الملك في لندن.. قراءة فاحصة

المحامي الدكتور يوسف البشتاوي
مدار الساعة ـ نشر في 2026/07/26 الساعة 00:50
العلاقات الدولية لا تُبنى فقط في أروقة الدبلوماسية التقليدية، بل تتشكل خيوطها الحقيقية حيث يتقاطع ثقل القرار السياسي مع حركية الاقتصاد الواعد.
هذا ما قفز في ذهني وأنا أشاهد فعاليات اقتصادية أردنية، لكن هذه المرة ليس في عاصمة الجبال السبعة، بل في عاصمة الضباب.

إن الحضور الملكي حول الطاولة المستديرة بين رؤساء كبرى الشركات البريطانية ورجال الأعمال الأردنيين منح الحدث بعداً يتجاوز لغة الأرقام المباشرة ليلامس عمق "الدبلوماسية الاقتصادية".

أنا اتحدث عن ملتقى الأعمال الأردني البريطاني، الذي انعقد في مدينة لندن بمشاركة ممثلين عن قطاعات الأعمال المختلفة من البلدين.

فعلى مسرح لندن وعلى ضفة لحظات حرجة من تاريخ العالم، كانت هناك رسائل اردنية استثنائية.

الأردن يقف اليوم أمام لحظة فارقة؛ إما أن تظل هذه اللقاءات زَخَما عابرا في أرشيف الزيارات، أو أن تُصاغ في قالب برنامج عمل مؤسسي مستدام يربط مجتمعات الأعمال في عمان ولندن بروابط مصالح لا تنفك.

لقد فتح الجهد الملكي الأبواب واسعة، والسؤال الذي يطرحه الواقع بكل صراحة هو: هل يملك القطاع الخاص الأردني القدرة والنفس الطويل ليعبر من هذه الأبواب نحو مستقبل أكثر استقراراً وازدهارا؟

على أرضية ملتقى الأعمال الأردني البريطاني، برز حشد للشركات؛ في محاولة لإعادة رسم خريطة الشراكة الاقتصادية بين عمان ولندن.

هكذا فُتحت الأبواب امام اقتصاد يبحث عن فرصة عبر تحرك يقوم على فكرة أساسية تتمثل في تحويل المزايا الجيوسياسية للأردن إلى أوراق قوة اقتصادية ملموسة.

القراءة الفاحصة لما دار في العاصمة البريطانية تعكس رؤية ملكية تدرك أن الاقتصاد الوطني لم يعد يحتمل خيارات الانتظار؛ فالمنطقة من حولنا تغلي، بينما يصر الأردن على تقديم نفسه كواحة أمن واستقرار وقاعدة لوجستية وإنتاجية قادرة على النفاذ إلى أسواق الإقليم والعالم.

نحن هنا نتحدث عن امتحان جدي للقطاع الخاص، إذ يكشف الحديث المعمق مع أقطاب القطاع الخاص الأردني عن حقيقة لا يقبل الشك فيها. لقد قامت الدولة بدورها في القيادة والتيسير، حيث وضعت الدبلوماسية الملكية ثقلها الكامل وفتحت المغالق أمام رأس المال البريطاني، وعرضت مزايا المملكة من استقرار سياسي، وكفاءات بشرية، واتفاقيات تجارة حرة.

بهذا فإن الكرة باتت الآن في ملعب رجال الأعمال، ذلك أن المتابعة بعد انتهاء المؤتمرات هي المقياس الحقيقي للنجاح.

إن ملتقيات لندن لن تقاس بعدد الاجتماعات أو الصور التذكارية، بل بقدرتها على التحول إلى مشروعات عمل ومزايا تنافسية وفرص تشغيل للشباب الأردني، وهو ما يفرض على مؤسسات القطاع الخاص استدامة الاتصالات والجاهزية لمتابعة كل فرصة تم طرحها دون إبطاء.

لهذا نحن لن نحتفل بنقطة انطلاق ما جرى، فما كان ليس نهاية مطاف بل خط البداية، بل نشمّر عن ساعد العمل، فالدروس الممتدة من تاريخ العلاقات الاقتصادية بين الشعوب تؤكد أن الفرص لا تنتظر المترددين.

مدار الساعة ـ نشر في 2026/07/26 الساعة 00:50