من التشخيص إلى التنفيذ.. المهمة الوطنية الكبرى لمواجهة البطالة
مدار الساعة ـ نشر في 2026/07/26 الساعة 00:02
تخيّل مريضاً يحمل ملفه الطبي منذ عشرين عاماً. تعاقب عليه عشرات الأطباء واتفقوا جميعاً على التشخيص، ووُضعت له الوصفة المناسبة، حتى حفظت أسرته العلاج عن ظهر قلب. ومع ذلك، لم يتناول الدواء حتى اليوم. فالمشكلة لم تكن يوماً في غياب المعرفة، بل في العجز عن الانتقال من معرفة الحل إلى تنفيذه. هذه الصورة تختصر قصة البطالة في الأردن؛ فالدولة لا تعاني نقصاً في الرؤى أو الإستراتيجيات، بل تواجه تحدياً أعمق: كيف تتحول المعرفة إلى سياسات فاعلة، وكيف تنتقل الخطط من الأوراق إلى مؤسسات قادرة على الإنجاز والاستدامة؟
تشير أحدث البيانات الرسمية إلى أن معدل البطالة في الأردن بلغ نحو 21.1 %، وهي نسبة تضع المملكة ضمن الدول العربية الأكثر تأثراً بهذه الظاهرة وتتجاوز ضعف المعدل العالمي. لكن الرقم، رغم خطورته، ليس سوى الجزء الظاهر من المشكلة؛ فالأكثر إثارة للقلق اتساع شريحة الشباب الذين لا يعملون ولا يتعلمون ولا يتدربون، وهي طاقة بشرية معطلة قد تتحول، إذا استمر تجاهلها، إلى تحدٍ اقتصادي واجتماعي وسياسي بالغ الحساسية.
واختزال البطالة في نقص فرص العمل تبسيط لمشكلة أعقد؛ فجذرها الحقيقي يكمن في الفجوة بين مخرجات التعليم واحتياجات الاقتصاد، إذ يواجه أكثر من 50 % من خريجي الجامعات صعوبة في الوصول إلى وظائف تناسب تخصصاتهم، بينما يعمل أكثر من 60 % من القوى العاملة في الاقتصاد غير المنظم بعيداً عن الحماية الاجتماعية والاستقرار الوظيفي. وقد غيّر التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي طبيعة المهارات المطلوبة بسرعة، بينما بقيت أجزاء من التعليم أسيرة نماذج نظرية بعيدة عن متطلبات الإنتاج الحديث. لذلك لم تعد البطالة مؤشراً اقتصادياً فقط، بل مؤشر كفاءة الدولة في إدارة رأس مالها البشري؛ فالدول التي نجحت في خفضها أعادت بناء العلاقة بين المدرسة والجامعة ومؤسسات التدريب والقطاع الخاص، حتى صار التعليم جزءاً من دورة الإنتاج لا مرحلة منفصلة عنها.
وهنا يظهر مفهوم "فجوة التنفيذ"، الذي بات من المفاهيم الأساسية في دراسة أداء الحكومات المتعاقبة؛ قد تكون السياسات متماسكة على الورق، لكن المشكلة تبدأ عند التطبيق، بتوزيع المسؤوليات وتعدد المرجعيات وتضارب الصلاحيات وضعف المتابعة وتغيّر الإدارات التي تحمل معها أولويات مختلفة، فتنقطع المتابعة.
