كيف تحول الملح إلى شريان للاقتصاد الحديث؟
مدار الساعة ـ نشر في 2026/07/23 الساعة 14:02
مدار الساعة -نرشه اليوم بلا تفكير، كأنه تفصيل صغير في آخر الطبق، لكن الملح لم يكن يوماً مجرد طعم، كان طريقة لحفظ الحياة نفسها، فقد كان يستخدم لحفظ الطعام، والجسد، والمدينة، والجيش، والذاكرة، الملح عبارة عن حبيبات بيضاء صغيرة استطاعت ان تعبر اللغة والتجارة والحروب والثورات.
قبل الثلاجات، كان الملح يمنح الإنسان الوقت، فكان يجعل اللحم يبقى، والسمك يسافر، والجبن والزيتون يعيشان أطول من موسمهما، ومن يملك مؤناً لا تفسد، يستطيع أن يرحل، ويتاجر، ويحارب، ويبني مدينة بعيدة عن مصدر الطعام، ولذلك لم يكن الملح مادة في المطبخ بقدر ما كان شرطًا من شروط الحضارة.
وتعود كلمة "salary"، أي الراتب، إلى أصل لاتيني مرتبط بالملح، صحيح أن الحكاية الشهيرة عن دفع رواتب الجنود الرومان بالملح حرفياً ليست مؤكدة، لكن مجرد اقتراب معنى الراتب من الملح يقول الكثير عن قيمته.
ولهذا كانت الدول تتعامل مع الملح كسلعة خطيرة، فما يحتاجه الجميع كل يوم يتحول إلى ضريبة، واحتكار، وتهريب، وغضب. في فرنسا، كانت ضريبة الملح، أو "الغابيل"، من أكثر الضرائب كراهية قبل الثورة الفرنسية، لأنها مست حاجة يومية.
وفي الصين، ظل احتكار الملح لقرون مصدراً مهماً من مصادر دخل الدولة.
وفي أفريقيا، عبرت قوافل الملح الصحراء الكبرى، وربطت المناجم بالمدن والأسواق، وحملت معها الذهب والكتب والناس والحكايات.
ثم مشى غاندي في عام 1930 نحو 240 ميلًا خلال 24 يوماً إلى البحروقام بصناعة الملح من مياه البحر، مخالفاً قانوناً استعمارياً يمنع الهنود من إنتاج ملحهم بأنفسهم، وعلى الرغم من كونها حركة بسيطة، لكنها وضحت ان الاستعمار وصل إلى أبسط ما يحتاجه الجسد.
من تلك الحفنة خرجت موجة عصيان مدني واسعة، فكان السؤال عن الحق.. من يملك البحر؟ من يملك الأرض؟ ومن يملك القدرة لمنع شعب كامل من استخراج حاجته من مائه؟
واليوم، لم يعد الملح عملة في اليد، لكنه ما زال مادة تشغيل للحضارة الحديثة. في الولايات المتحدة وحدها، بيع أو استُخدم نحو 41 مليون طن من الملح عام 2023، بقيمة تقارب 2.6 مليار دولار.
ولم يذهب هذا كله إلى الطعام، فقد استحوذت الطرق وحدها على 41% من الاستهلاك لإذابة الجليد، بينما ذهبت 38% من مبيعات الملح إلى الصناعة الكيميائية، حيث يتحول الملح إلى كلور وصودا كاوية، وهما مادتان تدخلان في سلاسل طويلة من البلاستيك، وخصوصًا PVC، والمنظفات، والورق، ومعالجة المياه، والألمنيوم، والدواء.
عالميًا، قُدّر سوق الملح الصناعي بنحو 14.2 مليار دولار في 2024، مع توقعات بأن يصل إلى 19.8 مليار دولار بحلول 2034. أي إن الملح خرج من المملحة، لكنه لم يخرج من قلب الاقتصاد؛ صار يعمل بصمت في الطرق والمصانع والمياه والدواء.
ولدى الملح حضور شعبي واضح وقوي، فنقوم برشه في البيوت لطرد الشر في بعض الثقافات، ونربطه بالنظافة والجروح والحفظ مما يرسخ مفهوم أهمية الملح للحياة والنجاة.
واليوم، لم يعد الملح عملة في اليد، لكنه لم يصبح منتج "عادي". فهو متوفر اليوم في الصناعات الكيميائية، ومعالجة المياه، وإذابة الجليد، والدواء، والزراعة، وسلاسل إنتاج لا نراها.
