هل هذا ما يشغل السياسة الأُردنية؟

المحامي الدكتور يزن دخل الله حدادين
مدار الساعة ـ نشر في 2026/07/26 الساعة 21:25
أن ينشغل جزء من الخطاب النيابي بملابس الناس وطول الشورت الذي يرتدونه، ثم ينشغل جزء آخر، في اللحظة الإقليمية نفسها، بمعركة حول لمن نرسل التعازي ولمن لا نرسلها، فالمشكلة لم تعد في هذا الرأي أو ذاك. هناك سؤال أكبر يستحق أن نقف عنده: هل حجم النقاش السياسي عندنا يوازي فعلاً حجم ما يحيط بالأردن؟

وأقول منذ البداية إنني لا أتحدث عن نائب بعينه، ولا أكتب ضد شخص، ولا أضع نفسي في موقع الحكم على نوايا أحد. أحترم جميع أعضاء مجلس النواب وأحترم حقهم الكامل في الاجتهاد والاختلاف والتعبير عن مواقفهم. ما يعنيني هنا أبعد من الأشخاص بكثير: أنتقد حالة سياسية وطريقة تفكير وترتيباً للأولويات أعتقد أننا بحاجة إلى مراجعتها بجدية.

ومجلس النواب ليس مجرد ساحة للنقاش العام. هو جزء أساسي من السلطة التشريعية، وصاحب وظيفة رقابية على أداء الحكومة، وإحدى المؤسسات الدستورية التي يُفترض أن تسند الدولة من خلال التشريع والرقابة والمساءلة وقراءة مصالح المجتمع والدولة. ولذلك فإن أهمية ما يقال تحت القبة لا تأتي فقط من صفة قائله، بل من المكان الدستوري الذي يصدر منه. الكلمة هناك لها أثر، والأولوية التي يتبناها المجلس أو يناقشها تحمل رسالة سياسية إلى المجتمع وإلى مؤسسات الدولة معاً.

ومن هنا تحديداً يأتي نقدي. فأنا لا أقلل من شأن مجلس النواب، بل أعتقد أن أهميته أكبر بكثير من أن تُستهلك طاقته السياسية في قضايا جانبية بينما تواجه الدولة ملفات بهذا الحجم. وكلما كان الدور الدستوري للمجلس أكبر، كان من الطبيعي أن تكون التوقعات منه أعلى، وأن يكون النقاش حول أدائه أكثر جدية.

الأردن في قلب إقليم مضطرب، وليس على هامشه. ما يجري حولنا لم يعد خبراً خارجياً نشاهده على الشاشات. الصراع اقترب من الحدود، والتهديدات مست السيادة الأردنية، والتوازنات الإقليمية تتحرك بسرعة، والعلاقات بين القوى الكبرى ودول المنطقة يعاد تشكيلها أمام أعيننا. كل ذلك يفرض مستوى مختلفاً من التفكير السياسي؛ تفكيراً يعرف ماذا يريد الأردن، وأين تكمن مصلحته، وكيف يحمي قراره وسيادته وسط صراع لا ينتظر أحداً.

وفي الداخل، الوضع الاقتصادي لا يحتمل ترف القضايا الهامشية. الناس لا تحتاج إلى من يشرح لها كيف ترتدي ملابسها. الناس تريد أن تعرف كيف ستعيش، وأين سيعمل أبناؤها، وكيف يمكن لراتب أن يصمد أمام كلفة الحياة، وكيف سيكبر الاقتصاد، وكيف ستجذب الدولة استثمارات حقيقية، وكيف يمكن حماية الطبقة الوسطى من المزيد من التراجع. هذه ليست ملفات اقتصادية منفصلة عن السياسة؛ هذه في قلب المسؤولية السياسية.

ولهذا لا أفهم كيف يمكن أن يصبح لباس الناس قضية تستدعي كل هذا الحضور السياسي. للدولة قانونها، وللمجتمع قيمه، وللناس حياتهم الخاصة. ولا أعتقد أن المجتمع يحتاج إلى من يحدد له طول الشورت المقبول، ولا أن هيبة الدولة يمكن أن تُبنى على مراقبة ما يرتديه الناس في الشوارع والمجمعات التجارية. هناك فرق كبير بين احترام طبيعة المجتمع وبين تحويل الذوق الاجتماعي إلى ملف سياسي.