وعند مراجعة التجربة الأردنية، من الأجندة الوطنية إلى رؤية الأردن 2025، فالإستراتيجية الوطنية لتنمية الموارد البشرية والإستراتيجية الوطنية للتشغيل، وصولاً إلى رؤية التحديث الاقتصادي، نجد أن التشخيص كان متقارباً دائماً: ربط التعليم بسوق العمل، وتطوير التعليم المهني والتقني، وتمكين الشباب بالمهارات التي يحتاجها الاقتصاد. لكن تشابه التشخيص لم يقابله تشابه في النتائج، ولعل أوضح دلالة على ذلك هي الحاجة التي ظهرت لتشكيل لجان لمتابعة تنفيذ إستراتيجيات قائمة أصلاً، وهو ما يكشف أن التحدي لم يكن غياب الخطط، بل غياب منظومة تنفيذ ومساءلة. فقد استهدفت الإستراتيجيات رفع الالتحاق بالتعليم المهني المدرسي إلى مستويات تصل إلى 35 % بحلول 2025، بينما أظهرت تقارير اليونسكو أن النسبة الفعلية لم تتجاوز 13-15 %، رغم الدعم الوطني والدولي المقدّم، وهذا التفاوت يوجّه النظر إلى الحوكمة أكثر من نقص التمويل.
فإذا كانت البطالة هي النتيجة الظاهرة، فإن جذورها تمتد عبر منظومة تبدأ من المدرسة ولا تنتهي عند سوق العمل، ما يجعل التعامل معها كمسؤولية وزارة واحدة تبسيطاً لمشكلة تحتاج تكاملاً بين التعليم والتدريب والتشريع والقطاع الخاص، بحيث يصبح إعداد الإنسان جزءاً من إستراتيجية الإنتاج الوطني.
وفي قلب هذه المعادلة، تتحمل وزارة العمل دوراً أساسياً، وقد طورت أدوات كمنصات التشغيل وبرامج دعم الأجور واشتراكات الضمان الاجتماعي، إلا أن أثرها يبقى محدوداً بسبب اختلالات متكررة: تشتت الجهات المسؤولة عن التدريب والتمويل والتشغيل بحيث لا يجد الشاب مساراً متكاملاً من تحديد مهاراته إلى دخوله السوق؛ والخلط بين التمويل والتنمية، فالقرض قد يفتح باب مشروع لكنه لا يضمن نجاحه دون إرشاد وحاضنة أعمال؛ وضعف الربط بين التدريب المهني ومهارات إدارة المشاريع. لذلك فإن المطلوب ليس زيادة عدد البرامج، بل تغيير الفلسفة: الانتقال من وزارة "تدير البطالة" إلى منظومة وطنية "تصنع الفرص"، بحيث لا يُقاس النجاح بعدد المستفيدين، بل بعدد من حصلوا على وظائف مستدامة، وعدد المشاريع التي بقيت قائمة بعد سنوات، وعدد المهارات الجديدة التي أضيفت إلى الاقتصاد.
ومن أبرز المحاولات التي عالجت جذور المشكلة لا أعراضها، مشروع "المسارات المهنية: النفاذية والتجسير والتطور الوظيفي"، الذي أنجزه فريق عمل معي شخصياً وقُدّم رسمياً مطلع 2019، وانطلق من فكرة أن النظام التعليمي لا ينبغي أن يفرض على جميع الطلبة مساراً أكاديمياً واحداً. وقام على ثلاثة مسارات متوازية ومفتوحة فيما بينها: التعليم الأكاديمي، والتعليم المهني المدرسي، والتدريب المهني والتقني، بحيث لا يصبح اختيار المسار المهني طريقاً مغلقاً، بل يقود إلى التعليم العالي والمؤهلات المهنية العليا، إجابة عن سؤال جوهري: ماذا نفعل بآلاف الشباب الذين لا يجدون مكاناً في النموذج الأكاديمي التقليدي؟ لكن التجربة كشفت أن التحدي الأكبر لم يكن في جودة الأفكار، بل في قدرة المؤسسات على استيعاب التغيير؛ فقد استغرق المشروع وقتاً طويلاً في النقاش والتعديلات التشريعية، دليلاً على أن الإصلاح لا يتعثر بضعف الرؤية فقط، بل ببطء المؤسسات، وتعدد مستويات القرار وصعوبة الانتقال من الفكرة إلى التطبيق.
