كيف تتنفس على ارتفاع 40 ألف قدم؟ أسرار نظام الهواء داخل الطائرات

مدار الساعة ـ نشر في 2026/07/26 الساعة 15:34
مدار الساعة -على ارتفاع 40 ألف قدم، تحلق الطائرة في بيئة لا يستطيع الإنسان التنفس فيها طبيعياً؛ فالهواء رقيق جداً، والضغط منخفض، ودرجات الحرارة خارجها تصل إلى نحو 60 درجة مئوية تحت الصفر. ورغم ذلك، يعيش الركاب داخل المقصورة بأمان بفضل نظام متطور يسحب الهواء من الخارج، ثم يضغطه ويبرده وينقيه قبل ضخه داخل الطائرة.

وعلى عكس الاعتقاد الشائع، لا تحمل الطائرات خزانات ضخمة من الأكسجين لتزويد الركاب بالهواء أثناء الرحلة العادية، بل تعتمد على الهواء الخارجي الذي يدخل عبر أنظمة الطائرة. ففي معظم الطائرات ، تبدأ العملية من المحركات نفسها، حيث تسحب المحركات كميات هائلة من هواء الغلاف الجوي وتضغطه عبر مراحل متعددة، ثم يتم أخذ جزء منه قبل الاحتراق فيما يعرف باسم هواء النزف

ويكون هذا الهواء شديد الحرارة بعد خروجه من ضاغط المحرك، لذلك لا يدخل المقصورة مباشرة، بل يمر عبر نظام التحكم البيئي الذي يبرده ويخفض ضغطه ويزيل الرطوبة منه قبل توزيعه على الركاب. ويوضح البروفيسور أندرياس شتروماير من معهد تصنيع الطائرات في جامعة شتوتغارت الألمانية أن الهواء القادم من أنظمة الطائرة يخضع لعملية تبريد ومعالجة قبل ضخه داخل المقصورة، لأن درجة حرارته الأولية تكون مرتفعة جداً.

وبعد تهيئة الهواء، يتم ضخه باستمرار إلى المقصورة مع جزء من الهواء المعاد تدويره. وتُجدّد الطائرات هواء المقصورة بمعدلات عالية؛ إذ يمر الهواء عبر دورة مستمرة تضمن التخلص من ثاني أكسيد الكربون الناتج عن تنفس الركاب والحفاظ على جودة الهواء. كما تساعد أنظمة التهوية الحديثة على تقليل تراكم الملوثات داخل المقصورة.

ولا يتم ضغط مقصورة الطائرة إلى مستوى سطح البحر، لأن ذلك سيزيد الضغط على هيكل الطائرة ويجعلها أثقل، لذلك تحافظ معظم الطائرات على ضغط يعادل تقريباً ارتفاعاً بين 6 و8 آلاف قدم فوق سطح البحر. ورغم انخفاض الضغط مقارنة بالأرض، تبقى نسبة الأكسجين في الهواء قريبة من النسبة الطبيعية البالغة نحو 21%، ما يجعل التنفس ممكناً لمعظم الركاب.

أما الإحساس بالجفاف الذي يشعر به بعض المسافرين خلال الرحلات الطويلة، فلا يعود إلى نقص الأكسجين، بل إلى انخفاض رطوبة هواء المقصورة. فالهواء القادم من الخارج يكون جافاً جداً على ارتفاعات التحليق، وبعد تبريده وإزالة الرطوبة منه تصبح الأجواء داخل الطائرة أكثر جفافاً، ولهذا ينصح الخبراء بشرب كميات كافية من الماء أثناء الرحلات الطويلة.

ولضمان نظافة الهواء، تمر الكمية المعاد تدويرها عبر مرشحات عالية الكفاءة، وهي مرشحات قادرة على التقاط الجسيمات الدقيقة مثل الغبار والعديد من البكتيريا والفيروسات. كما يعتمد تصميم المقصورة على تدفق هواء من الأعلى إلى الأسفل، ما يقلل حركة الهواء لمسافات طويلة بين الركاب ويساعد على تحسين جودة البيئة الداخلية، وفقا لإدارة الطيران الفيدرالية الأمريكية.

لكن ماذا يحدث إذا فقدت الطائرة ضغط المقصورة؟ هنا لا يكون الخطر بسبب نفاد الأكسجين، بل بسبب انخفاض الضغط المفاجئ الذي يقلل كمية الأكسجين التي يستطيع الجسم امتصاصها. وفي هذه الحالة تسقط أقنعة الأكسجين تلقائياً فوق المقاعد، وتبدأ مولدات الأكسجين الكيميائية بالعمل لتوفير الهواء لفترة محددة، عادة تكفي للطيارين لخفض الطائرة إلى ارتفاع آمن يمكن التنفس فيه دون الحاجة إلى الأقنعة.

وتؤكد الجهات المتخصصة في الطيران أن أنظمة الهواء والضغط في الطائرات الحديثة صُممت للعمل بشكل مستمر حتى في الظروف القاسية، لذلك فإن الأكسجين داخل الطائرة لا يمكن أن "ينفد" خلال الرحلات الطبيعية. فالهواء الذي يتنفسه الركاب ليس مخزوناً محدوداً، بل نظام متجدد يجري سحبه من الخارج ومعالجته وضبطه لحظة بلحظة.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/07/26 الساعة 15:34