الغضب...حين تُقاس السياسة بالنتائج

الاستاذ الدكتور عبدالله سرور الزعبي
مدار الساعة ـ نشر في 2026/07/20 الساعة 22:54
في جلسة حوار فكرية ضمّت نخبة من أصحاب الفكر الوطني وضيف ومفكر عربي، دار نقاش عميق حول الدولة والأحزاب والمجتمع، وتشعّب الحديث حتى استقرّ على سؤال جوهري: أيّهما أجدى للدولة، إدارة الغضب الاجتماعي أم إدارة العواطف الشعبية؟ سؤال يبدو للوهلة الأولى أنه ترف فكري، لكنه في الحقيقة يفكّك أساس العلاقة بين الدولة والمجتمع في هذه المرحلة الدقيقة التي تعيشها المنطقة، والأردن جزء أصيل منها.

في مقال سابق منشور بتاريخ 9/9/2025، وتحت عنوان "صناعة الغضب...الهندسة من الاحتقان إلى الاستثمار"، تناولنا كيف يتحوّل الاحتقان الاجتماعي، حين يُترك بلا وعي أو يُستثمر بسوء نية، إلى سلعة سياسية تُصنَّع وتُدار وتُستثمر في التوقيت المناسب.

لكن بعد هذه الجلسة الحوارية اصبح السؤال الأهم ليس "كيف يُصنع الغضب؟" فصناعة الغضب، تصف كيف يُصنع ويُغذّى، لكن "الإدارة" هنا تسأل سؤالًا مختلفًا: كيف يُروَّض هذا الغضب، لا بإخماده قسرًا ولا بتجاهله، فالغضب حين يُترك بلا إدارة رشيدة يتحول، كما حذّر سينيكا قديمًا، إلى ضرب من الجنون الجمعي، وحين يُدار بحكمة يتحول إلى وقود للنهضة، والى طاقة سياسية منتجة بدل أن يبقى وقودًا لمن يحسن التلاعب به. كما تشير التجارب التي تثبت أن من يملك الشرعية التاريخية والدستورية هو وحده القادر على تحويل الاحتقان إلى مشروع بناء.

كما تبين من الحديث بان هناك خلط شائع بين "إدارة الغضب" و"إدارة العواطف الشعبية"، وهذا خلط مضلّل. فالغضب الاجتماعي حالة تراكمية، وليد شعور جمعي بالغبن أو الإقصاء أو الفشل في تحقيق العدالة، وهو بطبيعته أقرب إلى الطاقة الكامنة التي تحتاج قناة تصريف. أما العاطفة الشعبية فأوسع من ذلك بكثير؛ فهي تشمل الأمل والخوف والحماس والانتماء، وهي التي تعمل على استغلالها بعض الاحزاب والنخب الشعبوية. الا انها في ذات الوقت المادة الخام التي تُبنى منها الشرعية السياسية في لحظات الاصطفاف الوطني الكبرى،

ومن يدير الغضب فقط، يتعامل مع الأزمة كأنها حريق يجب إطفاؤه. ومن يدير العاطفة الشعبية، يتعامل مع المجتمع كأنه كائن حي له مزاج ونبض وذاكرة، فيبني خطابًا يستوعب الغضب حين يحدث، لكنه لا يقف عنده، بل يوجّه الطاقة الجمعية كلها نحو مشروع. والدولة الرشيدة لا تكتفي بإدارة الغضب حين يشتعل، ولا تكتفي باحتواء اللحظة، بل تدير المزاج العام باستمرار، فتمتص الاحتقان قبل أن يتشكّل، وتستثمر الأمل قبل أن يذبل، وتبني علاقة ثقة مستمرة تجعل الغضب استثناءً عابرًا لا قاعدة يومية.

الفارق هنا ليس شكليًا. فالدولة التي تكتفي بإدارة الغضب تعيش في حالة إطفاء دائم للحرائق، بينما الدولة التي تدير العاطفة الشعبية تستبق الاحتقان قبل أن يتشكّل، لأنها تفهم أن الشارع لا يغضب فجأة، بل يتراكم غضبه من فجوة بين الوعد والإنجاز، ومن إحساس عميق، كما وصفه توكفيل، بأن التغيير المنتظر لا يصل في وقته. فحين تتوقع الشعوب الإصلاح ولا تجده، لا تكون اللحظة الأخطر في قاع الأزمة، بل في لحظة الانتظار المُحبَط ذاتها.