ولأن أحد أكبر عوائق التعليم المهني كان ثقافياً واجتماعياً قبل أن يكون تقنياً، فلا يمكن مطالبة الشباب باختياره إذا كانت الدولة نفسها لا تمنحه القيمة القانونية والاجتماعية ذاتها التي تمنحها للمسار الأكاديمي، ومن هنا أهمية تطوير منظومة الشهادات المهنية بما يفتح مسارات تطور حقيقية مع ضمان العدالة في فرص العمل. وفي السياق نفسه، حاولت مبادرات كالدبلوم الفني عام 2016، والتي تم تصميمها من فريق عمل معي أيضاً، تحويل ما يُنظر إليه كتعثر أكاديمي إلى فرصة إنتاجية، لكن توقف بعضها لاحقاً يطرح سؤالاً حول قدرة مؤسسات الدولة على حماية المشاريع الإصلاحية من تغيّر الأشخاص، إذ لا تبني الدول سياساتها عبر الأشخاص بل عبر مؤسسات تحمي الأفكار. وفي مسار موازٍ، سعياً لمعالجة تعدد المرجعيات، أُنشئت عام 2019 هيئة تنمية وتطوير المهارات المهنية والتقنية خلفاً لصندوق التشغيل والتدريب المهني، وحققت خطوات مهمة في وضع المعايير، لكن ملفات الجودة والاعتماد بقيت موزعة بين أكثر من مؤسسة حتى دُمجت عام 2025 ضمن هيئة الاعتماد وضمان الجودة، وهو دمج طالبنا به منذ عام 2017، ولن يُقاس نجاحه بذاته بل بقدرته على إنتاج منظومة أقرب إلى سوق العمل وأكثر قدرة على قياس النتائج، لا مجرد تغيير في الأسماء والهياكل.
وتؤكد التجارب العالمية أن الدول التي نجحت في معالجة فجوة المهارات لم تفعل ذلك بزيادة عدد الجامعات، بل بإعادة تعريف قيمة المهارة وربطها بالاقتصاد؛ فألمانيا وسويسرا بنتا نموذج التدريب المزدوج بين التعليم النظري والتدريب داخل الشركات، وجعلت سنغافورة التعلم المستمر جزءاً من ثقافة الاقتصاد، وربطت كوريا الجنوبية تعليمها المهني بالقطاعات الصناعية مباشرة. والقاسم المشترك بينها شراكة حقيقية مع القطاع الخاص واحترام اجتماعي للتعليم المهني ومرونة الانتقال بين المسارات. وفي الأردن أثبتت تجاربنا المشتركة، قبل أكثر من عقد مع غرف الصناعة والتجارة وشركات كبرى أن هذه الشراكة ممكنة، والمطلوب الانتقال من مبادرات متفرقة إلى نموذج وطني يجعل صاحب العمل شريكاً في تصميم البرامج وتحديد المهارات منذ البداية.
غير أن قضية البطالة لا تُقرأ من زاوية اقتصادية فقط؛ فالعمل ليس مصدر دخل فحسب، بل مصدر هوية واستقلال وانتماء، والشاب الذي يحمل شهادة ويمتلك الرغبة دون أن يجد فرصة حقيقية لا يواجه مشكلة مالية فقط، بل يبدأ بطرح أسئلة أعمق حول العلاقة بين المواطن ومؤسسات الدولة وجدوى العقد الاجتماعي. ولهذا فإن تشغيل الشباب استثمار في الاستقرار الوطني والثقة العامة، لا مجرد برنامج اقتصادي. وقد ظلت قضية التشغيل والتدريب المهني حاضرة في التوجيهات الملكية منذ أكثر من عقدين، واستمرار الحاجة إلى تجديدها يكشف مفارقة: أن الرؤية السياسية كانت موجودة دائماً، بينما بقي التحدي في المؤسسات التنفيذية القادرة على حملها بصورة مستدامة. فالسؤال الحقيقي لم يعد: هل نعرف ماذا نفعل؟ بل: هل ما زالت بعض إدارات المؤسسات قادرة على التنفيذ؟
وعند مراجعة ما نُشر خلال العقد الأخير حول البطالة، نجد أن العناوين تتغير بينما يبقى جوهر المشكلة واحداً؛ فمن "جيل بلا أفق" إلى أزمة الشهادات الجامعية التي لا تقود إلى وظائف، فتحديات "مهارات المستقبل"، فاتساع الاقتصاد غير المنظم بعد جائحة كورونا، وصولاً إلى مفاهيم "التوطين" و"التسكين" و"ريادة الأعمال" و"التدريب المزدوج"، تتكرر الرسالة ذاتها: الجميع يدرك المشكلة، لكن الفجوة بين التشخيص والعلاج ما تزال شاسعة. وهذا يطرح سؤالاً مشروعاً: هل المشكلة في غياب التخطيط، أم في غياب الإدارة لمتابعة التنفيذ بعد خفوت أضواء حفل الإطلاق؟ وهنا الحقيقة الأهم: الأردن لا يعاني أزمة معرفة، بل أزمة تحويل المعرفة إلى أداء مؤسسي؛ فالدول لا تُقاس بعدد الإستراتيجيات أو المؤتمرات، بل بقدرتها على بناء مؤسسات تجعل السياسات تستمر مهما تغيّر الأشخاص والظروف.
