العدل النبوي مع المؤمن والكافر

مدار الساعة ـ نشر في 2026/07/26 الساعة 22:46
مدار الساعة -نبينا مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم أعدل الناس، وأبعدهم عَنِ الظلم، فما ظلم أحدا، ولا جار في حُكْمٍ أبدا، ومِنْ أخلاقه وصفاته المعروف بها الصدق والأمانة، والعدل في الرضا والغضب.. وقد وسِعَ وشمل عَدْلُه القريب والبعيد، والصديقّ والعدو، والمؤمن والكافر.. فما أظلت الخضراء منذ خَلَقَ الله عز وجل آدم إلى أن يرث الأرض ومَنْ عليها، أحسن خُلُقا ولا أعدل مِنْ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد امتدحه ربه سبحانه فقال: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ}(القلم:4). قال السعدي: "وحاصل خُلُقه العظيم، ما فسرته به أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها لمن سألها عنه، فقالت: (كان خُلُقُه القرآن)"..

والسيرة النبوية مليئة بالمواقف والأحاديث التي تبين مدى عدله صلى الله عليه وسلم مع الكافر، ومن ذلك:

1 ـ عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (مَنْ حَلَف على يَمِينٍ يَسْتَحِقُّ بها مالًا وهو فِيها فاجِر (كاذب)، لَقِيَ اللَّهَ وهو عليه غَضْبَان، فأنْزل اللَّه تَصْديق ذلك: {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا}، فَقَرَأَ إلى {عَذَابٌ أَلِيمٌ}(آل عمران:77). ثُمَّ إنَّ الأشْعَث بنَ قَيْسٍ خَرج إليْنا، فقال: ما يُحَدِّثُكُمْ أبو عبد الرحمن (كُنية عبد الله بن مسعود)؟ قال: فَحَدَّثْنَاه، قال: فقال: صَدَق، لَفِيَّ واللَّه أُنْزِلَتْ (يؤكد لهم أنَّ هذه الآية نزلت فيه)، كانت بَيْنِي وبيْن رجُل خصومة في بئْرٍ، فاخْتصمْنا إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فقال رسول اللَّه: شاهداك (لِيَحضُرْ أو ليَشْهَدْ شاهِداك) أوْ يَمِينه (يَحلِف خَصْمُك اليهودي المدَّعى عليه يَمينًا إنْ لم يكُنْ لك بيِّنة)، قُلتُ: إنَّه إذًا يَحْلِف ولَا يُبَالِي (وهذا إشارة إلى أنَّ الأشعَث رَضيَ الله عنه ليس عندَه بيِّنة ولا شاهد)، فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: مَنْ حَلَف على يَمِينٍ يَسْتَحِقُّ بها مَالًا وهو فيها فَاجِر (كاذب)، لَقِيَ اللَّهَ وهو عليه غَضْبَان، فأنْزل اللَّه تصْديق ذلك، ثم اقْترأ هذه الآية: {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}(آل عمران:77)) رواه البخاري.

قال الطبري: "عن عكرمة قال: نزلت هذه الآية: {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا}، في أبي رافع، وكنانة بن أبي الحقيق، وكعب بن الأشرف، وحُييّ بن أخطب. وقال آخرون: بل نزلت في الأشعث بن قيس وخصم له. عن الأعمش، عن أبي وائل، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مَن حَلف على يمين هو فيها فاجرٌ ليقتطع بها مالَ امرئ مسلم، لقيَ اللهَ وهو عليه غضبان). فقال الأشعث بن قيس: فيّ والله كان ذلك: كان بيني وبين رجل من اليهود أرضٌ فجحدني، فقدّمته إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألك بيِّنة؟ قلتُ: لا! فقال لليهودي: "احلفْ، قلتُ: يا رسول الله، إذًا يحلف فيذهبَ مالي! فأنزل الله عز وجل: {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا}". وقال السعدي: "ويدخل في ذلك كل مَنْ أخذ شيئا مِنَ الدنيا في مقابلة ما تركه من حق الله أو حق عباده، وكذلك مَنْ حلف على يمين يقتطع بها مال معصوم فهو داخل في هذه الآية، فهؤلاء {لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ} أي: لا نصيب لهم من الخير {وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ} يوم القيامة غضبا عليهم وسخطا، لتقديمهم هوى أنفسهم على رضا ربهم {وَلَا يُزَكِّيهِمْ} أي: يطهرهم من ذنوبهم، ولا يزيل عيوبهم {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} أي: موجع للقلوب والأبدان".

