أزمة المرور في عمان.. رؤية ميدانية بعين اللواء الدكتور فراس الدويري

العميد المتقاعد الدكتور بسام روبين
مدار الساعة ـ نشر في 2026/07/21 الساعة 17:58
ليست أزمة المرور في عمان قدرا لا يمكن تجاوزه، وليست وليدة اليوم، بل هي نتاج تراكمات عمرانية وتنظيمية وسلوكية فرضت نفسها على المشهد اليومي للعاصمة ، وبينما تتعدد الآراء حول أسباب هذه الأزمة، تبرز قيمة الرؤية التي تستند إلى الخبرة الميدانية والمعرفة المتخصصة، لأنها الأقرب إلى تشخيص الخلل ووضع الحلول الواقعية ، ومن هذا المنطلق، تكتسب رؤية مدير إدارة السير الأسبق، اللواء الدكتور فراس الدويري، أهمية خاصة ، فهي لا تكتفي برصد مظاهر الأزمة، بل تقدم قراءة عملية تنطلق من الميدان، وتفتح الباب أمام معالجات قابلة للتنفيذ إذا ما توفرت الإرادة والتنسيق بين مختلف الجهات المعنية.

فلم تعد الأزمة المرورية في العاصمة عمان مجرد إزدحام يتكرر في ساعات الذروة، بل غدت تحديا يوميا يمس جودة الحياة، ويستنزف وقت المواطنين، ويرفع كلفة التنقل، ويؤثر في الإنتاجية والإقتصاد والبيئة على حد سواء . فالإزدحام لم يعد مشكلة عابرة، وإنما ظاهرة مركبة تتطلب قراءة علمية ورؤية ميدانية تستند إلى الخبرة والواقع، بعيدا عن الحلول المؤقتة أو المعالجات الآنية.

وفي هذا الإطار ، تبرز الرؤية التي قدمها مدير إدارة السير الأسبق، اللواء الدكتور فراس الدويري، بإعتبارها نموذجا لقراءة ميدانية دقيقة تنطلق من سنوات طويلة من الخبرة العملية في إدارة الحركة المرورية. فهي لا تكتفي بوصف الأزمة، بل تشخص أسبابها الحقيقية، وتطرح حلولا قابلة للتطبيق، بما يشكل خارطة طريق للإنتقال من مرحلة إدارة الأزمة إلى مرحلة معالجتها بصورة مستدامة.

ويؤكد اللواء فراس الدويري أن اختناقات عمان لا تعود فقط إلى الزيادة المطردة في أعداد المركبات أو محدودية البنية التحتية، بل ترتبط أيضا بعوامل تنظيمية وإدارية وميدانية يمكن معالجتها بكفاءة إذا توفرت الإرادة والتخطيط والمتابعة المستمرة.

ومن أبرز هذه العوامل غياب التوازن في إدارة الحركة المرورية عبر الإشارات الضوئية. فالبرمجة الزمنية للإشارات في بعض التقاطعات الحيوية لا تعكس الكثافة الفعلية لحركة السير، الأمر الذي يؤدي إلى تكدس المركبات في إتجاهات معينة مقابل منح أولوية غير مبررة لإتجاهات أقل إزدحاما. ويعد الدوار الثامن واشارات الجامعه الاردنيه مثالا واضحا على ذلك، حيث تسهم التوقيتات غير المتوازنة في خلق إختناقات مرورية كان بالإمكان الحد منها من خلال مراجعة فنية مستمرة تعتمد على البيانات الميدانية وأحجام الحركة الفعلية، لا على برامج ثابتة لا تواكب المتغيرات اليومية.

ولا تقل إدارة التقاطعات أهمية عن برمجة الإشارات ، إذ يشير الواقع إلى أن التدخل البشري، رغم أهميته في الظروف الإستثنائية، قد يتحول أحيانا إلى عامل يفاقم الأزمة إذا لم يستند إلى تقييم دقيق للحركة المرورية ، ويبرز دوار الكيلو نموذجا واضحا لهذه الإشكالية، حيث قد يؤدي إيقاف مسرب يشهد إنسيابية جيدة أو تعطيل عمل الإشارة الضوئية دون دراسة لتداعيات القرار على إمتداد الشوارع المرتبطة بالتقاطع إلى إرتداد الإزدحام نحو شوارع أخرى، فتتسع دائرة الإختناق بدلا من إحتوائها. ومن هنا، فإن نجاح رجل السير لا يقاس بكثرة تدخله، وإنما بقدرته على إختيار اللحظة المناسبة للتدخل، مع المحافظة على إنسيابية الحركة وتحقيق التوازن بين مختلف الإتجاهات.

