رسائل سياسية من الجنوب

ماهر ابو طير
مدار الساعة ـ نشر في 2026/07/26 الساعة 23:24
الكل يدرك أن مدينة العقبة هي عصب الأردن الاقتصادي والتجاري والسياحي، وهي ليست مجرد ميناء يتنفس منه الأردن، ولا مجرد مناطق صناعية، ولا منصة لصيد السمك.

أعجبني كثيرا ما فعله رئيس الوزراء الدكتور جعفر حسان، يوم الأحد، إذ أبرق برسائل سياسية حساسة من مدينة العقبة حين افتتح محطة الغاز الطبيعي في المنطقة الصناعية الجنوبية بالعقبة، ووضَعَ حجر الأساس لمشروع إنشاء وحدة التغويز الشاطئية، وزار محمية العقبة البحرية عقب إدراجها على قائمة التراث العالمي لليونسكو مؤخرا، إضافة إلى اجتماعه مع الفريق الاقتصادي في شركة تطوير العقبة، وإشارته إلى أن العقبة هي الركن الرئيس للمشاريع الإستراتيجيَّة الكبرى في قطاعات المياه والطاقة والنَّقل والسكك الحديدية.

وهو يبرق بهذه الرسائل متجاوزا مناخات التشكيك باستقرار الأردن كما في ملف العقبة، وكأن الأردن يقول هنا إن العقبة باقية، وإن لا شيء سيدفع الأردن للتراجع أو التأثر.

القصة هنا ليست مجاملة الإعلام للرئيس، كما سيظن البعض، وليست تعبيرا عن التبعية لأحد، بل قصة حساسية الموقع والتوقيت وحاجة الموقع إلى رعاية مضاعفة، خصوصا أن هذه الزيارات تأتي بعد أيام قليلة من استهداف العقبة بالصواريخ. فبالرغم من كونها مدينة صغيرة، فإن المنشآت فيها حساسة، بدءا من الميناء مرورا بالمطار، والمنشآت الصناعية والكيماوية والتجارية، وقبل كل هذا من يعيش في العقبة من الأردنيين، والعرب والأجانب.

العقبة نموذج اقتصادي، ولها سلطتها، وهي نموذج اقتصادي يركز على جذب الاستثمارات، والسياح، كما أن كل ما يصدّره الأردن أو يستورده يتدفق عبر العقبة. ولذلك، لا يمكن اعتبار إطلاق الصواريخ على العقبة أمرا عاديا، وحتى أولئك الذين يهللون للصواريخ يريدونها نحو إسرائيل وليس نحو مدينة أردنية، ولا أحسب أن أردنيا واحدا يريد أن يجرّب نقص الغذاء والدواء والمستوردات إذا تعرضت العقبة لأضرار، ولا أظنه سيحتمل ذلك أصلا.

العقبة أمامها فرصة كبيرة جدا، في ظل أزمة الإقليم، لأن تتحول إلى موقع أساسي إذا أحسن الأردن الاستفادة من الدروس السابقة، ومن نقاط الضعف في الإقليم. ومن حق الأردن أن يجدد خططه بشأن العقبة، خصوصا في مناخات الاختناق الإقليمي التي لا تنتهي حتى الآن.

ربما نطالب أيضا بأن تعقد الحكومة مجلسها المقبل في العقبة، كونها تعقد اجتماعاتها في المحافظات، وإذا كانت عمان الرسمية لا تريد أن تتصرف برد فعل يبدو آنيا أو انفعاليا بعد الذي تعرضت له العقبة، فإن هذا لا يمنع من زيادة التركيز على العقبة وخطط تطويرها.

يكافح الأردن في ظل ظروف صعبة، وسط بيئة سياسية واقتصادية معقدة، ومهددات من كل الجهات، مع أزمات داخلية تبدأ بالغلاء والبطالة والفساد، وتراجع جودة الحياة السياسية والبرلمانية والحزبية. وإذا كان الوضع معقدا بهذه الطريقة، فهذا لا يمنع أن نحاول مرة، ومرتين، وأكثر، من أجل أن يبقى الأردن قويا، في ظل ما نراه أيضا من سياسات الهدم التي تتنزل على كل الإقليم، وتدفع شعوبه الثمن، دون أن يرفّ جفنٌ للمتسبب بهذا الخراب.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/07/26 الساعة 23:24