حظر التسوق يوم الأحد في ألمانيا: تقليد دستوري في مواجهة الركود الاقتصادي

مدار الساعة ـ نشر في 2026/07/21 الساعة 14:08
مدار الساعة -وسط تباطؤ اقتصادي ممتد، يعود حظر التسوق يوم الأحد، إلى واجهة النقاش في ألمانيا، بعدما دخل أكبر اقتصاد أوروبي عامه السابع من النمو الضعيف، بالتزامن مع تراجع ثقة المستهلكين، واستمرار الضغوط على قطاعي الصناعة والتجزئة بفعل المنافسة الصينية والرسوم الجمركية الأمريكية.

يستند إغلاق المتاجر يوم الأحد إلى تقليد راسخ في ألمانيا يعود لأكثر من قرن، ويحظى بحماية دستورية منذ عام 1949 باعتبار هذا اليوم مخصصاً للراحة والارتقاء الروحي.

منذ عام 2019 يعاني الاقتصاد الألماني من نمو شبه متوقف، بالتوازي مع تراجع النشاط الصناعي وتسريح آلاف العمال، وهو ما دفع الحكومة إلى البحث عن وسائل جديدة لتنشيط الطلب المحلي.

وفي محاولة لتحفيز النشاط الاقتصادي، أقرّت الحكومة الائتلافية بقيادة المستشار فريدريش ميرتس تعديلات محدودة على قواعد العمل يوم الأحد، شملت توسيع ساعات عمل المخابز ومحال الحلويات، والسماح للمكتبات العامة بفتح أبوابها بدءاً من يناير (كانون الثاني) 2027.

ورغم أن هذه الإجراءات لا تمس معظم المتاجر، فإنها أعادت فتح ملف ظل مثيراً للجدل لعقود، ودفعت قطاع التجزئة إلى المطالبة بمراجعة أوسع للقيود المفروضة على التسوق في يوم العطلة.

تاريخ حظر التسوق يوم الأحد

يستند إغلاق المتاجر يوم الأحد إلى تقليد راسخ في ألمانيا يعود لأكثر من قرن، ويحظى بحماية دستورية منذ 1949 باعتبار هذا اليوم مخصصاً للراحة والارتقاء الروحي. لذلك، يحظر قانون ساعات العمل تشغيل الموظفين في معظم المتاجر، مع استثناء قطاعات لا يمكن تعطيلها مثل المستشفيات وخدمات الطوارئ والمطاعم، بينما يسمح للمخابز ومحال الحلويات بالعمل لمدة لا تتجاوز ثلاث ساعات.

ومع دخول التعديلات الجديدة حيز التنفيذ في 2027، ستتمكن المخابز ومحال الحلويات من تشغيل موظفيها حتى ثماني ساعات، كما سيُسمح للعاملين في المكتبات العامة بالعمل لمدة تصل إلى ست ساعات يوم الأحد. لكن هذه التغييرات لا تعني تلقائياً تمديد ساعات التسوق، لأن فتح المتاجر يخضع أيضاً لقوانين الولايات الألمانية، التي تحتاج إلى تعديلات منفصلة قبل تطبيق أي تغيير فعلي.

لماذا عاد الجدل؟

اللافت أن إحياء النقاش حول "قانون الأحد" يتزامن مع واحدة من أطول فترات الضعف الاقتصادي التي تشهدها ألمانيا في تاريخها الحديث؛ فمنذ 2019 يعاني أكبر اقتصاد أوروبي من نمو شبه متوقف، بالتوازي مع تراجع النشاط الصناعي وتسريح آلاف العمال، ما دفع الحكومة إلى البحث عن وسائل جديدة لتنشيط الطلب المحلي باعتباره أحد أهم محركات النمو.

وفي ظل هذه الظروف، يرى ممثلو قطاع التجزئة أن فتح المتاجر يوم الأحد يمنح المستهلكين وقتاً إضافياً للتسوق، ويزيد إيرادات المتاجر التقليدية التي تفقد تدريجياً حصتها السوقية لصالح التجارة الإلكترونية، مؤكدين أن التحدي لم يعد مرتبطاً بالقوانين وحدها، بل بقدرة القطاع على الصمود في ظل تباطؤ الاقتصاد.