ولهذا فإن الانتقال المطلوب اليوم هو من ثقافة "الشهادة" إلى ثقافة "المهارة"، وهو ما طالبنا به منذ 2019؛ فسوق العمل الحديث لم يعد يسأل "ماذا درست؟" بل "ماذا تستطيع أن تفعل؟ وما القيمة التي تستطيع إضافتها؟". ومن هنا فإن أي مقاربة وطنية جادة تقوم على خمسة مسارات: توحيد المرجعية وربط المسؤولية بالنتائج لا بعدد المؤسسات؛ وحماية التجارب الناجحة كسياسات دولة لا مبادرات مرتبطة بأشخاص؛ وإعادة تعريف دور القطاع الخاص شريكاً منذ تحديد المهارات وتصميم المناهج؛ وتغيير الصورة الاجتماعية للتعليم المهني بمساواته الحقيقية في الحقوق والفرص؛ والانتقال من ثقافة الإعلان إلى ثقافة القياس والمحاسبة، بحيث يكون السؤال بعد كل برنامج: كم شاباً حصل على وظيفة مستدامة؟ وكم مشروعاً استمر بعد ثلاث سنوات؟ وكم مهارة أضيفت إلى الاقتصاد؟ وكم تقلصت الفجوة بين التعليم وسوق العمل؟ ويتطلب هذا رؤية ثلاثية الأبعاد: إصلاح تعليمي جذري يركز على المهارات الرقمية والعملية؛ ومنظومة تدريب مهني وتقني حديثة تُقدّم كمسار له قيمته لا كخيار أقل من الجامعة؛ وسياسات تشغيل نشطة تقدّم حوافز حقيقية للمشغّلين، وتدعم ريادة الأعمال، وتوفر معلومات دقيقة ومتجددة باستمرار.