هنا يبرز تمييز جوهري غاب طويلاً عن الخطاب الحزبي في المنطقة العربية: الفرق بين حزب الوطن وحزب الحكومة. حزب الحكومة كيان وظيفي، يُقاس نجاحه بقدرته على التماهي مع السلطة التنفيذية في مدى زمني محدود، وغالبًا ما ينحصر خطابه في الدفاع عن القرار اليومي وتبرير التأخير. أما حزب الوطن والدولة فهو تكوين أعمق، لا يتماهى بالضرورة مع كل قرار حكومي، لكنه يحمل رؤية ومشروع يتجاوز الدورة الزمنية او الانتخابية الواحدة، ويخاطب الانتماء الجمعي للمواطن لا مصلحته الآنية فقط.

الخلط بين الاثنين هو أحد أسباب هشاشة الأحزاب في كثير من التجارب العربية؛ فحين يتحول الحزب إلى امتداد إداري صرف للحكومة، يفقد قدرته على أن يكون صمّام أمان في لحظات الاحتقان، لأن الشارع ينظر إليها كجزء من المنظومة التي أنتجت الأزمة، لا كأداة لحلّها. وهذا بالضبط ما يجعل بعض النخب، رغم قربها من مراكز القرار، تتحول إلى طبقة عازلة بين رؤية إصلاحية طموحة وشعب يريد أن يرى أثرها ملموسًا في حياته اليومية. وحين يتحول الحزب إلى معارضة هوياتية خالصة بلا مشروع دولة، يفقد قدرته على التموضع في السلطة حين تحين الفرصة. الحزب الناضج هو الذي يحافظ على ازدواجية واعية، يخدم مشروع الدولة الكبير، ويحتفظ بمسافة نقدية من أداء الحكومة اليومي، بحيث يبقى قريبًا من نبض الناس دون أن يذوب فيه، وقريبًا من الدولة دون أن يتحول إلى ناطق باسمها فقط.

ولا يمكن لأي حزب أن يدّعي القدرة على إدارة الغضب أو توجيه العاطفة الشعبية دون فهم دقيق للخريطة الاجتماعية التي يتحرك فوقها: الفوارق الجيلية، الفوارق الطبقية، التوزيع الجغرافي بين المدينة والريف والأطراف، والانقسامات الثقافية والهوياتية الدقيقة التي لا تظهر في الاستطلاعات السطحية.

فالتموضع الاستراتيجي للحزب الناجح ليس محاولة إرضاء الجميع، فهذا وهم يقود إلى ذوبان الهوية السياسية وفقدان المصداقية، بل هو تحديد واعٍ لموقع الحزب داخل هذه التوزيعات الاجتماعية، بحيث يمثّل قاعدة حقيقية قادرة على حمل مشروعه، مع بناء جسور تفاهم مع بقية الشرائح دون تذويب الذات أو مجاراة كل خطاب عاطفي عابر، سواء كان هوياتيًا أو أيديولوجيًا راديكاليًا يستثمر في الأزمة بدل أن يحلّها.

أما التموضع في الرأي العام فمسألة مختلفة، وإن كانت متصلة بالتموضع الاجتماعي. والرأي العام متقلّب، يتأثر باللحظة والخطاب الإعلامي والأزمة الطارئة، ومن يبني موقعه عليه وحده يبني على رمال متحركة. الحزب الرصين يستخدم قراءة الرأي العام كأداة استشعار مبكر لا كبوصلة وحيدة، فيصغي إليه دون أن يتحول إلى مجرد صدى له، ويقود المزاج العام أحيانًا بدل أن يُساق خلفه دائمًا، خاصة في مواجهة من يستغل الفضاء الإعلامي لتضخيم الأزمات بدل حلّها.

وهنا يصل النقاش إلى جوهره: السياسة، في نهاية المطاف، تُقاس بالنتائج لا بالأقوال. الخطاب مهم، لكنه وسيلة لا غاية. والمجتمعات، مهما بلغت درجة تفاعلها العاطفي مع لحظة خطابية معينة، تعود دائمًا لتسأل: ماذا تغيّر فعليًا على الأرض؟ وهذا بالضبط ما يفسّر انهيار شعبية نخب وأحزاب بلغت ذروة التأييد اللحظي، بمجرد أن يتكشّف الفارق بين الوعد والتنفيذ، بين المبادرة المُعلنة والمشروع المُعطَّل في أدراج مسؤول يمنح صكوك الغفران لبعض الملفات ويحجبها عن أخرى بحجج جاهزة، لكنها واهية.

ومن الافكار التي تحدث فيها الضيف العروبي، بانه طرح فكرة ان السياسة الناضجة، هي التي يقوم عليها الساسة الذين لا يقولون ما يفكرون فيه، بل يفكرون فيما يقولون. هذه ليست دعوة إلى النفاق السياسي أو ازدواجية الخطاب، بل هي إقرار بمسؤولية الكلمة في الفضاء العام. من يقول ما يفكر فيه مباشرة ودون تدبّر، يتعامل مع السياسة كأنها بوح شخصي، بينما السياسي المسؤول يعلم أن كل كلمة يُطلقها في الفضاء العام تتحول فورًا إلى فعل له أثر، فيزنها قبل أن يقولها، لا لأنه يخفي حقيقته، بل لأنه يعي أن الكلمة السياسية مسؤولية جماعية لا تعبير فردي.