كيف يُطبق الحظر على أرض الواقع؟

تعكس إحدى الوقائع التي نشرتها صحيفة "وول ستريت جورنال" تأثير هذه القيود على المتاجر الصغيرة؛ إذ فرضت السلطات غرامة قدرها 2500 يورو على بدران غونيش، صاحب متجر "آري ميني ماركت" في برلين، بعد ضبطه يبيع منتجات غذائية معلبة يوم الأحد.

وبحسب غونيش، يمثل هذا اليوم وحده نحو 40% من إجمالي مبيعات متجره الأسبوعية، لذلك فإن الالتزام بالحظر يعني خسارة جزء كبير من الإيرادات. ولهذا السبب، يفضل بعض أصحاب المتاجر الصغيرة المخاطرة بالغرامات أو خدمة الزبائن بصورة غير معلنة بدلاً من الإغلاق الكامل.

مطالب تجارية بإلغاء القيود

استناداً إلى هذه المعطيات، يرى اتحاد تجارة التجزئة الألماني أن التعديلات الحكومية الحالية ينبغي أن تكون بداية لإصلاح أشمل يسمح بفتح جميع المتاجر يوم الأحد، أسوة بما هو مطبق في عدد من الدول الأوروبية.

ويؤكد الاتحاد أن التسوق لم يعد مجرد وسيلة لتلبية الاحتياجات اليومية، بل أصبح نشاطاً يسهم في تنشيط مراكز المدن، ودعم الشركات الصغيرة، والحفاظ على حركة الأسواق المحلية. كما يحذر من أن استمرار إغلاق المتاجر يمنح منصات التجارة الإلكترونية أفضلية متزايدة، في وقت تكافح فيه المتاجر التقليدية للحفاظ على حصتها السوقية.

من جانبه، يقول رئيس اتحاد تجار برلين وبراندنبورغ، نيلز بوش بيترسن، إن تجريم بيع قميص يوم الأحد لم يعد يتناسب مع عصر التسوق الإلكتروني، معتبراً أن القوانين الحالية تعكس واقعاً اقتصادياً مختلفاً تماماً عن الظروف الراهنة.

معارضة تتمسك بيوم الراحة

في المقابل، تواجه هذه المطالب رفضاً واسعاً من النقابات العمالية والكنائس المسيحية، التي تعتبر يوم الأحد أحد أهم المكاسب الاجتماعية التي لا ينبغي التفريط فيها لتحقيق فوائد اقتصادية قصيرة الأجل.

وتؤكد نقابة "فيردي" أن هذا اليوم يمثل الفرصة الوحيدة أمام كثير من العاملين في قطاع التجزئة للحصول على راحة منتظمة وقضاء وقت مع أسرهم، ولذلك تصف أي اتجاه لتوسيع العمل خلاله بأنه إجراء يضر بحقوق العاملين.

أما الكنيسة اللوثرية، فترى أن يوم الأحد يوفر مساحة للحياة الأسرية والعمل التطوعي والعلاقات الاجتماعية، وأن الحفاظ عليه يمثل قيمة مجتمعية تتجاوز الاعتبارات الاقتصادية.

ويمتد هذا الانقسام إلى الائتلاف الحاكم نفسه، إذ يؤيد بعض نواب الاتحاد المسيحي توسيع نطاق فتح المتاجر، بينما يتمسك آخرون بالإبقاء على يوم الأحد كيوم مخصص للأسرة والراحة، مع الاكتفاء بإصلاحات محدودة في قوانين العمل. الأمر الذي يشير إلى أن الجدل حول مستقبل يوم الأحد في ألمانيا مرشح للاستمرار، مع احتدام الموازنة بين حماية تقليد اجتماعي عمره أكثر من قرن ومتطلبات اقتصاد يسعى لاستعادة زخمه.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/07/21 الساعة 14:08