وجوهر الرؤية التي يطرحها اللواء فراس الدويري يقوم على تكامل ثلاثة عناصر رئيسية ، الهندسة المرورية، والإدارة الميدانية، والشراكة المجتمعية.

ففي الجانب الهندسي، تبرز الحاجة إلى مراجعة شاملة لبرمجة الإشارات الضوئية في مختلف التقاطعات الحيوية، والإستفادة من أنظمة النقل الذكية، وربط الإشارات بمراكز تحكم إلكترونية تعتمد على الرصد اللحظي للكثافات المرورية، بما يسمح بتعديل الأزمنة بصورة ديناميكية تتناسب مع الواقع المتغير.

أما في الجانب الميداني، فتبرز أهمية تطوير أداء كوادر إدارة السير من خلال التدريب المستمر، ووضع معايير واضحة للتدخل اليدوي في التقاطعات، وتعزيز الرقابة والتقييم المستمر، بحيث يكون رجل السير جزءا من الحل، لا سببا في تعقيد المشهد المروري، مع توظيف التكنولوجيا الحديثة في دعم قراراته الميدانية.

ويبقى العنصر الثالث، وهو الشراكة المجتمعية، ركنا أساسيا في نجاح أي خطة مرورية ، فمهما بلغت كفاءة البنية التحتية أو جودة الإدارة، فإن السلوك المروري الخاطئ يبقى سببا رئيسيا في كثير من الإختناقات. لذا، فإن إطلاق حملات توعوية مستمرة، وتعزيز ثقافة الإلتزام بقواعد المرور، وإحترام المسارب، وعدم إغلاق التقاطعات، والإلتزام بأولوية المرور، كلها إجراءات لا تقل أهمية عن إنشاء الجسور والأنفاق أو تطوير الطرق.

كما أن معالجة أزمة المرور في عمان تستدعي بناء قاعدة بيانات مرورية دقيقة تحدث بإستمرار، وإجراء دراسات دورية لأنماط الحركة، والتنسيق الوثيق بين أمانة عمان الكبرى، وإدارة السير، ووزارة الأشغال العامة والإسكان، وهيئة تنظيم النقل، بحيث تكون القرارات مبنية على مؤشرات علمية وقياسات واقعية، لا على الإجتهادات الفردية ، وما طرحه اللواء فراس الدويري ليس مجرد ملاحظات ميدانية، بل يمثل مشروعا عمليا لتطوير إدارة الحركة المرورية في العاصمة، وهو مشروع يستحق أن يحظى بالدراسة والبناء عليه من قبل الجهات المختصة، لأن كثيرا من الحلول يبدأ بتحسين الإدارة قبل توسيع الطرق، والإستفادة من الخبرات الوطنية المتراكمة، وتوظيف التقنيات الحديثة في خدمة المواطن.

وفي الختام، فإن عمان التي نجحت عبر تاريخها في تجاوز كثير من التحديات، قادرة اليوم أيضا على تجاوز أزمة المرور، متى ما تكاملت الخبرة مع القرار، والتخطيط مع التنفيذ، والشراكة بين المؤسسات والمواطنين. فالطريق إلى مدينة أكثر إنسيابية لا يبدأ من الإسفلت وحده، بل يبدأ من حسن الإدارة، والإنضباط، والإيمان بأن الوقت الذي نوفره للمواطن هو إستثمار في مستقبل الوطن، وخطوة نحو مدينة أكثر كفاءة، وأجمل حياة، وأرقى صورة حضارية للأردن.

حفظ الله الأردن

وألهم المسؤولين إجراء تعديلات عاجلة على قانون السير بحيث يراعي حاجة المواطن الأردني .

العميد المتقاعد

الدكتور بسام روبين
مدار الساعة ـ نشر في 2026/07/21 الساعة 17:58