطور طريقة عمل منصات مثل: تيك توك وإنستغرام، التي لم تعد تمنح الأفضلية تلقائياً للحسابات الأكبر، بل تدفع بالمحتوى الأكثر جذباً إلى مستخدمين جدد بغض النظر عن عدد المتابعين.

لذلك، لم تعد ملايين المتابعات ضماناً لوصول الرسائل التسويقية، بينما أصبح بإمكان فيديو يصوره مستخدم عادي داخل منزله أن يحقق انتشاراً واسعاً إذا نجح في جذب التفاعل.

ولهذا السبب، أطلقت شركات مثل: "ليتل سبون" و"سول سايكل" و"أمريكان إيغل" و"تارغت" برامج تستهدف صناع المحتوى الناشئين، وتمنحهم منتجات مجانية أو بطاقات هدايا أو عمولات على المبيعات مقابل مشاركة تجاربهم مع المنتجات، مستفيدة من محتوى يبدو أقرب إلى توصيات الأصدقاء من الإعلانات التقليدية.

تجربة عملية

تجسد تجربة الأمريكية ريد موتيت هذا التحول، فخلال سنوات، لم يجذب حسابها على إنستغرام وتيك توك اهتمام العلامات التجارية الكبرى بسبب محدودية عدد متابعيها، رغم تقديمها محتوى عن الأمومة، إلا أن ظهور برامج صناع المحتوى الناشئين منحها فرصة جديدة لدخول عالم التسويق الرقمي دون الحاجة إلى بناء جمهور ضخم.

وانضمت "موتيت" إلى برنامج "نادي تارغت"، الذي يضم نحو 15 ألف عضو، ويحصل المشاركون فيه على مكافآت مقابل نشر محتوى عن مشترياتهم أو التفاعل مع العلامة التجارية.

وحصلت حتى الآن على بطاقات هدايا، بينها بطاقة بقيمة 10 دولارات مقابل مقاطع فيديو عن تجربتها داخل المتجر، وتسعى للوصول إلى مستويات أعلى تتيح لها الحصول على عمولات من المبيعات.

ولا تقتصر هذه البرامج على تقديم مكافآت بسيطة للمشاركين، إذ تساعد بعض الشركات المستخدمين أيضاً على تعلم أساسيات صناعة المحتوى، وتمنحهم فرصة ظهور أكبر عبر إعادة نشر أعمالهم على حسابات العلامة التجارية، ما قد يحولهم تدريجياً من مجرد عملاء إلى مروجين دائمين للمنتجات.

عصر ما بعد المتابعين

يطلق بعض مسؤولي التسويق على هذا التحول "عصر ما بعد المتابعين"، في إشارة إلى أن قيمة صانع المحتوى لم تعد تقاس بعدد الأشخاص الذين يتابعونه فقط.

فمع اعتماد المنصات على خوارزميات تركز على التفاعل، أصبحت الشركات تفضل أحياناً التعاون مع عدد أكبر من الحسابات الصغيرة بدلاً من الاعتماد على مؤثرين محدودين أصحاب جماهير ضخمة.

الأرقام تكشف حجم التحول

وتعكس هذه التحولات نمواً متسارعاً في قطاع التسويق عبر المؤثرين ككل. فوفق توقعات شركة eMarketer، ستتجاوز إيرادات صناع المحتوى في الولايات المتحدة من أنشطة التسويق عبر وسائل التواصل الاجتماعي 21 مليار دولار خلال 2026، بعدما تضاعفت تقريباً مقارنة بمستويات 2022.

وفي الوقت نفسه، تغيرت خريطة توزيع هذه الميزانيات؛ إذ تشير بيانات الشركة إلى أن المؤثرين النانويين والمصغرين معاً أصبحوا يستحوذون على نحو 49.9% من إنفاق العلامات التجارية الأمريكية على صناع المحتوى، بعدما كانت حصتهم أقل من خُمس الإنفاق قبل سنوات.

تساؤلات حول الشفافية

ويدفع هذا التحول العلامات التجارية إلى الاعتماد على مقاطع بسيطة يصورها المستخدمون بأنفسهم، بعدما أثبتت أن المحتوى العفوي قد يحقق تفاعلاً أكبر من الإعلانات الاحترافية مرتفعة التكلفة.

لكن توسع هذا النموذج يثير تساؤلات حول شفافية المحتوى، إذ يخشى البعض من انتشار منشورات تبدو كتجارب شخصية بينما تكون في الحقيقة مدفوعة من العلامات التجارية.

لذلك بدأت الشركات بوضع قواعد تلزم المشاركين بالإعلان بوضوح عن أي محتوى يحصلون مقابله على أجر أو منتجات مجانية.

وفي النهاية، لا يعني صعود أصحاب الحسابات الصغيرة اختفاء المؤثرين الكبار، لكنه يعيد تعريف معنى التأثير في التسويق الرقمي؛ فالثقة التي يبنيها شخص مع مئات المتابعين قد تصبح أكثر قيمة من جمهور ضخم لا يشعر بالثقة في المحتوى.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/07/28 الساعة 20:47