إذا كان المقال السابق قد كشف كيف يُصنَّع الاحتقان ويُستثمر من قبل من يريد الفوضى أو المكسب الآني، فإن إدارة الغضب هي الرد المؤسسي على هذه الصناعة. لا تكون الإدارة بقمع الغضب أو إنكار مشروعيته، فالغضب حين يكون نتيجة غبن حقيقي هو إنذار مبكر يجب الإصغاء إليه لا كتمه. وإدارة الغضب تعني بناء قنوات مؤسسية حقيقية، أحزابًا ومجالس تمثيلية، قادرة على استيعاب هذا الغضب وترجمته إلى مطالب قابلة للتفاوض والإنجاز، بدل أن يبقى طاقة عمياء ينتظرها من يوجّهها نحو الفوضى أو الاستقطاب الأيديولوجي.

فالدولة التي تنجح في هذه المعادلة هي التي تدرك أن الاستقرار الحقيقي لا يُبنى بإسكات الغضب، بل بتحويله إلى سياسة، وأن القوة لا تُقاس بحجم التصفيق في اللحظة، بل بحجم الثقة المتراكمة عبر النتائج الملموسة. وهذا بالضبط ما يفصل بين من يصنع الغضب ليستثمره في لحظة ضعف، ومن يديره بحكمة ليبني به، لا عليه، مشروع دولة.

وهنا يفرض السؤال نفسه بإلحاح: هل الأحزاب، بتركيبتها الراهنة وثقافتها السياسية المتوارثة، جاهزة فعلاً لتكون شريكًا في إدارة الغضب؟ أم أنها ما زالت أسيرة الانقسام بين "حزب الحكومة" الذي يبرر ولا يبني، و"حزب المعارضة الهوياتية" الذي يعترض ولا يقترح؟ فالإدارة الرشيدة للغضب الاجتماعي تحتاج مؤسسات حزبية ناضجة، تفكر بعقل الدولة، وتملك أدوات القراءة المبكرة والقدرة على التفاوض، لا مجرد منابر لترديد المزاج الشعبي أو تبرير القرار اليومي. وطالما ظل هذا السؤال معلقًا بلا إجابة حاسمة، سيبقى الغضب طاقة بلا قناة، ينتظر من يحسن توجيهها أو من يسيء استثمارها. ولعل ما نحن أحوج إليه اليوم هو الالتفات إلى الأحزاب التي تفكر بعقل الدولة، وتقدم حلولًا واقعية قابلة للتنفيذ، بعيدًا عن منطق الشعارات والانفعالات؛ فربما نجد لديها بعضًا من الإجابات التي تبحث عنها مؤسسات الدولة.

في هذا السياق، لفت الضيف العربي في الجلسة إلى ملاحظة جديرة بالتأمل لكل من يحب وطنه، مفادها أن الأنظمة الملكية، بحكم تراكمها التاريخي واستمراريتها المؤسسية، أثبتت في أكثر من محطة قدرة على الاستقرار تفوق ما حققته أنظمة أخرى تعيش على وقع الدورات الانتخابية القصيرة والتقلبات الحزبية. بل ذهب أبعد من ذلك حين عبّر، بصدق لافت، عن تمنيه لو أن بلده كان يزال يحتكم إلى نظام ملكي، معتبرًا أن هذا النموذج كان سيوفر عليهم الكثير من دورات الاحتقان والانفجار التي عاشتها بلاده على مدى عقود.

وهذا يعيدنا إلى ما ختمنا به مقالنا السابق "صناعة الغضب...الهندسة من الاحتقان إلى الاستثمار"، حين أشرنا إلى أن الملوك وحدهم، بحكم شرعيتهم التاريخية والدستورية الجامعة، هم من يملكون القدرة على احتواء الغضب الشعبي وتحويله من طاقة سلبية إلى مشروع نهضة وطنية. ولعل التجربة الأردنية تبقى الشاهد الأوضح على هذه المعادلة؛ فالقيادة الهاشمية كانت وما زالت السباقة إلى قراءة الحدث قبل أن يتفاقم، وإلى استشراف الاحداث قبل ان تقع، فقدّمت مشاريع وطنية نهضوية لم تكتفِ بإطفاء الحرائق، بل أسست لاستقرار ممتد ومستقبل يُبنى عليه، ولا يُخشى منه، ويبقى الرهات على من يلتقط الاشارات الملكية.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/07/20 الساعة 22:54