عن الورع والوسواس.. الفتوى توضح قواعد التعامل مع اختلاط الحلال بالحرام

مدار الساعة ـ نشر في 2026/07/20 الساعة 15:28
مدار الساعة -السؤال

أعاني من كثرة التفكير والتردد عند القيام بأي عمل؛ لاختلاط الحلال بالحرام في زماننا، وأخشى أن أقع في الوسوسة.

فكيف أتعامل مع مثل هذه الأمور بشكل عام؟ وكيف أفرق بين الورع المحمود، والتنطُّع والوسواس المذموم؟

ومتى نترك الحلال بسبب اختلاط الحرام؟

حاليًا أعمل في مجال البرمجة وحجوزات السياحة لعملاء مسلمين من الشرق الأوسط متوجهين إلى إندونيسيا. البلد في أصله إسلامي، وأغلب أكلهم حلال، لكن في مناطق كجزيرة بالي قد تتوفر بعض المحرمات في الفنادق، وطبيعة عملي تقتصر على حجز السكن، والسائق، وأحيانًا أماكن سياحية. وسؤالي يتلخص في الآتي:

1- من حيث الحجوزات: الفنادق قد تحتوي على بارات، وأنا أحجز الغرفة فقط دون علم أو تدقيق في بقية المرافق، وهدف الشركة تقديم أفضل سكن من ناحية النظافة والمنطقة. كما أحجز للعميل الإفطار، والذي قد يحوي أحيانًا على أطعمة محرمة منفصلة ومعزولة كليًا.

فهل عملي حلال؟ وهل يلزمني التدقيق والبحث عن مرافق الفندق قبل الحجز، أم يكفي أن منفعة السكن مباحة؟

2- الخوف من السيئة الجارية عند تسجيل الحسابات أو بناء موقع للشركة: يُطلب مني أحيانًا عمل حسابات وتسجيل الشركة في منصات ومواقع حجوزات الفنادق والطيران (مثل Booking أو منصات حجز الطيران)؛ لتسهيل العمل.

فهل أكسب إثما على الشخص الذي يسافر عن طريق هذه المنصات التي سجلتها، حيث قد تتوفر في الفنادق بارات، أو يقدم في الطائرة بعض الخيارات المحرمة كالخمور؟

أخشى إن تركت الوظيفة مستقبلًا أن يقوم موظف آخر باستخدام هذه الحسابات والمنصات التي سجلتها وفعلتها في حجوزات غير طيبة.

فهل أكسب سيئة جارية باعتباري أنا من أنشأ الحساب وسجله؟

إن مشكلتي، بشكل عام، أنني كلما أردت عمل نشر أو تسجيل حساب للشركة، أو حتى في حياتي اليومية، كأن يطلب مني شخص مساعدة بسيطة في تسجيل حساب بموقع لمشاهدة المباريات مثلًا، يتملكني خوف مثلًا من الإعلانات التي ستظهر، وأفضل عدم مساعدته خوفًا من السيئة الجارية.

لقد تعبت من التفكير والتأنيب؛ فأتمنى منكم توجيهي: كيف أتعامل في حياتي مع الأمور الحلال المختلطة بالحرام؟ ومتى يجب تركها؟

وأرجو مساعدتي بالتوجيه الشرعي الذي يريح قلبي، ويدفع عني التوتر والوساوس.

وأعتذر منكم عن إطالة الكلام.

جزاكم الله خيرًا، وبارك فيكم، ونفع بعلمكم.

الإجابــة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:

فجزاك الله خيراً على حرصك على تحري الحلال، واجتناب الحرام.

ولمعرفة كيفية التعامل مع الإشكالات التي ذكرتها فيما يتعلق باختلاط الحلال والحرام، والتفريق بين الورع المحمود والتكلف والتنطع المذموم؛ سنذكر لك قواعد عامة، ونصائح جامعة، نرجو أن تنفعك وتزيل حيرتك، وتشرح صدرك بإذن الله تعالى.

- الأصل في الأشياء الإباحة.

- اليقين لا يزول بالشك.

- التكليف منوط بالظاهر.

فالأصل أنّنا مكلفون بالحكم على ظاهر الأشياء، وليس بالتنقيب في النيات، أو البحث عن الخفايا.

-المشقة تجلب التيسير، بمعنى أنّ المشقة الخارجة عن المعتاد تكون سببا لتخفيف الشرع عن المكلف في الأحكام؛ فالدين يُسْر، والحرج مرفوع عن هذه الأمّة.

-الورع المحمود هو ترك ما فيه ريبة بناءً على أمارة ظاهرة، أو شبهة قوية تستند إلى دليل شرعي صحيح.

-الوسوسة والتنطع المذموم هو: البحث والتدقيق المبالغ فيه في أمور ظاهرها السلامة، بناءً على شكوك وأوهام وافتراضات.

- الأصل في التعامل فيما يستعمل في الحلال وفي الحرام بيعا أو إجارة أو غيرهما هو الجواز، ما لم يُعلم أنّ المقصود منه استعماله في الحرام، أو يكون الغالب على استعماله هو الحرام.

قال ابن قدامة -رحمه الله- في المغني: إذا ثبت هذا، فإنما يحرم البيع، ويبطل إذا علم البائع قصد المشتري ذلك، إما بقوله، وإما بقرائن مختصة به، تدل على ذلك.

فأما إن كان الأمر محتملا، مثل أن يشتريها من لا يعلم، أو من يعمل الخل والخمر معا، ولم يلفظ بما يدل على إرادة الخمر، فالبيع جائز. انتهى.

وقال الشوكاني -رحمه الله- في السيل الجرار: إذا كان الغالب في الانتفاع بالمبيع هو المنفعة المحرمة، فلا يجوز بيعه. انتهى.

-الإعانة على الإثم والعدوان لها صور يختلف باختلافها الحكم.

وقد جاء في بحث لمجمع فقهاء الشريعة بأمريكا، أن الإعانة على الإثم والعدوان أربعة أقسام:

1- مباشرة مقصودة، كمن أعطى آخر خمرًا بنية إعانته على شربها.

2- مباشرة غير مقصودة، ومنه بيع المحرمات التي ليس لها استعمال مباح؛ إذا لم ينو إعانتهم على استعمالها المحرم.

3- مقصودة غير مباشرة، كمن أعطى آخر درهمًا ليشتري به خمرًا، ومنه القتل بالتسبب.

4- غير مباشرة، ولا مقصودة: كمن باع ما يستعمل في الحلال والحرام، ولم ينوِ إعانة مستعمليه في الحرام، وكمن أعطى آخر درهمًا لا ليشتري به خمرًا، فإن اشترى به خمرًا وشربه، فلا إثم على من أعطاه الدرهم، طالما لم ينوِ به إعانته على المحرم.

ومن هذا القسم الرابع البيع والشراء، والإجارة من المشركين، وفساق المسلمين، والتصدق عليهم بالمال. اهـ.

وقد كان قرار المجمع تحريم الأنواع الثلاثة الأولى، وإباحة القسم الرابع، وهو ما ليس مباشرًا ولا مقصودًا.

والله أعلم.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/07/20 الساعة 15:28