ومرة أخرى، هذا الكلام ليس موجهاً ضد صاحب اقتراح أو موقف بعينه. الأشخاص محل احترام، والاختلاف معهم لا يمس حقهم في الاجتهاد. القضية بالنسبة لي هي العقل السياسي الذي يختار أين يضع طاقته في لحظة بهذا الحجم. فحين تضغط علينا ملفات الاقتصاد والسيادة والأمن والتحولات الإقليمية، يصبح من المشروع أن نسأل ليس فقط عما يناقشه السياسي، بل عما لا يناقشه أيضاً.

أما قضية التعزية، فقد كشفت وجهاً آخر للمشكلة. جنود أجانب قُتلوا على الأراضي الأردنية نتيجة اعتداء خارجي، وهذه واقعة تمس الأردن قبل أن تتحول إلى خلاف حول هوية من يستحق التعزية. كان يفترض أن تُقرأ المسألة من زاوية السيادة الأردنية ودلالات وقوع الاعتداء على أرضنا وما يعنيه ذلك سياسياً وأمنياً ودبلوماسياً. لكن النقاش انزلق سريعاً إلى مزاد في المواقف، وكأن المطلوب أن يثبت كل طرف وطنيته أمام الآخر.

التعزية ليست تحالفاً سياسياً، وليست موقفاً من حرب، وليست تصويتاً على تاريخ دولة أو سياساتها. وفي المقابل، الاعتراض عليها حق سياسي لا يحتاج إلى تخوين صاحبه. لكن المقلق أن قضية بهذه الحساسية يمكن اختصارها بهذه السهولة إلى مشهد صاخب، بينما السؤال الأردني الأهم يكاد يضيع: ماذا يعني أن يصل الصراع الإقليمي إلى أرضنا؟ وما الذي يجب أن يترتب على ذلك في حساباتنا السياسية والأمنية؟

ولا أحمّل نائباً بعينه مسؤولية هذا المشهد، فهذا سيكون تبسيطاً للمشكلة نفسها التي أنتقدها. نحن أمام ظاهرة أوسع من مداخلة ومن اقتراح ومن جلسة. نحن أمام سؤال يتعلق بمستوى الحياة السياسية كلها: هل أنتجنا خلال السنوات الماضية فكراً سياسياً يوازي تعقيد الدولة والمنطقة، أم أننا أصبحنا أسرع في إنتاج المواقف من إنتاج الأفكار؟

هنا تقع المشكلة بالنسبة لي. ليست في الشورت ولا في التعزية، وليست في شخص بعينه. المشكلة في التفكير الذي ينتج النقاش حوله.

هناك فرق بين ممارسة السياسة وبين صناعة موقف يصلح للتداول. الأولى تحتاج معرفة وهدوءاً وحساباً للمصالح والنتائج، والثانية تحتاج جملة مرتفعة الصوت وكاميرا. ومع توسع وسائل التواصل الاجتماعي، أصبح الإغراء كبيراً بتحويل العمل العام إلى سلسلة من المواقف السريعة، لأن الموقف الحاد ينتشر أسرع من الفكرة العميقة، ولأن الجدل يمنح صاحبه حضوراً فورياً بينما العمل السياسي الجاد لا يمنح صاحبه دائماً حضوراً فورياً.

وهذا تحديداً ما يقلقني.

لدينا اقتصاد يحتاج إلى قرارات شجاعة، وبطالة تحتاج إلى حلول تتجاوز الأرقام والخطط المكتوبة، واستثمار يحتاج إلى بيئة أكثر قدرة على المنافسة، ومديونية تضيق مساحة الحركة، وقطاع عام يحتاج إلى رفع كفاءته، وتعليم يحتاج إلى مراجعة حقيقية، ومياه وطاقة وأمن غذائي أصبحت كلها ملفات سيادية. وفوق ذلك كله، يقف الأردن في منطقة تتغير خرائط القوة فيها بسرعة لا تسمح لأحد بالنوم السياسي.

أمام كل هذا، يصبح من المشروع أن نسأل: أين النقاش السياسي الذي يوازي هذه المرحلة؟

أين النقاش حول شكل الأردن الاقتصادي بعد عشر سنوات؟ أين الأفكار الجديدة حول الاستثمار والإنتاج؟ أين القراءة العميقة لموقع الأردن في التحولات الإقليمية؟ أين النقاش حول علاقتنا بالقوى المتصارعة من زاوية المصلحة الأردنية وحدها؟ أين الرؤية لما بعد هذه الحرب، وما بعدها من ترتيبات وتحالفات وتغيرات؟

هذه أسئلة أصعب بكثير من تنظيم ملابس الناس، وأصعب من الجدل حول رسالة تعزية. وربما لهذا السبب تحديداً لا تحظى دائماً بالمساحة نفسها. القضايا الكبيرة تحتاج إلى معرفة، وإلى شجاعة في التفكير، وإلى استعداد لتحمل مسؤولية الرأي. أما القضايا الصغيرة فمن السهل أن نصنع منها معارك كبيرة.