وبعد عقدين من النقاش، لم يعد الأردن بحاجة إلى مزيد من التشخيص؛ فالمشكلة معروفة، والنماذج العالمية الناجحة واضحة، والمؤسسات الوطنية تمتلك قدرات يمكن البناء عليها. لكن التحدي في الانتقال من معرفة العلاج إلى تطبيقه؛ فالرهان ليس في عدد الإستراتيجيات أو الهيئات التي تُنشأ أو تُدمج، بل في بناء منظومة تجعل الشاب الأردني يرى طريقاً واضحاً يبدأ من المدرسة، ويمر بالمهارة، وينتهي بفرصة عمل حقيقية. وعندما يصبح التعليم المهني والتقني خياراً أولياً لمن يمتلك الموهبة والرغبة، لا ملاذاً أخيراً لمن تعثر أكاديمياً، عندها فقط نكون قد بدأنا معالجة جذور المشكلة. فالشباب ليسوا أرقاماً في تقارير البطالة، بل رأس المال الحقيقي للدولة ومستقبل قدرتها على المنافسة، والاستثمار في مهاراتهم استثمار في الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة. لقد أثبت الأردن أنه يعرف المشكلة ويمتلك الرؤية، لكن الدول لا تُقاس بما تعرفه، بل بما تنجح في تنفيذه، فالمشكلة لم تكن يوماً أن الأردن لا يعرف العلاج، بل كانت دائماً: هل نملك الشجاعة المؤسسية لتناول الدواء؟
تشير أحدث البيانات الرسمية إلى أن معدل البطالة في الأردن بلغ نحو 21.1 %، وهي نسبة تضع المملكة ضمن الدول العربية الأكثر تأثراً بهذه الظاهرة وتتجاوز ضعف المعدل العالمي. لكن الرقم، رغم خطورته، ليس سوى الجزء الظاهر من المشكلة؛ فالأكثر إثارة للقلق اتساع شريحة الشباب الذين لا يعملون ولا يتعلمون ولا يتدربون، وهي طاقة بشرية معطلة قد تتحول، إذا استمر تجاهلها، إلى تحدٍ اقتصادي واجتماعي وسياسي بالغ الحساسية.
واختزال البطالة في نقص فرص العمل تبسيط لمشكلة أعقد؛ فجذرها الحقيقي يكمن في الفجوة بين مخرجات التعليم واحتياجات الاقتصاد، إذ يواجه أكثر من 50 % من خريجي الجامعات صعوبة في الوصول إلى وظائف تناسب تخصصاتهم، بينما يعمل أكثر من 60 % من القوى العاملة في الاقتصاد غير المنظم بعيداً عن الحماية الاجتماعية والاستقرار الوظيفي. وقد غيّر التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي طبيعة المهارات المطلوبة بسرعة، بينما بقيت أجزاء من التعليم أسيرة نماذج نظرية بعيدة عن متطلبات الإنتاج الحديث. لذلك لم تعد البطالة مؤشراً اقتصادياً فقط، بل مؤشر كفاءة الدولة في إدارة رأس مالها البشري؛ فالدول التي نجحت في خفضها أعادت بناء العلاقة بين المدرسة والجامعة ومؤسسات التدريب والقطاع الخاص، حتى صار التعليم جزءاً من دورة الإنتاج لا مرحلة منفصلة عنها.
وهنا يظهر مفهوم "فجوة التنفيذ"، الذي بات من المفاهيم الأساسية في دراسة أداء الحكومات المتعاقبة؛ قد تكون السياسات متماسكة على الورق، لكن المشكلة تبدأ عند التطبيق، بتوزيع المسؤوليات وتعدد المرجعيات وتضارب الصلاحيات وضعف المتابعة وتغيّر الإدارات التي تحمل معها أولويات مختلفة، فتنقطع المتابعة.
وعند مراجعة التجربة الأردنية، من الأجندة الوطنية إلى رؤية الأردن 2025، فالإستراتيجية الوطنية لتنمية الموارد البشرية والإستراتيجية الوطنية للتشغيل، وصولاً إلى رؤية التحديث الاقتصادي، نجد أن التشخيص كان متقارباً دائماً: ربط التعليم بسوق العمل، وتطوير التعليم المهني والتقني، وتمكين الشباب بالمهارات التي يحتاجها الاقتصاد. لكن تشابه التشخيص لم يقابله تشابه في النتائج، ولعل أوضح دلالة على ذلك هي الحاجة التي ظهرت لتشكيل لجان لمتابعة تنفيذ إستراتيجيات قائمة أصلاً، وهو ما يكشف أن التحدي لم يكن غياب الخطط، بل غياب منظومة تنفيذ ومساءلة. فقد استهدفت الإستراتيجيات رفع الالتحاق بالتعليم المهني المدرسي إلى مستويات تصل إلى 35 % بحلول 2025، بينما أظهرت تقارير اليونسكو أن النسبة الفعلية لم تتجاوز 13-15 %، رغم الدعم الوطني والدولي المقدّم، وهذا التفاوت يوجّه النظر إلى الحوكمة أكثر من نقص التمويل.
