التدريس الخصوصي.. عندما يتحول العلاج إلى مشكلة

محمد علي القلاب
مدار الساعة ـ نشر في 2026/07/20 الساعة 13:36
لم يعد التدريس الخصوصي في كثير من الأحيان وسيلةً لمساعدة الطالب المتعثر، بل أصبح ثقافةً سائدة تكاد تنافس المدرسة في دورها، حتى بات بعض الطلبة يدخلون الصفوف الدراسية وهم مقتنعون أن الفهم الحقيقي سيكون مساءً في المنزل مع المعلم الخصوصي، لا صباحًا في المدرسة. وهنا تكمن المشكلة.

فالمدرسة ليست مكانًا لتوزيع الكتب أو تقديم الامتحانات فقط، وإنما هي مؤسسة تربوية تبني الإنسان قبل أن تعلّمه، وتغرس في الطالب قيم الانضباط والاحترام والمسؤولية والانتماء، وتمنحه فرصة للتفاعل مع زملائه ومعلميه، وتكسبه مهارات الحوار والعمل الجماعي والقيادة. وهذه الأدوار لا يمكن أن يؤديها التدريس الخصوصي مهما بلغت جودته.

إن الاعتماد المفرط على الدروس الخصوصية يخلق طالبًا يعتمد على غيره في الفهم، وينتظر الشرح الفردي بدل أن يبادر إلى التفكير والبحث والاجتهاد. كما أنه يضعف مكانة الحصة الصفية ويقلل من اهتمام الطالب بالمعلم داخل المدرسة، فيتحول التعليم النظامي تدريجيًا إلى مجرد محطة تسبق الدرس الخصوصي.

ولا يقتصر الضرر على الطالب، بل يمتد إلى الأسرة التي تتحمل أعباءً مالية قد تكون فوق طاقتها، وإلى المجتمع الذي تتسع فيه الفجوة بين من يستطيع دفع تكاليف الدروس الخصوصية ومن لا يستطيع، مما يضعف مبدأ تكافؤ الفرص الذي يجب أن يقوم عليه التعليم.

ولا يعني ذلك رفض التدريس الخصوصي رفضًا مطلقًا، فهو قد يكون حلًا مناسبًا في حالات محددة، كعلاج الضعف الدراسي أو تعويض الفاقد التعليمي أو مساعدة الطالب الذي يحتاج إلى دعم إضافي. لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح قاعدة عامة، وتتحول المدرسة إلى خيار ثانوي في نظر الطلبة وأولياء الأمور.

إن إصلاح التعليم لا يكون بتوسيع دائرة التدريس الخصوصي، بل بتعزيز مكانة المدرسة، ودعم المعلم، وتوفير بيئة تعليمية جاذبة، وتشجيع الطلبة على التفاعل داخل الصف، لأن المدرسة هي المكان الذي تُبنى فيه العقول والشخصيات، وليس مجرد مكان لتقديم المعلومات.

إن الأمم التي تضع ثقتها في مدارسها تبني مستقبلها، أما الأمم التي تجعل التدريس الخصوصي بديلًا عن المدرسة، فإنها تضعف أهم مؤسسة تربوية في المجتمع. فالمدرسة كانت وستبقى حجر الأساس في بناء الإنسان، وكل جهد يجب أن يتجه إلى دعمها لا إلى استبدالها.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/07/20 الساعة 13:36