وربما لهذا يستحق أن ننظر إليه ببطء أكبر ونقدره، ليس لأنه يحمل تاريخاً أثقل مما نتصور، ففي حبة الملح طرق قوافل، وضرائب ملوك، ومؤن جيوش، وجرح قديم، وكلمة في القاموس، وبحر مشى إليه غاندي ليقول إن الحرية تبدأ من شيء صغير جداً.
قبل الثلاجات، كان الملح يمنح الإنسان الوقت، فكان يجعل اللحم يبقى، والسمك يسافر، والجبن والزيتون يعيشان أطول من موسمهما، ومن يملك مؤناً لا تفسد، يستطيع أن يرحل، ويتاجر، ويحارب، ويبني مدينة بعيدة عن مصدر الطعام، ولذلك لم يكن الملح مادة في المطبخ بقدر ما كان شرطًا من شروط الحضارة.
وتعود كلمة "salary"، أي الراتب، إلى أصل لاتيني مرتبط بالملح، صحيح أن الحكاية الشهيرة عن دفع رواتب الجنود الرومان بالملح حرفياً ليست مؤكدة، لكن مجرد اقتراب معنى الراتب من الملح يقول الكثير عن قيمته.
ولهذا كانت الدول تتعامل مع الملح كسلعة خطيرة، فما يحتاجه الجميع كل يوم يتحول إلى ضريبة، واحتكار، وتهريب، وغضب. في فرنسا، كانت ضريبة الملح، أو "الغابيل"، من أكثر الضرائب كراهية قبل الثورة الفرنسية، لأنها مست حاجة يومية.
وفي الصين، ظل احتكار الملح لقرون مصدراً مهماً من مصادر دخل الدولة.
وفي أفريقيا، عبرت قوافل الملح الصحراء الكبرى، وربطت المناجم بالمدن والأسواق، وحملت معها الذهب والكتب والناس والحكايات.
ثم مشى غاندي في عام 1930 نحو 240 ميلًا خلال 24 يوماً إلى البحروقام بصناعة الملح من مياه البحر، مخالفاً قانوناً استعمارياً يمنع الهنود من إنتاج ملحهم بأنفسهم، وعلى الرغم من كونها حركة بسيطة، لكنها وضحت ان الاستعمار وصل إلى أبسط ما يحتاجه الجسد.
من تلك الحفنة خرجت موجة عصيان مدني واسعة، فكان السؤال عن الحق.. من يملك البحر؟ من يملك الأرض؟ ومن يملك القدرة لمنع شعب كامل من استخراج حاجته من مائه؟
واليوم، لم يعد الملح عملة في اليد، لكنه ما زال مادة تشغيل للحضارة الحديثة. في الولايات المتحدة وحدها، بيع أو استُخدم نحو 41 مليون طن من الملح عام 2023، بقيمة تقارب 2.6 مليار دولار.
ولم يذهب هذا كله إلى الطعام، فقد استحوذت الطرق وحدها على 41% من الاستهلاك لإذابة الجليد، بينما ذهبت 38% من مبيعات الملح إلى الصناعة الكيميائية، حيث يتحول الملح إلى كلور وصودا كاوية، وهما مادتان تدخلان في سلاسل طويلة من البلاستيك، وخصوصًا PVC، والمنظفات، والورق، ومعالجة المياه، والألمنيوم، والدواء.
عالميًا، قُدّر سوق الملح الصناعي بنحو 14.2 مليار دولار في 2024، مع توقعات بأن يصل إلى 19.8 مليار دولار بحلول 2034. أي إن الملح خرج من المملحة، لكنه لم يخرج من قلب الاقتصاد؛ صار يعمل بصمت في الطرق والمصانع والمياه والدواء.
ولدى الملح حضور شعبي واضح وقوي، فنقوم برشه في البيوت لطرد الشر في بعض الثقافات، ونربطه بالنظافة والجروح والحفظ مما يرسخ مفهوم أهمية الملح للحياة والنجاة.
واليوم، لم يعد الملح عملة في اليد، لكنه لم يصبح منتج "عادي". فهو متوفر اليوم في الصناعات الكيميائية، ومعالجة المياه، وإذابة الجليد، والدواء، والزراعة، وسلاسل إنتاج لا نراها.
وربما لهذا يستحق أن ننظر إليه ببطء أكبر ونقدره، ليس لأنه يحمل تاريخاً أثقل مما نتصور، ففي حبة الملح طرق قوافل، وضرائب ملوك، ومؤن جيوش، وجرح قديم، وكلمة في القاموس، وبحر مشى إليه غاندي ليقول إن الحرية تبدأ من شيء صغير جداً.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/07/23 الساعة 14:02