فإذا كانت البطالة هي النتيجة الظاهرة، فإن جذورها تمتد عبر منظومة تبدأ من المدرسة ولا تنتهي عند سوق العمل، ما يجعل التعامل معها كمسؤولية وزارة واحدة تبسيطاً لمشكلة تحتاج تكاملاً بين التعليم والتدريب والتشريع والقطاع الخاص، بحيث يصبح إعداد الإنسان جزءاً من إستراتيجية الإنتاج الوطني.
وفي قلب هذه المعادلة، تتحمل وزارة العمل دوراً أساسياً، وقد طورت أدوات كمنصات التشغيل وبرامج دعم الأجور واشتراكات الضمان الاجتماعي، إلا أن أثرها يبقى محدوداً بسبب اختلالات متكررة: تشتت الجهات المسؤولة عن التدريب والتمويل والتشغيل بحيث لا يجد الشاب مساراً متكاملاً من تحديد مهاراته إلى دخوله السوق؛ والخلط بين التمويل والتنمية، فالقرض قد يفتح باب مشروع لكنه لا يضمن نجاحه دون إرشاد وحاضنة أعمال؛ وضعف الربط بين التدريب المهني ومهارات إدارة المشاريع. لذلك فإن المطلوب ليس زيادة عدد البرامج، بل تغيير الفلسفة: الانتقال من وزارة "تدير البطالة" إلى منظومة وطنية "تصنع الفرص"، بحيث لا يُقاس النجاح بعدد المستفيدين، بل بعدد من حصلوا على وظائف مستدامة، وعدد المشاريع التي بقيت قائمة بعد سنوات، وعدد المهارات الجديدة التي أضيفت إلى الاقتصاد.
ومن أبرز المحاولات التي عالجت جذور المشكلة لا أعراضها، مشروع "المسارات المهنية: النفاذية والتجسير والتطور الوظيفي"، الذي أنجزه فريق عمل معي شخصياً وقُدّم رسمياً مطلع 2019، وانطلق من فكرة أن النظام التعليمي لا ينبغي أن يفرض على جميع الطلبة مساراً أكاديمياً واحداً. وقام على ثلاثة مسارات متوازية ومفتوحة فيما بينها: التعليم الأكاديمي، والتعليم المهني المدرسي، والتدريب المهني والتقني، بحيث لا يصبح اختيار المسار المهني طريقاً مغلقاً، بل يقود إلى التعليم العالي والمؤهلات المهنية العليا، إجابة عن سؤال جوهري: ماذا نفعل بآلاف الشباب الذين لا يجدون مكاناً في النموذج الأكاديمي التقليدي؟ لكن التجربة كشفت أن التحدي الأكبر لم يكن في جودة الأفكار، بل في قدرة المؤسسات على استيعاب التغيير؛ فقد استغرق المشروع وقتاً طويلاً في النقاش والتعديلات التشريعية، دليلاً على أن الإصلاح لا يتعثر بضعف الرؤية فقط، بل ببطء المؤسسات، وتعدد مستويات القرار وصعوبة الانتقال من الفكرة إلى التطبيق.