وفي هذا الموقف: الاختصام والقضية بين رجلين، أحدهما ـ الأشعث بن قيس ـ مِنْ صحابة النبي صلى الله عليه وسلم والآخَر يهودي.. فيأتيان إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليحكم بينهما، فلا يجد النبي صلى الله عليه وسلم أمامه إلا أن يحكم ويعدل بينهما دون محاباة ولا تحيُّز لمسلم على كافر، والشرْع يُلزم المدَّعِي - وهو الأشعث بن قيس - بالبينة أو الدليل، فإن فشل في الإتيان بالدليل فيكفي أن يحلف المُدَّعَى عليه - وهو اليهودي - على أنه لم يفعل ما يتَّهمه به المدعِي، فيُصَدَّق، وذلك مصداقاً وتطبيقا لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الْبَيِّنَة على الْمُدَّعِي والْيَمِين على مَنْ أَنْكَر) رواه الترمذي. قال النووي في "شرح صحيح مسلم": "وهذا الحديث قاعدة كبيرة مِنْ قواعد أحكام الشرع، ففيه أنه لا يُقبَل قول إنسان فيما يدعيه بمجرد دعواه، بل يحتاج إلى بينة، أو تصديق المدَّعَى عليه، فإن طلب يمين المدعى عليه فله ذلك". وقال ابن دقيق العيد في "شرح الأربعين": "وهذا الحديث أصل من أصول الأحكام، وأعظم مرجع عند التنازع والخصام، ويقتضي ألا يحكم لأحد بدعواه"..

2 ـ موقف النبي مع جابر واليهودي:

عن جابر بن عبد الله رضى الله عنه قال: (كان بالمدينة يَهُودِيٌّ، وكان يُسْلِفُنِي في تَمْرِي إلى الجِدَاد (وقت الحصاد) - وكَانَتْ لِجابِرٍ الأرْض الَّتي بطرِيقِ رُومَة ـ فَجَلَسَت (لم يثمر النخل)، فَخَلَا عاما، فَجَاءني اليَهُودِيُّ عِنْد الجَدَاد ولَمْ أجُدَّ منها شيئًا، فَجَعَلْتُ أسْتَنْظِره (أَسْتَمْهِله) إلى قَابِل (العام القادم) فَيَأْبَى، فَأُخْبِر بذلك النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم، فقال لأصحابِه: امْشوا نَسْتَنْظِر لِجابِر مِنَ اليهودِيِّ. فَجَاؤُونِي في نَخْلِي، فَجَعَل النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم يُكَلِّم اليَهُودِيَّ، فيَقول: أبا القَاسِم، لا أُنْظِرُه (لا أمهله)، فَلَمَّا رَأى النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم قام فَطَاف في النَّخْل، ثُمَّ جَاءَهُ فَكَلَّمه فأبَى، فَقُمْتُ فَجِئْتُ بقَلِيلِ رُطَبٍ، فَوَضَعْتُه بيْنَ يَدَيِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم فأكَل، ثُمَّ قالَ: أيْن عَرِيشُك (المكان الَّذِي اِتَّخَذْته فِي الْبُسْتَان لِتَسْتَظِلّ به وتَقِيل فيه) يا جابِر؟ فأخْبَرْتُه، فقال: افْرُشْ لي فيه، فَفَرَشْتُه، فَدَخَلَ فَرَقَدَ ثُمَّ اسْتَيْقَظ، فَجِئْتُه بقَبْضَةٍ أُخْرَى ( أَيْ مِنْ رُطَب) فأكَل منها، ثُمَّ قَام فَكَلَّمَ اليَهُودِيَّ فأبَى عليه، فَقَام في الرِّطَابِ في النَّخْلِ الثَّانِيَة ( أَيْ الْمَرَّة الثانية)، ثُمَّ قال: يا جابِر، جُذَّ ( فِعْل أَمْر بِالْجِذَاذِ) واقْضِ (أَيْ: أَوْفِ). فَوَقَف في الجَدَاد، فَجَدَدْتُ منها ما قَضَيْتُه، وفَضَلَ منه، فَخَرَجْتُ حتَّى جِئْتُ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم فَبَشَّرْتُه، فقال: أشْهَدُ أنِّي رسول اللَّه) رواه البخاري.

لم ينظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حُبِّه وصُحبته لجابر بن عبد الله وقُرْبِهِ من قلبه، ولم ينظر إلى كفر اليهودي وتاريخ اليهود العدائي معه صلى الله عليه وسلم ومحاولة قتله وعدائهم المسلمين، إنَّما نظر فقط إلى إقامة العدل في أسمى صوره.. إنَّ الحقَّ مع اليهودي، والسداد واجب على جابر، وشفاعة النبي صلى الله عليه وسلم رُفِضت من اليهودي صاحب الحق، ومع ذلك فليكنِ السداد مِن الصحابي جابر رضي الله عنه ابن عبد الله بن حرام الأنصاري الذي أظلته الملائكة في جنازته بعد استشهتده، لليهودي الكافر، وما ذلك إلا صورة من صور العدل النبوي..