وأكرر هنا حتى لا يُفهم النقد خارج سياقه: لدي كل الاحترام لمجلس النواب ولجميع أعضائه، ولا أستهدف شخصاً بعينه. بل إن احترامي للدور النيابي هو بالضبط ما يجعلني أرفع سقف التوقعات منه. فمجلس النواب ليس مؤسسة هامشية حتى نقبل منه نقاشاً لا يحاكي خطورة الوضع الحالي. إنه سلطة تشريعية ورقابية، ومسؤوليته لا تقف عند حدود التشريع، بل تمتد إلى مساءلة الحكومة ومراقبة أدائها وحماية المصلحة العامة، والمساهمة في إسناد الدولة سياسياً وتشريعياً في الأوقات الصعبة.

ولهذا أريد مجلس نواب حاضراً بقوة. أريده يناقش، ويختلف، ويراقب، ويسائل، ويضغط باتجاه القرار الأفضل. وأريد أن يكون خلافنا على مستقبل الاقتصاد، وعلى التشريعات، وعلى كفاءة الحكومة، وعلى حماية المال العام، وعلى السياسة الخارجية، وعلى مصالح الأردن في إقليم يعاد تشكيله. هذه قضايا تليق بثقل مجلس النواب ومكانته الدستورية.

أما أن تتقدم الهوامش إلى مقدمة المشهد بينما تتراكم الملفات الثقيلة في الخلف فهذه ليست مسألة يمكن تجاوزها. إنها تقول شيئاً عن ترتيب العقل السياسي لأولوياته.

وأخشى أن مشكلتنا لم تعد نقص القضايا الكبرى فهي تحاصرنا من كل اتجاه. مشكلتنا أن بعض النقاش السياسي أصبح أصغر منها.

الأردن أمام مرحلة لا تسمح بهذا القدر من التبسيط. الجغرافيا أصبحت أكثر خطورة، والاقتصاد أكثر ضغطاً، والمجتمع أكثر قلقاً على مستقبله، والمنطقة تدخل ترتيبات جديدة قد تحدد موقع دولها لسنوات طويلة.

ولهذا فإن نقدي هنا لا يتجه إلى الأشخاص، ولن أختزل مشكلة بهذا الحجم في موقف أو اقتراح. أنا أحترم النواب جميعاً، لكن احترام الأشخاص لا يعني أن نتوقف عن نقد الفكر السياسي واحترام مجلس النواب لا يعني أن نخفض سقف ما ننتظره منه. بل إن مكانته الدستورية ودوره التشريعي والرقابي يجعلان الحاجة إلى نقاش أدائه وأولوياته أكبر، لا أقل.

وفي مثل هذه اللحظة، لا أخشى على الأردن من اختلاف سياسي جاد بل أراه ضرورياً. ما أخشاه أن تمر التحولات الكبرى من أمامنا بينما ننفق وقتنا في معارك لا تغيّر شيئاً في مستقبل الدولة.

ولذلك فإن هذا المقال ليس محاكمة لأحد، ولا إدانة لنائب، ولا اعتراضاً على حق أي شخص في التعبير. إنه اعتراض على حالة سياسية أخشى أن يصبح فيها حجم النقاش أخف من أعبائه وأبعد من أسئلته الحقيقية.

المشكلة ليست في شخص طالب بتنظيم اللباس، ولا في شخص طالب بالتعزية، ولا في شخص اعترض عليها. هؤلاء جميعاً لهم الاحترام وحق الاجتهاد. المشكلة التي تستحق الوقوف عندها هي أن تصبح هذه المسائل واجهة النقاش السياسي في وقت يقف فيه الأردن أمام أسئلة تمس اقتصاده وسيادته وموقعه ومستقبله.

أنا لا أنتقد نائباً؛ أنا أنتقد التفكير السياسي وصلنا معه إلى ضرورة أن نسأل أنفسنا بجدية: هل القضايا التي تملأ المشهد السياسي اليوم هي فعلاً القضايا التي تحدد مستقبل الأردن؟ ومجلس النواب، بما يمثله من سلطة تشريعية ورقابية وبما يحمله من مسؤولية في إسناد الدولة، هو أكبر وأهم من أن تقاس صورته بمداخلة هنا أو اقتراح هناك. ولهذا تحديداً، فإن الدفاع عن مكانته يبدأ برفع سقف ما ننتظره منه، لا بخفض سقف النقد.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/07/26 الساعة 21:25