ولأن أحد أكبر عوائق التعليم المهني كان ثقافياً واجتماعياً قبل أن يكون تقنياً، فلا يمكن مطالبة الشباب باختياره إذا كانت الدولة نفسها لا تمنحه القيمة القانونية والاجتماعية ذاتها التي تمنحها للمسار الأكاديمي، ومن هنا أهمية تطوير منظومة الشهادات المهنية بما يفتح مسارات تطور حقيقية مع ضمان العدالة في فرص العمل. وفي السياق نفسه، حاولت مبادرات كالدبلوم الفني عام 2016، والتي تم تصميمها من فريق عمل معي أيضاً، تحويل ما يُنظر إليه كتعثر أكاديمي إلى فرصة إنتاجية، لكن توقف بعضها لاحقاً يطرح سؤالاً حول قدرة مؤسسات الدولة على حماية المشاريع الإصلاحية من تغيّر الأشخاص، إذ لا تبني الدول سياساتها عبر الأشخاص بل عبر مؤسسات تحمي الأفكار. وفي مسار موازٍ، سعياً لمعالجة تعدد المرجعيات، أُنشئت عام 2019 هيئة تنمية وتطوير المهارات المهنية والتقنية خلفاً لصندوق التشغيل والتدريب المهني، وحققت خطوات مهمة في وضع المعايير، لكن ملفات الجودة والاعتماد بقيت موزعة بين أكثر من مؤسسة حتى دُمجت عام 2025 ضمن هيئة الاعتماد وضمان الجودة، وهو دمج طالبنا به منذ عام 2017، ولن يُقاس نجاحه بذاته بل بقدرته على إنتاج منظومة أقرب إلى سوق العمل وأكثر قدرة على قياس النتائج، لا مجرد تغيير في الأسماء والهياكل.
وتؤكد التجارب العالمية أن الدول التي نجحت في معالجة فجوة المهارات لم تفعل ذلك بزيادة عدد الجامعات، بل بإعادة تعريف قيمة المهارة وربطها بالاقتصاد؛ فألمانيا وسويسرا بنتا نموذج التدريب المزدوج بين التعليم النظري والتدريب داخل الشركات، وجعلت سنغافورة التعلم المستمر جزءاً من ثقافة الاقتصاد، وربطت كوريا الجنوبية تعليمها المهني بالقطاعات الصناعية مباشرة. والقاسم المشترك بينها شراكة حقيقية مع القطاع الخاص واحترام اجتماعي للتعليم المهني ومرونة الانتقال بين المسارات. وفي الأردن أثبتت تجاربنا المشتركة، قبل أكثر من عقد مع غرف الصناعة والتجارة وشركات كبرى أن هذه الشراكة ممكنة، والمطلوب الانتقال من مبادرات متفرقة إلى نموذج وطني يجعل صاحب العمل شريكاً في تصميم البرامج وتحديد المهارات منذ البداية.
غير أن قضية البطالة لا تُقرأ من زاوية اقتصادية فقط؛ فالعمل ليس مصدر دخل فحسب، بل مصدر هوية واستقلال وانتماء، والشاب الذي يحمل شهادة ويمتلك الرغبة دون أن يجد فرصة حقيقية لا يواجه مشكلة مالية فقط، بل يبدأ بطرح أسئلة أعمق حول العلاقة بين المواطن ومؤسسات الدولة وجدوى العقد الاجتماعي. ولهذا فإن تشغيل الشباب استثمار في الاستقرار الوطني والثقة العامة، لا مجرد برنامج اقتصادي. وقد ظلت قضية التشغيل والتدريب المهني حاضرة في التوجيهات الملكية منذ أكثر من عقدين، واستمرار الحاجة إلى تجديدها يكشف مفارقة: أن الرؤية السياسية كانت موجودة دائماً، بينما بقي التحدي في المؤسسات التنفيذية القادرة على حملها بصورة مستدامة. فالسؤال الحقيقي لم يعد: هل نعرف ماذا نفعل؟ بل: هل ما زالت بعض إدارات المؤسسات قادرة على التنفيذ؟
وعند مراجعة ما نُشر خلال العقد الأخير حول البطالة، نجد أن العناوين تتغير بينما يبقى جوهر المشكلة واحداً؛ فمن "جيل بلا أفق" إلى أزمة الشهادات الجامعية التي لا تقود إلى وظائف، فتحديات "مهارات المستقبل"، فاتساع الاقتصاد غير المنظم بعد جائحة كورونا، وصولاً إلى مفاهيم "التوطين" و"التسكين" و"ريادة الأعمال" و"التدريب المزدوج"، تتكرر الرسالة ذاتها: الجميع يدرك المشكلة، لكن الفجوة بين التشخيص والعلاج ما تزال شاسعة. وهذا يطرح سؤالاً مشروعاً: هل المشكلة في غياب التخطيط، أم في غياب الإدارة لمتابعة التنفيذ بعد خفوت أضواء حفل الإطلاق؟ وهنا الحقيقة الأهم: الأردن لا يعاني أزمة معرفة، بل أزمة تحويل المعرفة إلى أداء مؤسسي؛ فالدول لا تُقاس بعدد الإستراتيجيات أو المؤتمرات، بل بقدرتها على بناء مؤسسات تجعل السياسات تستمر مهما تغيّر الأشخاص والظروف.