3 ـ ومِن عدل النبي صلى الله عليه وسلم مع الكافرين أنه أمر أتْباعه بالتعامل الحَسَن عامة مع غير المسلمين، وحذرهم مِنْ ظلمهم.. عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (مَن قتَل قتيلاً من أهل الذِّمة (وهم غير المسلمين الذين أَعْطاهم المسلِمون عهدًا وأماناً)، لَم يجد ريح الجنة (لم يَشَمَّ رِيحَها)، وإن ريحَها ليُوجَد مِنْ مسيرة أربعين عامًا) رواه البخاري. وقد ترجم البخاري في صحيحه باب "إثم مَنْ قتل معاهداً بغير جُرْم" وأورد تحته حديث عبد الله بن عمرو السابق.. وعن صفوان بن سليم عن عدة من أبناء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن آبائهم، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ألا مَنْ ظلم معاهَدَاً، أو انتقصه حقه، أو كلفه فوق طاقته، أو أخذ منه شيئا بغير طيب نفس منه، فأنا حجيجه (خصمه) يوم القيامة) رواه أبو داود.

وفي الحديثين السابقين: مَشْروعيَّة معاهَدَة الكفار، وعَقْدِ الذِّمَّة لهم، والتحذير النبوي الشديد مِن ظلمهم والاعتداء عليهم، حتى أنه صلى الله عليه وسلم قال عن الذي يظلم ذميا: (فأنا حجيجه يوم القيامة).

قال البيضاوي في "تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة": "(فأنا حجيجه يوم القيامة) أي: خصيمه". وقال الطيبي: "(فأنا حجيجه) أي محاجه ومغالبه بإظهار الحجج عليه، والحجة الدليل والبرهان".

وقال الهروي: "(مَنْ ظلم معاهِدا): بكسر الهاء أي: ذمِّيَاً، أو مستأمنا (أوِ انتقصه) أي: نقص حقه".

ـ وفي قصّة المرأة المخزومية التي سرقت واستعان أهلها بأسامة بن زيد ـ حِبّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ كي يشفع لهم عنده ليعفو عنها، لم يقبل النبي صلى الله عليه وسلم شفاعته، وقال قولته المشهورة عن العدل النبوي العام، الذي لا يُجامل ولا يُحابي أحدا أيَّاً كان ـ غنيا كان أو فقيرا، مسلما كان أو كافرا ـ في حُكْمٍ مِنْ أحكام الله تعالى: (والذي نَفْس مُحَمَّدٍ بيَدِه، لو أنَّ فاطِمَةَ بنْت مُحَمَّدٍ سَرَقَت، لَقَطَعْتُ يَدها) رواه البخاري.

فائدة:

1 ـ الولاء والبراء مِن آكد أصول الدين، ومعناه موالاة المسلم المسلمين ومحبتهم ومحبة الدين، وبغضه للكفار، والبراءة منهم ومِن أعمالهم ومعبوداتهم وعاداتهم.. والمؤمن لا يكون ولاؤه إلا لله تعالى، ولرسوله صلى الله عليه وسلم، وللمؤمنين، كما قال الله تعالى: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا}(المائدة:55). قال ابن كثير: "أي: ليس اليهود بأوليائكم، بل ولايتكم راجعة إلى الله ورسوله والمؤمنين".

والولاء للمؤمنين يكون بمحبتهم ونصرتهم، والنصح والدعاء لهم، وغير ذلك من حقوق.. والبراء من الكفار يكون ببغضهم، وعدم الركون إليهم، أو التشبه بهم، ونحو ذلك من مقتضيات البغض في الله، مع معاملتهم بالعدل، والوفاء بالعهد، والأمانة وعدم الغش لهم، قال الله تعالى: {وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى}(المائدة:8). قال السعدي: "{وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ} أي: لا يحملنكم بغض {قَوْمٍ عَلَى أَلا تَعْدِلُوا} كما يفعله من لا عدل عنده ولا قسط، بل كما تشهدون لوليكم، فاشهدوا عليه، وكما تشهدون على عدوكم فاشهدوا له، ولو كان كافرا أو مبتدعا، فإنه يجب العدل فيه، وقبول ما يأتي به من الحق، لأنه حق لا لأنه قاله، ولا يُرد الحق لأجل قوله، فإن هذا ظلم للحق. {اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} أي: كلما حرصتم على العدل واجتهدتم في العمل به، كان ذلك أقرب لتقوى قلوبكم، فإن تم العدل كملت التقوى".