ولهذا فإن الانتقال المطلوب اليوم هو من ثقافة "الشهادة" إلى ثقافة "المهارة"، وهو ما طالبنا به منذ 2019؛ فسوق العمل الحديث لم يعد يسأل "ماذا درست؟" بل "ماذا تستطيع أن تفعل؟ وما القيمة التي تستطيع إضافتها؟". ومن هنا فإن أي مقاربة وطنية جادة تقوم على خمسة مسارات: توحيد المرجعية وربط المسؤولية بالنتائج لا بعدد المؤسسات؛ وحماية التجارب الناجحة كسياسات دولة لا مبادرات مرتبطة بأشخاص؛ وإعادة تعريف دور القطاع الخاص شريكاً منذ تحديد المهارات وتصميم المناهج؛ وتغيير الصورة الاجتماعية للتعليم المهني بمساواته الحقيقية في الحقوق والفرص؛ والانتقال من ثقافة الإعلان إلى ثقافة القياس والمحاسبة، بحيث يكون السؤال بعد كل برنامج: كم شاباً حصل على وظيفة مستدامة؟ وكم مشروعاً استمر بعد ثلاث سنوات؟ وكم مهارة أضيفت إلى الاقتصاد؟ وكم تقلصت الفجوة بين التعليم وسوق العمل؟ ويتطلب هذا رؤية ثلاثية الأبعاد: إصلاح تعليمي جذري يركز على المهارات الرقمية والعملية؛ ومنظومة تدريب مهني وتقني حديثة تُقدّم كمسار له قيمته لا كخيار أقل من الجامعة؛ وسياسات تشغيل نشطة تقدّم حوافز حقيقية للمشغّلين، وتدعم ريادة الأعمال، وتوفر معلومات دقيقة ومتجددة باستمرار.
وبعد عقدين من النقاش، لم يعد الأردن بحاجة إلى مزيد من التشخيص؛ فالمشكلة معروفة، والنماذج العالمية الناجحة واضحة، والمؤسسات الوطنية تمتلك قدرات يمكن البناء عليها. لكن التحدي في الانتقال من معرفة العلاج إلى تطبيقه؛ فالرهان ليس في عدد الإستراتيجيات أو الهيئات التي تُنشأ أو تُدمج، بل في بناء منظومة تجعل الشاب الأردني يرى طريقاً واضحاً يبدأ من المدرسة، ويمر بالمهارة، وينتهي بفرصة عمل حقيقية. وعندما يصبح التعليم المهني والتقني خياراً أولياً لمن يمتلك الموهبة والرغبة، لا ملاذاً أخيراً لمن تعثر أكاديمياً، عندها فقط نكون قد بدأنا معالجة جذور المشكلة. فالشباب ليسوا أرقاماً في تقارير البطالة، بل رأس المال الحقيقي للدولة ومستقبل قدرتها على المنافسة، والاستثمار في مهاراتهم استثمار في الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة. لقد أثبت الأردن أنه يعرف المشكلة ويمتلك الرؤية، لكن الدول لا تُقاس بما تعرفه، بل بما تنجح في تنفيذه، فالمشكلة لم تكن يوماً أن الأردن لا يعرف العلاج، بل كانت دائماً: هل نملك الشجاعة المؤسسية لتناول الدواء؟
مدار الساعة ـ نشر في 2026/07/26 الساعة 00:02