2 ـ من المفاهيم الخاطئة عند البعض أن علاقة المسلم بالكافر هي علاقة عنف وشدة وغلظة، وهو خلاف هَدْي النبي صلى الله عليه وسلم في التعامل مع الكافر.. فقد وضع لنا نبينا صلى الله عليه وسلم آداباً وضوابط تقوم عليها العلاقة مع الكفار والتعامل معهم، وهي آداب وضوابط مبنية على العدل وعدم الظلم.. ومِن هديه صلى الله عليه وسلم في معاملته مع الكافر: دعوته إلى الإسلام بحكمة ورفق، وتبليغه حقيقة الإسلام ـ وهذا من أعظم الإحسان إليه ـ.. ومن هديه صلى الله عليه وسلم: البيع للكافر والشراء منه، وعيادته إذا مرض. عن عائشة رضي الله عنا: (أن النبي صلى الله عليه وسلم اشترى طعاما من يهودي إلى أجل، ورهنه درعا من حديد) رواه البخاري. قال ابن حجر في "فتح الباري": "تجوز معاملة الكفار فيما لم يتحقق تحريم على المتعامَل فيه، وعدم الاعتبار بفساد معتقدهم ومعاملاتهم فيما بينهم". وعن أنس رضي الله عنه قال: (كان غلام يهودي يخدم النبي صلى الله عليه وسلم فمرض فأتاه يعوده، فقعد عند رأسه فقال له: أسلم، فنظر إلى أبيه وهو عنده، فقال: أطع أبا القاسم.. فأسلم، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول: الحمد لله الذي أنقذه من النار) رواه البخاري. ومِنْ هديه صلى الله عليه وسلم كذلك مع الكافر: العدل، وحُسْن الجوار، وعدم الإيذاء، والإهداء له وقبول الهدية منه..

3 ـ لقد كانت معاملة رسول الله صلى الله عليه وسلم مع غير المسلمين، معاملة قائمًا على العدل والتسامح معهم، والإحسان إليهم، وكانت عهود النبي صلى الله عليه وسلم مع غير المسلمين قائمة على العدل، ضامنة لحريتهم ومعتقداتهم الدينية، حافظة لكرامتهم واحترام حقوقهم، فلم يرتضِ يومًا أن يفرض على غير المسلمين الإسلام، امتثالاً لأمر الله تعالى: {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ}(البقرة:256). قال ابن كثير: "{لاَ إكْرَاهَ فِي الدِّينِ} أي: لا تُكْرِهوا أحدا على الدخول في دين الإسلام، فإنه بَيِّن واضح، جلي دلائله وبراهينه، لا يحتاج إلى أن يُكْرَه أحد على الدخول فيه، بل مَنْ هداه الله للإسلام وشرح صدره ونور بصيرته دخل فيه على بينة، ومَنْ أعمى الله قلبه وختم على سمعه وبصره فإنه لا يفيده الدخول في الدين مُكْرَهَا مَقْسوراً، وقد ذكروا أن سبب نزول هذه الآية في قوم من الأنصار، وإن كان حكمها عاما.. عن ابن عباس قوله: {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} قال: نزلت في رجل من الأنصار من بني سالم بن عوف يقال له: الحُصَيْني كان له ابنان نصرانيان، وكان هو رجلا مسلما فقال للنبي صلى الله عليه وسلم: أَلَا أَسْتَكْرِهَهُمَا (أجبرهما على الإسلام) فإنهما قد أبَيَا إلا النصرانية؟ فأنزل الله فيه ذلك"..

السيرة النبوية منهج واضح يُهتدى بهداه، وصراط مستقيم يُسلك ويُتَّبَع، وذلك لما حوته من أحداث ومواقف في حياة نبينا صلى الله عليه وسلم، ومنها مواقفه المشرقة في العدل ولو مع الكافر، وما ذكرناه ما هو إلا قبَس مِنْ عدله صلى الله عليه وسلم، الذي وسع وشمل القريب والبعيد، والصديق والعدو، والمؤمن والكافر.. فما أحوجنا إلى الاقتداء به صلوات الله وسلامه عليه في العدل بل في أخلاقه كلها، قال الله تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ}(الأحزاب:21). قال ابن كثير: "هذه الآية أصل كبير في التأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم في أقواله وأفعاله وأحواله"..
مدار الساعة ـ نشر في 2026/07/26 الساعة 22:46